مضيق هرمز في قلب الحرب... العالم يترقب صدمة نفطية

ثلاثة سيناريوهات للنظام في إيران بعد المرشد تحكم مصير المنطقة أمنيا واقتصاديا

رويترز
رويترز
إيران تستخدم مضيق هرمز كسلاح ضغط

مضيق هرمز في قلب الحرب... العالم يترقب صدمة نفطية

مع اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، دخل الاقتصاد العالمي مرحلة اختبار حاد، عنوانه أمن الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد. وفي صلب المشهد يقف مضيق هرمز، شريان الطاقة العالمي، الذي يمر عبره يوميا نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط، ونحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال بحرا. ففي هذه المرحلة، لم يعد الخطر نظريا، إذ إن أي تعطل فعلي أو حتى اضطراب محدود في حركة الملاحة كفيل دفع أسعار النفط إلى قفزات حادة خلال أيام، ورفع تكاليف الشحن والتأمين، وإعادة إشعال موجة تضخمية عالمية في اقتصادات لم تستكمل تعافيها بعد.

مرحلة جديدة من عدم الاستقرار

يؤشر مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، ونحو 40 من قادة الصف الأول في نظام ولاية الفقيه والحرس الثوري، وخروج آلاف الإيرانيين إلى الشوارع في المدن والأرياف في اليوم الأول من الحرب، ابتهاجا بالضربات الإسرائيلية الأميركية، الى دخول البلد مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، سيكون لها تأثيراتها داخل الشرق الأوسط، ومناطق أخرى بعيدة في العالم.

وفي اليوم الثاني من الحرب ظهر النظام متماسكا، ويقبض على مقاليد السلطة بالنار والرصاص، وقرر الانتقام من ضربات قاصمة، اعتبرها مراقبون الأكثر إيلاما، منذ نشأة الجمهورية الإسلامية في مثل هذه الأيام من عام 1979. وقال محللون إن "كل الفرضيات والسيناريوهات باتت ممكنة" منها، أولا، صمود النظام، مع الاستمرار في قمع المتظاهرين والمعارضين، وتحدي العقوبات الدولية، ومواصلة البرنامج النووي، وقصف ما تطاله الصواريخ والمسيرات، مما قد يطيل عمر الحرب والمواجهة، ويغرق المنطقة في حالة من عدم اليقين العسكري والاقتصادي.

السيناريو الثالث الذي لمح إليه بعض التصريحات الانتقامية لمقتل المرشد، هو مواصلة الفريق الأكثر تطرفا في النظام سياسة التحدي والممانعة، ولعب ورقة الانتحار الاقتصادي والأمني، بإغلاق مضيق هرمز

ثانيا، احتمال سقوط نظام ولاية الفقيه من الداخل، وانضمام جزء من الجيش النظامي إلى ثورة المحتجين ضد الدولة الدينية القمعية الرجعية، التي أعادت إيران سنوات ضوئية إلى الوراء. وهذه الفرضية هي الأقل تكلفة لطهران وجيرانها، وللرئيس الأميركي دونالد ترمب نفسه، لأنه لا يريد حربا طويلة، ولا نفطا يصل إلى عتبة الـ100دولار، قد يشعل الأسعار ويعيد التضخم، والفائدة المرتفعة، ومعها ثقل المديونية الأميركية المقدرة بـ36 تريليون دولار.

رويترز
صورة من الأقمار الصناعية لمضيق هرمز

كل ذلك على بعد أشهر فقط من الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، مما يضعف موقع ترمب أمام معارضيه الديمقراطيين، الذين يتذكرون فشل الرئيس الأسبق جيمي كارتر في إنقاذ موظفي السفارة الأميركية في طهران بعد سقوط نظام الشاه محمد بهلوي الذي كلفه تضييع ولاية رئاسية ثانية.

سيناريو الانتحار الاقتصادي

أما السيناريو الثالث الذي لمح إليه بعض التصريحات الانتقامية لمقتل المرشد الأعلى، فهو مواصلة الحرس الثوري أو الفريق الأكثر تطرفا في النظام سياسة التحدي والممانعة، ولعب ورقة الانتحار الاقتصادي والأمني، بإغلاق مضيق هرمز، الذي يعبر منه 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، وإطلاق يد الحوثيين في باب المندب وخليج عدن، لمنع حرية الملاحة التجارية الدولية، مما سيؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار الطاقة، التي تقترب حاليا من سعر 80 دولارا، والتسبب في أزمة إمدادات، وعرقلة التجارة بين الصين وأوروبا عبر قناة السويس.

وهذا السيناريو أصبح واقعا، ومن تداعياته زيادة تكلفة التأمين على الشحن البحري، وكذلك عدم استقرار أسعار صرف العملات، وانهيار الأسهم الأميركية والأوروبية. وبدأت شركات التأمين البحري بالفعل رفع أسعار التغطية للسفن العابرة للخليج العربي ومضيق هرمز بنسب تصل إلى 50 في المئة.

