كشفت الولايات المتحدة أنها يسرت مباحثات في مدريد، جمعت الأطراف المعنية بنزاع الصحراء الغربية: المغرب و"جبهة البوليساريو" والجزائر وموريتانيا، في خطوة عكست تحولا لافتا عن المسار الطويل، الذي قادته الأمم المتحدة، سعيا إلى تسوية سياسية لنزاع الصحراء الغربية. انعقدت هذه المحادثات برعاية مسعد بولس، مبعوث الرئيس الأميركي ترمب إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، وبمشاركة الممثل الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز. وعلى الرغم من أن لقاءات مدريد لم تفض إلى اتفاقات ملموسة تذكر، فإنها حملت رسالة واضحة، مفادها أن إدارة ترمب عازمة على الحفاظ على الزخم الدبلوماسي في الأسابيع المقبلة.
ويجسد هذا التحرك عمليا الالتزام الوارد في قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي اعتمد في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إذ أثنى المجلس على استعداد الولايات المتحدة لاستضافة مفاوضات، دعما لجهود المبعوث الشخصي من أجل التوصل إلى حل لقضية الصحراء الغربية وسياقها الإقليمي الأوسع. ومن خلال اضطلاعها بهذا الدور، تقدمت واشنطن إلى صدارة المساعي الرامية إلى معالجة نزاع، ظل عالقا في فراغ دبلوماسي طويل، بعدما انهار وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2020.
وقد حققت الإدارة الأميركية بالفعل إنجازا دبلوماسيا بارزا، فقد تطلب حضور الجزائر إلى طاولة المفاوضات جهدا متواصلا وحسابات دقيقة. فعندما عرض القرار 2797 على التصويت، اختارت الجزائر- وكانت آنذاك عضوا غير دائم في مجلس الأمن- عدم المشاركة. وأسهم الضغط الصادر عن الكونغرس الأميركي، بما في ذلك التهديد بفرض عقوبات على خلفية علاقات الجزائر الدفاعية مع روسيا، فضلا عن مقترحات تصنيف "جبهة البوليساريو" التي تدعمها الجزائر تنظيما إرهابيا، في دفعها إلى المشاركة في نهاية المطاف. وقد ظل مسؤولون جزائريون حتى وقت قريب يؤكدون تمسكهم بصفة المراقب الإقليمي، ويرفضون توصيف الجزائر طرفا مباشرا في النزاع. ومع ذلك، فإن اختزال انخراط الجزائر في كونه نتيجة لضغوط خارجية فحسب، يحجب الصورة الدبلوماسية الأوسع. لقد أتاح إدراك إدارة ترمب للشواغل الاستراتيجية والحساسيات السياسية الجزائرية تهيئة ظروف مواتية لمشاركتها. ويظل الحفاظ على هذا النهج المتوازن شرطا أساسيا إذا أريد للجزائر أن تواصل إسهامها بصورة جوهرية وبناءة.
ويعكس إصرار واشنطن على ضمان إدماج الجزائر في محادثات مدريد، عمق اعتماد "جبهة البوليساريو" المتزايد على الدعم الجزائري. فعلى مدى العقود الماضية، تآكل الاعتراف الدبلوماسي بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، التي تعلن تمثيل الشعب الصحراوي. وعندما برزت "جبهة البوليساريو" في سبعينات القرن الماضي، سارعت أكثر من ثمانين دولة إلى الاعتراف بالكيان الذي أعلنته. غير أن ما يزيد على خمسين دولة سحبت اعترافها لاحقا. ومع انحسار هذا التأييد الدولي، تعاظم دور الجزائر، فاكتسب ثقلا ماديا ودلالة رمزية في إسناد القضية السياسية لـ"البوليساريو".

ويعكس استعداد الجزائر لاستضافة اللاجئين الصحراويين على أراضيها عمق التزامها بقضية "البوليساريو". وتتباين تقديرات أعداد اللاجئين تباينا حادا. فقد قدّر أحدث مخطط للاستجابة للاجئين الصحراويين، الذي يجمع احتياجات جميع وكالات الأمم المتحدة العاملة في المخيمات، العدد بنحو 174 ألفا، فيما تشير مصادر أخرى موثوقة، من بينها مراقبون يزورون مخيمات تندوف بانتظام، إلى رقم أقرب إلى40 ألفا.
النظر إلى "جبهة البوليساريو" بوصفها مجرد وكيل للجزائر، سيكون بدوره خطأ جسيما. لقد تأسست "الجبهة" عام 1973 في موريتانيا المجاورة، ولكن اضطلعت الجزائر بدور الداعم الرئيس لها. ويرتبط ملف الصحراء الغربية في وعي القيادة السياسية الجزائرية، ارتباطا وثيقا بتجربتها الخاصة في مناهضة الاستعمار وبالمرحلة التأسيسية للتحرر الوطني. ولا ينظر المسؤولون الجزائريون إلى دعمهم من زاوية أيديولوجية متصلة بالتطرف، أو باستقطابات الحرب الباردة، بل يعبر موقفهم عن تمسك راسخ بمبدأ تقرير المصير بوصفه ركنا من أركان النظام ما بعد الاستعمار. وقد حافظ هذا الاقتناع على ثبات الموقف الجزائري عبر عقود من التحولات الإقليمية والدولية.
