من برلين إلى غزة... أي حياد للثقافة في زمن المذبحة؟

بعد انسحاب أرونداتي روي من مهرجان برلين السينمائي

 Prakash SINGH / AFP
Prakash SINGH / AFP
الكاتبة والناشطة الهندية أرونداتي روي خلال مؤتمر صحافي في نيودلهي، 22 أكتوبر 2020

من برلين إلى غزة... أي حياد للثقافة في زمن المذبحة؟

أعاد إعلان الروائية والناشطة السياسية الهندية أرونداتي روي انسحابها من مهرجان برلين السينمائي الدولي طرح السؤال القديم حول إمكان إبقاء الفن والأدب بعيدين عن السياسة، والتزام الحياد في أوقات الأزمات التي تعصف بمصائر الملايين. وهو سؤال يبدو في كل مرة كأنه يبعث من جديد، رغم أنه رافق الحداثة الثقافية منذ نشأتها.

جاء قرار روي، المعروفة بمواقفها الجذرية في قضايا العدالة وحقوق الشعوب، على خلفية تصريحات رئيس لجنة التحكيم في المهرجان، المخرج الألماني فيم فندرز، الذي دعا صناع الأفلام إلى "البقاء خارج السياسة"، معتبرا أن السينما تستطيع أن تغير العالم، ولكن "ليس بطريقة سياسية". غير أن هذه الدعوة، في سياق الموقف الألماني من الحرب الدائرة في غزة كما يراه منتقدوه، بدت أقرب إلى تحديد ضمني لسقف الخطاب منها إلى تنظير جمالي خالص.

فحين تصدر الدعوة إلى "الحياد" من شخص يتربع على رأس هرم مؤسسة ثقافية مرموقة، يغدو من الصعب أن تقرأ بوصفها رأيا فرديا فحسب، بل بوصفها إشارة ضمنية إلى ما ينبغي أن يقال، وما يفضل تجنبه. وهنا يغدو السؤال أعقد: هل من الممكن فصل هذا الموقف عن السياق السياسي الألماني الداعم لإسرائيل، الذي يتهمه منتقدوه بتجاهل ما يجري في غزة؟ أم أن الدعوة إلى "الابتعاد عن السياسة" تصبح، في مثل هذه اللحظة، إيحاء متماهيا مع الخطاب السياسي العام، حتى لو لم يصرح بذلك؟

من "الفن لأجل الفن" إلى "الأدب الملتزم"

لمقاربة هذا السؤال في سياق الحداثة الثقافية، قد يجدر التذكير بالانقسام الذي شهدته مواقف القرن التاسع عشر، بين من رفع شعار "الفن لأجل الفن"، دفاعا عن استقلالية الجماليات عن الأخلاق والسياسة، ومن رأى في الأدب فعلا أخلاقيا لا ينفصل عن العالم ومجرياته.

ارتبط الاتجاه الأول بأسماء مثل أوسكار وايلد، الذي شدد في مقدمة روايته "صورة دوريان غراي"، على أن قيمة العمل الأدبي تقاس بجودته لا بمضمونه الأخلاقي، قائلا: "ليس ثمة من رواية أخلاقية أو غير أخلاقية. فالروايات إما جيدة أو سيئة"، وصولا إلى عبارته الشهيرة: "كل فن عديم الفائدة تماما". كان ذلك إعلانا صريحا لاستقلال الفن عن كل غاية خارجية.

لا يعود السؤال مقتصرا على ما إذا كان الفن "مفيدا" سياسيا، بل ما إذا كان في وسعه أن يتنصل من العالم الذي ينتجه ويتلقاه

غير أن هذا التصور تعرض لاحقا لمساءلة عميقة. فإذا كان الفن "عديم الفائدة" بما يحرره من أي وظيفة، فهل يعني ذلك إعفاءه من المسؤولية؟

على الضفة الأخرى، طرح جان بول سارتر مفهوم "الأدب الملتزم". ففي كتابه "ما الأدب؟"، يؤكد سارتر أن "الكلمة فعل" La parole est action، وأن الكتابة ليست وصفا محايدا للعالم، بل تدخل فيه. فأن يتكلم المرء، معناه أن يفعل.

Getty Images
جان بول سارتر وميشال فوكو وأندريه غلوكسمان خلال تظاهرة في باريس عام 1969

من هنا، يصبح الكاتب مسؤولا عما يكشفه بكلماته في الفضاء العام. وفي ضوء هذه الجدلية، لا يعود السؤال مقتصرا على ما إذا كان الفن "مفيدا" سياسيا، بل ما إذا كان في وسعه أن يتنصل من العالم الذي ينتجه ويتلقاه. فحتى وايلد، المدافع عن استقلال الجمال، لم يكن في منأى من صراعات عصره الفيكتوري، وقد كشفت محاكمته أن الفن لا يعيش خارج السلطة.

