باد باني... هوية فنية بورتوريكية تتحدى السياسة الأميركية

استخدام اللغة لإثارة قضايا سياسية أعمق

رويترز
رويترز
باد باني على خشبة المسرح خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده بين شوطي مباراة سوبر بول LX بين فريقي نيو إنجلاند باتريوتس وسياتل سي هوكس، في سان فرانسيسكو، كاليفورنيا، في 5 فبراير 2026

باد باني... هوية فنية بورتوريكية تتحدى السياسة الأميركية

لم يدخل المغني والرابر البورتوريكي باد باني، واسمه الحقيقي بينيتو أنطونيو مارتينيز أوكاسيو، إلى قلب السياسة الأميركية عبر تأييد مرشح بعينه. بل ارتقى من موسيقى التْرابْ (Trap) والريغيتون الناطقة بالإسبانية إلى الصدارة، دون أن يرى في الإنكليزية شرطا للانتشار العالمي، الأمر الذي يضفي سياقا خاصا على تصريحاته.

في أوائل فبراير/شباط 2026، تعزّز حضوره الإعلامي من خلال حدثين، واحد فني والآخر رياضي. ففي حفل توزيع جوائز "غْرَاميز" (Grammys)، استغل خطاب قبوله الجائزة للحديث عن أشخاص يغادرون أوطانهم بحثا عن حياة جديدة في مكان آخر، موجّها انتقادات إلى إدارة الهجرة والجمارك الأميركية. وردّت المتحدثة باسم البيت الأبيض علنا، متهمة إياه بتشويه صورة جهات إنفاذ القانون، واصفة الموقف بالمفارقة؛ إذ تحوّل خطاب تسلّم جائزة إلى جدل حادّ تصدّر الصفحات الأولى بشأن تطبيق قوانين الهجرة.

وبعد أيام قليلة، وخلال مباراة "سوبر بول" (LX) في سانتا كلارا، قدم باد باني عرض استراحة ما بين الشوطين بالإسبانية بالكامل. وصمم العرض ليكون رسالة قارية جامعة، فاستحضر دولا من الأميركتين، وقدم "أميركا" باعتبارها قارة لا تختزل في الولايات المتحدة. وأعلنت "آبل ميوزك" عن تفاعل غير مسبوق، مشيرة إلى ارتفاع معدلات الاستماع سبعة أضعاف فور انتهاء العرض. تكشف هذه الوقائع مجتمعة لماذا بات باد باني فاعلا في الشأن السياسي والاجتماعي العام، إذ تجعل شعبيته من الصعب تهميش الجدل حول اللغة وسياسات الهجرة والانتماء.

الهوية السياسية لموطنه الأصلي بورتوريكو لا تزال محورا أساسيا في لغة باد باني الفنية، فالجزيرة الكاريبية بتاريخها، وثقافتها، وصراعاتها، تشكّل جزءا جوهريا من هويته الفنية. هو يعود إليها باستمرار في أغانيه وصوره ورموزه.

بورتوريكو تمثل حالة معقدة لباد باني، تتأرجح بين الهوية الثقافية القوية والمميزة، والوضع السياسي المنقوص، فسيادتها غير مكتملة، إذ إنها تابعة للولايات المتحدة سياسيا، فسكانها مواطنون أميركيون وفخورون بذلك، لكنهم ناطقون بالإسبانية، ولا يسمح لهم بالتصويت في الانتخابات الرئاسية أو انتخاب ممثلين لهم في الكونغرس الأميركي مع أن القوانين الأميركية تمسهم بشكل مباشر مما يخلق توترا دائما بين الهوية المحلية والواقع السياسي.

وتكشف المرحلة المبكرة من حياة باد باني عن قدرٍ لافت من الإصرار على طموحه، رغم أن ملامح مستقبله لم تكن واضحة بعد. فبين مقاعد المدرسة والجامعة والعمل المتواضع في متجر كعامل تعبئة يحمل البضائع وكاشير لزيادة دخله، كان يسجل أغانيه بعد أن لفتت موهبته في التأليف والتلحين والغناء في سن الرابعة عشرة المنتجين، دون أن يدري أنه سيصبح لاحقا أحد أكثر الفنانين الناطقين بالإسبانية مبيعا وانتشارا في العالم. كان يتحرك بدافع الشغف وحده، لا بوعد النجاح.

