لم تكن الحشود العسكرية الهائلة التي دفعت الولايات المتحدة بها إلى الشرق الأوسط منذ منتصف يناير/كانون الثاني الماضي سوى تأكيد على تصميم واشنطن على تأديب إيران وتغيير نظامها إن أمكن.
وكان من السذاجة الاعتقاد بأن أكبر حشد عسكري أميركي منذ الحرب على العراق عام 2003 كان مجرد تصعيد للضغوط على إيران لانتزاع المزيد من التنازلات فيما يخص برنامجيها النووي والصاروخي في ظل تأهب حاملات الطائرات والطائرات الهجومية بعيدة المدى والدفاعات الجوية والتجهيزات اللوجستية الضخمة. كما لم تكن عملية الاستيلاء على موارد النفط الفنزويلية بمعزل عن هذه الخطة المبيتة. إذ توقعت إدارة دونالد ترمب إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز والتسبب في رفع أسعار النفط عالميا ومن ثم تحسبت لذلك بتأمين ما يعوض جانبا من النقص الناجم عن ذلك، إذا استثنينا الهدف البعيد المتمثل في قطع أحد شرايين إمدادات النفط للصين.
وإذا كانت الحملة الجديدة هي امتداد لتلك التي بدأتها إسرائيل في يونيو/حزيران من العام الماضي فيما عرف بـ"حرب الـ12 يوما"، فإن الغاية هذه المرة هي اجتثاث النظام الإيراني أو على الأقل تدمير كافة قدراته العسكرية للقضاء على "محور المقاومة" بعد أن كسرت أجنحته المتمثلة في "حزب الله" والنظام السوري الساقط و"حماس" والحوثيين. فالعملية هذه المرة تتم منذ بدايتها بالاشتراك والتنسيق التام بين إسرائيل والولايات المتحدة وتحت مظلة خدعة المفاوضات التي تتوسط فيها سلطنة عمان. فالنظامان الآن في حاجة إلى تشتيت الانتباه عن أزماتهما الداخلية. وملفات إبستين تلف حبالها حول الرئيس الأميركي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وتربص قطاع كبير من الناخبين لإنزال الخسائر بالحزب الجمهوري وتقليص سلطات الرئيس في الوقت الذي تشهد فيه الجبهة الداخلية انقساما حادا عادة لا يسد هوته سوى قضية عامة تتعلق بالأمن القومي.

كما يحتاجها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للتغطية على ما يحدث في غزة ومواصلة انتهاكاته التي تضرب بخطة السلام وبمشروع إعادة إعمار القطاع عرض الحائط، وأيضا للتعتيم على مخططه لضم الضفة الغربية. ويحتاج نتنياهو إلى إنجاز تاريخي يسجل باسمه باعتباره القائد الإسرائيلي الذي خلص إسرائيل من جميع مصادر التهديد الوجودي التي اصطنعها فضلا عن إعادة تشكيل خريطة النفوذ في الشرق الأوسط واستكمال ما فشل في تحقيقه في حرب الاثني عشر يوما.
وإذا كان نتنياهو يروج لخطته بتصوير النظام الإيراني على أنه يشكل تهديدا وجوديا لإسرائيل، فإن ترمب يعيد استخدام سيناريو غزو العراق الذي قاده الرئيس الجمهوري الأسبق جورج بوش الابن، حيث يستخدم النشاط النووي الإيراني ومزاعم اقتراب طهران من الاستحواذ على سلاح نووي وقمع المتظاهرين كمبرر لحربه على النظام، رغم إعلانه عقب انتهاء عملية "مطرقة منتصف الليل" في يونيو/حزيران الماضي محو القدرات النووية الإيرانية.
ويأتي هذا فيما لم يرد ذكر ضمان حرية التعبير أو المتظاهرين في المفاوضات النووية التي اقتصرت المطالب الأميركية (الإسرائيلية) فيها على إنهاء النشاط النووي والبرامج الصاروخية الإيرانية.
وتماهت أولويات الحملة الأميركية مع تلك الإسرائيلية لتنتقل من تفريغ البرنامج النووي الإيراني إلى تفكيك البرامج الصاروخية وقطع شرايين الدعم الإيراني لجماعات المقاومة من "حماس" إلى "حزب الله" والحوثيين، ما يعني استسلاما إيرانيا كاملا يرقى إلى مستوى التعجيز الذي تأباه طهران حتى لو كان ثمنه الحرب.