أدورنو: استقلال الشكل واجتماعيته

من المفارقات أن بعض أبرز التأملات النظرية في علاقة الفن بالمجتمع، جاءت من السياق الألماني نفسه. هنا يمكن استدعاء الناقد والفيلسوف ثيودور أدورنو، أحد أعمدة مدرسة فرانكفورت، الذي قدم في "النظرية الجمالية" رأيا أعمق في هذا الخصوص، إذ يذهب إلى أن استقلالية الفن لا تعني انفصاله عن المجتمع، بل قدرته على نقده من موقع مغاير. فالعمل الفني، حتى حين لا يعلن خطابا سياسيا مباشرا، يحمل في بنيته أثر العالم الذي ولد فيه.

Manfred Rehm/picture alliance via Getty Images)
الفيلسوف وعالم الاجتماع ثيودور أدورنو خلال فعالية احتجاجية في فرانكفورت، 28 مايو 1968

ولئن لم يكن أدورنو من المنافحين عن التسييس المباشر للعمل الفني، لا بل إنه حذر من تحويله إلى دعاية، إلا إنه في الوقت ذاته يرفض فكرة "البراءة" الجمالية للمنتج الفني. فالعمل الفني، في نظره، كائن مستقل شكليا، لكنه مشروط تاريخيا. وفي هذا المعنى فإن استقلاليته ليست انفصالا عن العالم، بل طريقة مخصوصة في مقاومته. بمعنى أن العمل الفني قد لا يرفع شعارا أو يتناول حدثا سياسيا مباشرا، غير أنه يظل مع ذلك مشبعا بتاريخ اللحظة التي أنتجته. فحتى الصمت، أو الانسحاب (في حالة أرونداتي)، أو المقاربة التجريدية، يمكن أن تكون ردودا على واقع بعينه.

الحياد بوصفه موقفا: الفضاء العام عند حنة أرندت

ولكي نبقى في الحدود الثقافية الألمانية، يمكن استدعاء حنة أرندت، وإن من زاوية مختلفة. فلئن رأى ثيودور أدورنو أن استقلالية الفن لا تعني انفصاله عن المجتمع، بل هي شرط قدرته على نقده، فإن أرندت، وهي الفيلسوفة الألمانية اليهودية التي هربت إلى أميركا من جحيم النازية الألمانية، تذهب أبعد من ذلك في تحديد معنى السياسة ذاتها. ففي كتابها "الوضع البشري"، تميز بين ثلاثة أنماط من النشاط الإنساني، هي: العمل (labour)، أي النشاط المرتبط بالحاجات الحيوية ودورة البقاء، والصنع (work)، الذي ينتج العالم الاصطناعي من أشياء ومؤسسات وأعمال تدوم نسبيا، والفعل (Action)، وهو النشاط الذي يتحقق في المجال العام عبر الكلام والمبادرة والتفاعل بين البشر الأحرار.

تمنح أرندت "الفعل" مكانة مركزية، لأنه المجال الذي تتجلى فيه الحرية البشرية. فالسياسة عندها ليست إدارة الدولة ولا آلية الحكم، بل فضاء الظهور الذي يتكلم فيه الناس ويكشفون عن ذواتهم أمام الآخرين. إنها حيز التعددية، حيث لا يكون البشر متشابهين، بل يكونون مختلفين ومتكلمين.

من هذا المنظور، لا يعود الصمت حيادا صرفا، ذلك أن الامتناع عن الكلام، هو في لحظة ما، انسحاب من الفضاء المشترك. وحين ينسحب الفاعلون الثقافيون من هذا الفضاء باسم الحياد، فإن ما يتقلص ليس "التسييس"، بل مساحة الظهور ذاتها.

الجدل الذي يثيره انسحاب روي لا يتصل بواقعة معزولة، وإنما يستدعي تاريخا طويلا من التفكير في حدود العلاقة بين الجمالي والسياسي

تزداد المسألة حدة عند أرندت في "إيخمان في القدس"، إذ تحلل الفيلسوفة الألمانية ما سمته "تفاهة الشر"، ذلك الشر الذي لا ينبع من وحشية استثنائية، بل من الطاعة العادية والامتثال الأرعن. الخطر، في رأي أرندت، ليس فقط في الفعل الإجرامي، بل في غياب التفكير النقدي وفي الاكتفاء بالانتظام وفق الأدوار المحددة ضمن منظومة قائمة.

في هذا المعنى، فإن الجدل الذي يثيره انسحاب روي لا يتصل بواقعة معزولة، وإنما يستدعي تاريخا طويلا من التفكير في حدود العلاقة بين الجمالي والسياسي، وبين حرية الإبداع ومسؤولية الموقف. وبالنسبة إلى مهرجان عريق في حجم "البرليناله"، فإن مثل هذا الجدل يكتسي صدى أبعد.