وبعد تخرّجه من المدرسة الثانوية عام 2012، التحق باد باني ببرنامج الاتصالات السمعية‑البصرية في جامعة بورتوريكو في أريسيبو، وكان يطمح لأن يصبح مقدّما إذاعيا، لمساعدة أبيه سائق الحافلة، وأمه المدرسة. إلا أنه غادر الجامعة قبل إكمال دراسته ليتفرغ لتحقيق طموحاته الموسيقية. واختيرت أغانيه عبر منصة ساوندكلاود من ضمن أفضل الأغاني في أميركا اللاتينية خلال الأعوام اللاحقة، ليوقع بعدها عقودا كبيرة ابتداءً من 2016 إلى يومنا هذا، وبلغت ثروته نحو 100 مليون دولار أميركي.

بورتوريكو نفسها تمثل حالة معقدة لباد باني، تتأرجح بين الهوية الثقافية القوية والمميزة، والوضع السياسي المنقوص

تأثير عابر للحدود

أثر ظهور باد باني الإعلامي يتجاوز حدود بورتوريكو، إذ تتقاطع التجارب والضغوط في مختلف أنحاء أميركا اللاتينية. فقد شهدت المنطقة خلال العقد الماضي موجات هجرة واسعة دفعتها عوامل متعددة، من العنف والصدمات الاقتصادية إلى تداعيات تغيّر المناخ، إضافة إلى السعي وراء فرص عمل بأجور أعلى. وباتت الهجرة اليوم قضية سياسية إقليمية بامتياز، لا مسألة هامشية، إذ ترتبط بشكل متزايد ببنية الاقتصاد السياسي للدول، وبملفات الإسكان، والخدمات العامة، وما تفرضه من تحديات على المجتمعات المحلية.

أ.ف.ب
يؤدي المغني البورتوريكي باد باني عرضاً خلال مباراة سوبر بول LX بين فريقي باتريوتس وسيهوكس، والتي أقيمت في ملعب ليفي في سانتا كلارا، كاليفورنيا، في 8 فبراير 2026

وتحظى سرديات باد باني المرتبطة ببورتوريكو بتفاعل واسع في مختلف أنحاء المنطقة، لأن الضغوط التي تعكسها باتت مألوفة للكثيرين. فالهجرة لم تعد مجرد موضوع ثقافي، بل أصبحت نتيجة مباشرة لطبيعة الحوكمة، ولتحويل السكن إلى سلعة، ولتدهور الخدمات الأساسية، ولتراجع الثقة العامة بفعل الفساد والإفلات من العقاب. وفي المدن الساحلية والاقتصادات المعتمدة على السياحة، تحدد هذه العوامل من يستطيع البقاء، ومن يُدفع إلى الرحيل، ومن يُجبر على بدء حياته من جديد في مكان آخر. وبهذا المعنى، تتحول الهجرة من خيار فردي إلى استجابة مفروضة بقوة السوق وقدرة الدولة، وهو ما يفسر حضور قضايا التنقل في صلب السياسة الإقليمية اليوم.

سردية ترمب.. وسردية باد باني

كشف رد الفعل من الدوائر السياسية على تصريحات باد باني الأخيرة أن الموضوع لم يكن مجرد نقاش فني أو ثقافي، بل سياسي صرف. ووصف الرئيس دونالد ترمب العرض الأخير بأنه "سيئ للغاية"، واعتبره "صفعة على وجه البلاد". ولم يقتصر الاعتراض على الجانب الجمالي، بل لأن منتقديه من الساسة رأوا أن الاحتفال يتجاوز ما يعتبرونه "القيم الأميركية" أو "الهوية الأميركية" كما يفهمونها. لذلك، حاولوا تعريف الاحتفال الأخير ليطابق رؤيتهم الذاتية لما يجب أن تكون عليه أميركا.

وفي مناخ الاستقطاب السياسي-الثقافي هذا، تتحول اللغة إلى حدود رمزية. وتنتقل اللغة الإسبانية من كونها جزءا من الواقع المعاش للأمة الأميركية، إلى اعتبارها تعديا عليها، وينتقل الجدل من العرض ذاته إلى سؤال أي الجماعات يحق لها أن تشعر بأنها في وطنها داخل المشهد الوطني العام.