 ألحقت إيران بنفسها ضررا سياسيا واقتصاديا منذ الساعات الأولى لاندلاع الضربات بالاعتداء على دول جيرانها الأقربين 

وقد ينضم "حزب الله" إلى قائمة المنتقمين لمقتل خامنئي لدواع مذهبية وعقائدية، مما قد يفتح جبهة أخرى في جنوب لبنان ويتسبب في خسائر اقتصادية وبشرية في هذا البلد الذي لا يزال تحت وطأة تداعيات حرب عام 2024، ويحتاج إلى نحو 11 مليار دولار لإعادة الإعمار والتعافي، بحسب تقديرات البنك الدولي. وهذا السيناريو من بين الأسوأ، ولا تريده الإدارة الأميركية، حتى لا تتورط إسرائيل في حرب استنزاف شمال البلاد، تحرج التضامن العربي ضد إيران، خصوصا الدول الثماني المنخرطة في مجلس السلام الأميركي، وهي السعودية، الإمارات، قطر، مصر، المغرب، الكويت، البحرين، والأردن، التي فاقت المساهمات الخليجية منها 4 مليارات دولار، لإعادة إعمار قطاع غزة.

رويترز
ازدحام الناس أمام محطة وقود عقب القصف الإسرائلي على طهران، 28 فبراير 2026

المفارقة أن إيران ألحقت بنفسها ضررا سياسيا واقتصاديا منذ الساعات الأولى لاندلاع الضربات بالاعتداء على جيرانها الأقربين، مما أدى إلى توسيع جبهة الاعتراض عليها، وبدت معزولة ومدانة منذ البداية. واعتبر ديبلوماسي "أن الاعتداء على جيران إيران في دول الخليج العربي تحت تبرير قصف القواعد الأميركية، انتحار استراتيجي".

انهيار الاقتصاد قد يسقط النظام  

تعاني طهران حاليا من عزلة إقليمية وعربية وإسلامية غير مسبوقة، منذ حرب الخليج الأولى. وفي الداخل يواجه النظام احتجاجات اجتماعية ذات أبعاد سياسية واقتصادية منذ نهاية العام المنصرم، قتل خلالها عشرات الآلاف من الشباب والنساء وتجار البزار، الذين كانوا السند الرئيس لثورة آية الله الخميني، وفق مصادر غربية. وأصبح من الصعب بعد اندلاع الحرب وقف الحراك الشعبي الإيراني، التي باتت تدعمه الإدارة الأميركية والدول الغربية جهرا. وقال الأستاذ دامون غولريز من معهد "جيوبوليتيك" في لاهاي، في تصريح لقناة "دويتشه فيله" الألمانية "إن نظام إيران يعيش عزلة دولية قاسية منذ مطلع 2026، وحتى حلفاؤه مثل الصين التي تشتري 80 في المئة من مبيعات النفط الإيراني، وروسيا التي تتزود المسيرات الحربية في حربها ضد أوكرانيا، لن تغامرا بصراع مع واشنطن، من اجل نظام مهدد بالسقوط من الداخل".

ويرزح الاقتصاد الإيراني تحت وطأة تضخم مرتفع  يقدر بـ40 في المئة، بعدما كان في حدود 32,5 في المئة عام 2024، وفق تقرير صندوق النقد الدولي، الذي توقع انهيارا في سعر صرف الريال الإيراني. ويعاني الشعب الإيراني في الأرياف من أزمة مياه حادة في بلد زراعي وجبلي.

في عام 2025، زاد الإنتاج بمقدار 2,9 مليون برميل يوميا، وهو ما يمثل نحو 3 في المئة من الطلب العالمي. وكان التحالف أضاف زيادات شهرية تدريجية ومحدودة بواقع 137 ألف برميل يوميا، في الربع الأخير من العام المنصرم

وتوقع البنك الدولي أن يتراجع النمو الاقتصادي بمعدل 2,8 في المئة هذا العام، بعد أن تراجع 1,7 في المئة العام 2025. واعتبر "أن تراجع صادرت إيران النفطية بسبب العقوبات الأميركية، يعد أحد الأسباب المباشرة  للصعوبات الاقتصادية، وندرة العملات الصعبة". وقالت وسائل إعلام أوروبية "إن الحكومة الإيرانية ترصد كل إمكاناتها المالية لتطوير برامجها النووية وصواريخها الباليستية، كما تنفق على دعم أذرعها الإقليمية مثل 'حزب الله' والحوثيين، للضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل وجيرانها العرب"، وفقا لتقرير نشرته "دويتشه فيله" الألمانية.

النفط تحت ضغط التوترات الجيوسياسية

يعتقد محللون أن النظام الإيراني أصبح عنصر إزعاج وضرر لمجموع منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، بسبب ممارساته العدائية ضد من يخالفه التوجه العقائدي. وعلى المستوى الدولي يتخوف المستثمرون من استخدام طهران ورقة النفط والإمدادات، للإضرار بالاقتصاد العالمي. ومن المقرر أن تعقد منظمة "أوبك+" اجتماعا اليوم لإعلان استئناف زيادة الإنتاج لشهر أبريل/نيسان لمواجهة أي طارئ في الأسواق أو تعثر في الإمدادات. ووافقت دول أعضاء على زيادة إنتاجها النفطي تدريجيا.

رويترز
صورة جوية لمدينة الكويت عقب الهجمات الإيرانية، 28 فبراير 2026

وفي عام 2025، زاد الإنتاج بمقدار 2,9 مليون برميل يوميا، وهو ما يمثل نحو 3 في المئة من الطلب العالمي. وكان التحالف أضاف زيادات شهرية تدريجية ومحدودة بواقع 137 ألف برميل يوميا، في الربع الأخير من العام المنصرم.  وبين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2026، لم يتم تحديد أي زيادات أخرى، بسبب انخفاض الطلب.

وتراهن الأسواق على دور المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، لزيادة الإنتاج وتعويض أي إمدادات محتملة، لحماية الأسواق من المضاربات، وتوازن العرض والطلب، لتجنب الإضرار بالاقتصاد العالمي.

font change

مقالات ذات صلة