يقف المغني والموسيقي السوري بشار زرقان اليوم، في منطقة الحيرة، وسط تجاذبات الغناء العربي من جهة، والتحولات التي طرأت على ذائقة المتلقي حيال المشاريع البديلة، من جهة ثانية، فكان عليه أن يفتش عن مناطق موسيقية تضع تجربته في مرمى الأسئلة الراهنة، من دون أن يتخلى عن منجزه الغنائي في مراودة النصوص النوعية التي صبغت مناخاته ما يقرب نحو ثلاثة عقود.
ينفي صاحب "حلاج الوقت" انغلاقه على الشعر الصوفي وحده بوصفه مغنيا صوفيا، لكنه في الوقت ذاته لا ينكر إشراقات هذا الشعر وروحانيته في تأصيل نغم عربي يرمم خسارات الأغنية العربية لجهة السطحية والخفة ومتطلبات السوق. ويتدارك: "لا أظن أن هذا الضرب من الغناء استنفد أغراضه، فما زلت أكتشف جماليات لغوية تشد من أزر هذه النصوص إلى حدود الشطح الإيقاعي، وتاليا، كل ما اشتغلته في هذا السياق يقع في باب التمرد، سواء في فحص المناطق المهملة في الشعر القديم أو في مقترحات الشعر الحديث، فلا مسافة فاصلة بالنسبة إلي بين نص للحلاج أو ابن الفارض، ونص لمحمود درويش، طالما أن كليهما يمنحانني القدرة على التحليق عاليا في إغناء مشروعي التجريبي بعيدا من التطريب المجاني".
تطويع شعرية النص موسيقيا
من قصيدة "الهدهد" إلى "الجدارية" لمحمود درويش، خاض بشار زرقان في مياه كثيرة بهدف فحص نصوص الشاعر الفلسطيني الراحل وتفكيكها، في مغامرة لافتة لصوغ جملة موسيقية تنساب برهافة وإشباع وزخم. في قصيدة "تنسى"، نقع على مقترح نغمي آسر، يجذب المتلقي إلى فضاءات مفتوحة على احتمالات النسيان والتذكر، بنشوة صوتية تتناهب جهاتها ثلاث آلات هي الغيتار والأكورديون والتشيلو في تمازج حميمي: "تنسى، كأنك لم تكن/ تنسى كمصرع طائر/ ككنيسة مهجورة/ تنسى كحب عابر وكوردة في الليل... تنسى".