تؤدي اللغة دورا بديلا قويا، إذ تختزل طيفا واسعا من المخاوف السياسية لدى الأجيال الأولى من المهاجرين وأبنائهم في علامة واحدة مرئية

تؤدي اللغة دورا بديلا قويا، إذ تختزل طيفا واسعا من المخاوف السياسية لدى الأجيال الأولى من المهاجرين وأبنائهم في علامة واحدة مرئية. ومن خلالها يمكن إدارة سجالات حول التعليم والخدمات العامة والتحولات الديموغرافية من دون الإحالة إلى نص قانوني بعينه. وقد يصر منتقدون على أن عرضا ما لا يوحد، وكأن التماسك يفترض لسانا واحدا، وكأن ذلك اللسان محدد سلفا بأنه الإنكليزية.

وتكمن قوة هذا التأطير في اعتماده على عناصر مرئية في الفضاء العام، إذ يحول قضايا معقدة إلى إشارات واضحة يلتقطها الجمهور بسهولة، فيما تبقى السياسات نفسها بعيدة عن التفكيك. وهكذا ينتقل النقاش من تعقيدات الحوكمة إلى صراعات حول الرموز والدلالات، في دينامية تسرع وتيرة الاحتدام وتخدم من يتقنون الخطابة أكثر مما ينشغلون بصوغ الحلول.

التيار السائد الجديد

تُصعّب مسيرة باد باني الفنية مهمة الرقابة السياسية في عهد ترمب، فقد بنى هيمنته مع الحفاظ على مكانة اللغة الإسبانية. الجديد ليس اللغة الإسبانية بحدِّ ذاتها، بل استعداد المؤسسات الكبرى لوضعها في صميم أهم منصاتها.

أ.ف.ب
تسلّم باد باني جائزة ألبوم العام على خشبة المسرح خلال حفل توزيع جوائز غرامي الثامن والستين في ساحة كريبتو.كوم في الأول من فبراير 2026 في لوس أنجلوس، كاليفورنيا

فقد أعلنت "آبل ميوزك" أن المؤتمر الصحافي الذي عقد مع باد باني بين شوطي مباراة السوبر بول أصبح الأكثر مشاهدة في تاريخها، وأن نسبة الاستماع ارتفعت على نحو ملحوظ بعد الاستراحة. يُزعم عادة أن النخب هي من تفرض حضورا ثنائي اللغة، لكن هنا تسير الأمور في الاتجاه المعاكس: يتفاعل الجمهور على نطاق واسع، وتكافئ المؤسسات هذا التفاعل، في حين يبدو رد الفعل العنيف أقلّ دفاعا عن الذوق العام، وأكثر رفضا لفكرة تغيّر التيار السائد. ومع ذلك، لم تكن الولايات المتحدة الجمهور الوحيد. فقد رصدت التقارير التي تناولت عرضَ ما بين الشوطين صدى واسعا تجاوز حدودَ المكان، لا سيما في المكسيك، حيث اعتبرَ المشاهدون الأداءَ تقديرا لا مجرد تجربةٍ جديدة.

يُنظر إلى أداء باللغة الإسبانية على أنه تضامن، بينما تُفسّر ردود الفعلِ السلبية تجاه اللغة الإسبانية على أنها تحذير مُسيس بشأن من سيحظى بالحماية ومن سيشتبه به

لطالما مثّلت الولايات المتحدة، بالنسبة لجزء كبير من أميركا اللاتينية، مصدرا للطموح ومصدرا للقيود في آن واحد؛ فهي سوق عمل، ونظام تأشيرات، ومصدر رئيس للتصدير الثقافي. عندما يصرّ فنان من أميركا اللاتينية على استخدام مصطلح "أميركا" بمعناه القاري على أوسع نطاق، فإنه يزعزع الاعتقاد السائد بأن هذا المصطلح حكر على دولة واحدة.

لهذا السبب، سرعان ما يتحوّل الجدل حول اللغة إلى جدل حول الجغرافيا السياسية. ففي واشنطن، يُناقش موضوع الهجرة من خلال تطبيق القوانين والرسائل الانتخابية. أمّا في أنحاء المنطقة، فينظر إليها بوصفها حالة عائلية، تُقاس بالوضع القانوني، والتحويلات المالية، والخطرِ الدائمِ المتمثّلِ في إمكانية ضياع حياة بنيت عبر الحدود. في هذا السياق، يُنظر إلى أداء باللغة الإسبانية على أنه تضامن، بينما تُفسّر ردود الفعلِ السلبية تجاه اللغة الإسبانية على أنها تحذير مُسيس بشأن من سيحظى بالحماية ومن سيشتبه به. يمكن أن تُستقبل الإيماءة نفسها على أنها احتفاء لدى جمهور، وتهديد لدى جمهور آخر، الأمر الذي يكشف عن مدى التفاوت في توزيع الانتماء عبر نصف الكرة الأرضية.