أرونداتي روي: "مصدومة ومشمئزة"

ليست أرونداتي روي صوتا طارئا في هذا السجال، فمنذ فوزها بجائزة "بوكر" عن روايتها "إله الأشياء الصغيرة" The God of Small Things، صارت من أبرز المثقفين المنخرطين في الشأن العام. وعرفت بمواقفها الناقدة للنزعة القومية الهندوسية في الهند، وبدفاعها عن كشمير، وانتقادها للسياسات النيوليبيرالية والحروب الأميركية، وصولا إلى موقفها البارز من القضية الفلسطينية ومن الحرب على غزة.

غلاف كتاب "إله الأشياء الصغيرة"

وفي بيان انسحابها، لم تترد روي في وصف ما يحدث في غزة بأنه "إبادة جماعية"، موجهة سهام انتقادها إلى دعم حكومات غربية لإسرائيل، معتبرة أن مطالبة الفن بالابتعاد عن السياسة في مثل هذه اللحظة تعني عمليا كم أفواه الضمائر الثقافية.

وجاء في بيان انسحاب روي، أن "ما حدث في غزة، وما يستمر في الحدوث، هو إبادة جماعية للشعب الفلسطيني على يد دولة إسرائيل... وهو مدعوم وممول من حكومات الولايات المتحدة وألمانيا، وكذلك عدة دول أوروبية أخرى، مما يجعلها متواطئة في الجريمة."

وفي تعليقها على تصريح فيم فندرز في وجوب أن يبقى خارج السياسة، تقول روي: "أن نسمعهم يقولون إن الفن لا ينبغي أن يكون سياسيا أمر يبعث على الذهول. إنها طريقة لإغلاق النقاش حول جريمة ضد الإنسانية تحدث أمام أعيننا في بث حي – في وقت يجب فيه على الفنانين والكتاب وصناع الأفلام أن يفعلوا كل ما في وسعهم لإيقافها".

AP Photo/Jehad Alshrafi
تصاعد الدخان والنيران إثر ضربة إسرائيلية على حيّ الزيتون في مدينة غزة، 6 فبراير 2026

وتضيف روي التي وصفت تصريحات فندرز بأنها "منافية للضمير": "إذا كان أعظم صناع الأفلام والفنانين في عصرنا لا يستطيعون الوقوف والقول بذلك، فعليهم أن يعلموا أن التاريخ سيحاكمهم. أنا مصدومة ومشمئزة".

Anthony WALLACE / AFP
أرونداتي روي خلال مؤتمر صحافي في سيول، 25 نوفمبر 2021

الجدير بالذكر أن دعوة روي إلى المهرجان جاءت لمناسبة عرض النسخة المرممة من فيلمها In Which  Annie Gives It Those Ones ضمن قسم "الكلاسيكيات"، وهو عمل كتبته في أواخر ثمانينات القرن الماضي، قبل أن يكرسها الأدب اسما عالميا. وقد وصفت الفيلم بأنه عمل "مرح وخفيف"، مما يضفي مفارقة إضافية على الحدث: إذ لم تكن مشاركتها المرتقبة ذات طابع سياسي مباشر، بل احتفاء بعمل فني مبكر.

ملصق فيلم "حين تعطي آني كل ما عندها" (1989)

أي حياد هذا؟

والحال كذلك، لا تبدو المسافة من برلين إلى غزة جغرافية فحسب، بل ثقافية وأخلاقية أيضا. فالسؤال الذي أعادته واقعة انسحاب أرونداتي روي إلى الواجهة ليس سؤالا يخص مهرجانا بعينه، بل سؤال متجدد عن موقع الثقافة نفسها في زمن العنف، وما إذا كان في مقدورها التزام الحياد والبقاء في مأمن من المساءلة، أم أن الحياد، في لحظات الدم المستباح، يغدو موقفا شديد التموضع والوضوح؟

السؤال الأكثر الحاحا: هل نحمي الفن من السياسة، أم نحمي السياسة من مساءلة الفن؟ وفي هذا السجال المفتوح، تظل الثقافة امتحانا دائما للضمير

ما بين دفاع أوسكار وايلد عن "استقلال الجمال"، وتشديد جان بول سارتر على أن "الكلمة فعل"، وتحليل ثيودور أدورنو "لاجتماعية الشكل الفني"، وتنبيه حنة أرندت إلى أن "الفعل والكلام هما جوهر الوجود في الفضاء العام"، يتضح أن الفصل الحاد بين الفن والسياسة لم يكن يوما مسألة شديدة الحسم. ولئن لم يكن المقصود أن يتحول الفن إلى بيان سياسي، فإن التنكر للعالم ليس حيادا بريئا.

Ronny HARTMANN / AFP
فيم فندرز مع أعضاء لجنة التحكيم خلال افتتاح مهرجان برلين السينمائي 76، 12 فبراير 2026

فحين يدعى الفن إلى الصمت باسم الحياد، يغدو السؤال الأكثر الحاحا: هل نحمي الفن من السياسة، أم نحمي السياسة من مساءلة الفن؟ وفي هذا السجال المفتوح، تظل الثقافة امتحانا دائما للضمير، لا مساحة معقمة خارجه.

font change