الثقافة الشعبية في النقاشات السياسية

كثيرا ما يُنظر إلى الثقافة الشعبية في النقاشات السياسية بفوقية، باعتبارها ثقافة سطحية، مع أنها غالبا ما تكون ساحة لاختبار الافتراضات السياسية ومناقشتها علنا. شخصية باد باني تعد مدخلا لتحليل كيفية عمل السلطة في الحياة اليومية، بل إن أعماله باتت تطرح في الأبحاث السياسية في الجامعات الغربية لتدريس الاستعمار الأميركي والمقاومة البورتوريكية، لتوضيح كيف تدرك قضايا المواطنة واللغة والسيادة من خلال الاستهلاك السياسي-الثقافي اليومي، لا من خلال المؤسسات فحسب.

أ.ف.ب
تحدث باد باني على خشبة المسرح خلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد قبل مباراة سوبر بول LX وعرض ما بين الشوطين الذي أقامته Apple Music في مركز موسكون ويست في 5 فبراير 2026 في سان فرانسيسكو، كاليفورنيا

يوضّح هذا النهج الأكاديمي أيضا سبب خطأ غالبية قراءات الذعر الأخلاقي لأدائه فيما يخص ما هو فاعل سياسي. إذ يصوِّر بعض النقادِ أعماله على أنها إهانة للأخلاق، وكأنّ المتعة بحدّ ذاتها تعدّ سببا كافيا لاستبعادها. بينما تتناول كتابات أكاديمية أخرى الطابع الاحتفالي الذي يتخلّل أعماله، بما في ذلك الحياة الليلية والاحتفالات الجماعية، ليس كهروب من الواقع، بل بوصفه شكلا من أشكال الصمود الاجتماعي في ظلِّ ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية تشكِّلها الديون والتقشّف وعدم تكافؤِ الفرص والتسلط.

من الجدل الفني إلى معركة الشرعية العامة

لن يغيّر عرض باد باني في استراحة مباراة سياسات الترحيل، ولن يرفع الأجور، ولن يصلح البنى التحتية المتعثّرة في المنطقة. فالأثر السياسي لمثل هذا الظهور أدق بكثير. إنه يعيد تشكيل ما يُعدّ طبيعيا ومقبولا في الفضاء العام، ولهذا يتفجّر الجدل حوله بسرعة وبنبرة حاسمة. فردّ الفعل هنا أقرب إلى صراع حول من يملك حق تحديد معايير الشرعية في المجال العام، أكثر منه تقييما فنيا لأداءٍ موسيقي.

ويكشف هذا النمط كيف تحوّل الاستقطاب إلى وسيلة لجرّ الثقافة إلى مجال الحكم. فبدل الانشغال بتفاصيل السياسات، ينصرف الفاعلون السياسيون إلى الصراع على المعنى، مستخدمين لغة الأخلاق- عن الإساءة والفوضى والانحدار- للإيحاء بضرورة فرض الانضباط. وتصبح قضايا اللغة والجندر أدوات لرسم الحدود الرمزية، بينما تُترك أسئلة التنفيذ العملي خارج المشهد. وهكذا يبدو النقاش في ظاهره خلافا حول الذوق، لكنه في جوهره صراع على من يملك الحق في احتلال المركز داخل المجال العام.

بالنسبة إلى أميركا اللاتينية، تكمن الأهمية في الطريقة التي يُعاد بها التنازع على ذلك المركز عبر الحدود. لا تزال الولايات المتحدة تضبط حركة العبور من خلال التأشيرات، وأسواق العمل، والسياسات الأمنية، وأدوات النفوذ الاقتصادي. غير أن السلطة الثقافية لم تعد تسير في اتجاه واحد. فالمشاهد المشتركة باتت تنتقل بشروط إقليمية إلى جانب الشروط الأميركية، ما يخلق احتكاكا ويزعزع مسلمات قديمة بشأن من يمنح الاعتراف ومن يتلقاه.

ومع أن باد باني ليس مشرعا ولا منظما سياسيا، فإن تأثيره يظهر في جعل وقائع بعينها عصية على الإقصاء.

font change