تغيير النظام الإيراني... هدف مشترك لترمب ونتنياهو

الحرب تخدم مصالح زعيمي اميركا واسرائيل في مواجهة الأزمات الداخلية

أ ف ب
أ ف ب
لقطة من فيديو وزعه الجيش الاسرائيلي تُظهر الانفجار في مقر المرشد الايراني في 28 فبراير

تغيير النظام الإيراني... هدف مشترك لترمب ونتنياهو

لم تكن الحشود العسكرية الهائلة التي دفعت الولايات المتحدة بها إلى الشرق الأوسط منذ منتصف يناير/كانون الثاني الماضي سوى تأكيد على تصميم واشنطن على تأديب إيران وتغيير نظامها إن أمكن.

وكان من السذاجة الاعتقاد بأن أكبر حشد عسكري أميركي منذ الحرب على العراق عام 2003 كان مجرد تصعيد للضغوط على إيران لانتزاع المزيد من التنازلات فيما يخص برنامجيها النووي والصاروخي في ظل تأهب حاملات الطائرات والطائرات الهجومية بعيدة المدى والدفاعات الجوية والتجهيزات اللوجستية الضخمة. كما لم تكن عملية الاستيلاء على موارد النفط الفنزويلية بمعزل عن هذه الخطة المبيتة. إذ توقعت إدارة دونالد ترمب إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز والتسبب في رفع أسعار النفط عالميا ومن ثم تحسبت لذلك بتأمين ما يعوض جانبا من النقص الناجم عن ذلك، إذا استثنينا الهدف البعيد المتمثل في قطع أحد شرايين إمدادات النفط للصين.

وإذا كانت الحملة الجديدة هي امتداد لتلك التي بدأتها إسرائيل في يونيو/حزيران من العام الماضي فيما عرف بـ"حرب الـ12 يوما"، فإن الغاية هذه المرة هي اجتثاث النظام الإيراني أو على الأقل تدمير كافة قدراته العسكرية للقضاء على "محور المقاومة" بعد أن كسرت أجنحته المتمثلة في "حزب الله" والنظام السوري الساقط و"حماس" والحوثيين. فالعملية هذه المرة تتم منذ بدايتها بالاشتراك والتنسيق التام بين إسرائيل والولايات المتحدة وتحت مظلة خدعة المفاوضات التي تتوسط فيها سلطنة عمان. فالنظامان الآن في حاجة إلى تشتيت الانتباه عن أزماتهما الداخلية. وملفات إبستين تلف حبالها حول الرئيس الأميركي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وتربص قطاع كبير من الناخبين لإنزال الخسائر بالحزب الجمهوري وتقليص سلطات الرئيس في الوقت الذي تشهد فيه الجبهة الداخلية انقساما حادا عادة لا يسد هوته سوى قضية عامة تتعلق بالأمن القومي.

رويترز
الدخان بتصاعد من مقر المرشد الايراني علي خامنئي بعد الضربات الجوية الاميركية والاسرائيلية ضد ايران في صورة من الاقمار الاصطناعية في 28 فبراير

كما يحتاجها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للتغطية على ما يحدث في غزة ومواصلة انتهاكاته التي تضرب بخطة السلام وبمشروع إعادة إعمار القطاع عرض الحائط، وأيضا للتعتيم على مخططه لضم الضفة الغربية. ويحتاج نتنياهو إلى إنجاز تاريخي يسجل باسمه باعتباره القائد الإسرائيلي الذي خلص إسرائيل من جميع مصادر التهديد الوجودي التي اصطنعها فضلا عن إعادة تشكيل خريطة النفوذ في الشرق الأوسط واستكمال ما فشل في تحقيقه في حرب الاثني عشر يوما.

وإذا كان نتنياهو يروج لخطته بتصوير النظام الإيراني على أنه يشكل تهديدا وجوديا لإسرائيل، فإن ترمب يعيد استخدام سيناريو غزو العراق الذي قاده الرئيس الجمهوري الأسبق جورج بوش الابن، حيث يستخدم النشاط النووي الإيراني ومزاعم اقتراب طهران من الاستحواذ على سلاح نووي وقمع المتظاهرين كمبرر لحربه على النظام، رغم إعلانه عقب انتهاء عملية "مطرقة منتصف الليل" في يونيو/حزيران الماضي محو القدرات النووية الإيرانية.

ويأتي هذا فيما لم يرد ذكر ضمان حرية التعبير أو المتظاهرين في المفاوضات النووية التي اقتصرت المطالب الأميركية (الإسرائيلية) فيها على إنهاء النشاط النووي والبرامج الصاروخية الإيرانية.

وتماهت أولويات الحملة الأميركية مع تلك الإسرائيلية لتنتقل من تفريغ البرنامج النووي الإيراني إلى تفكيك البرامج الصاروخية وقطع شرايين الدعم الإيراني لجماعات المقاومة من "حماس" إلى "حزب الله" والحوثيين، ما يعني استسلاما إيرانيا كاملا يرقى إلى مستوى التعجيز الذي تأباه طهران حتى لو كان ثمنه الحرب.

على النقيض من غزو العراق الذي دعا بوش الابن أغلب حلفائه ليشاطروه إياه، تجاهل ترمب تعبئة الحلفاء والترويج لقضيته دوليا وذهب إليها منفردا مع إسرائيل لعلمه يقينا بهشاشة منطقه

وقد أثبتت التجارب أن الضربات الكثيفة التي تجلت في حرب الاثني عشر يوما والتي أودت بحياة الكثير من كبار القادة الإيرانيين ونحو عشرة علماء نوويين ودمرت الكثير من المنشآت النووية هي أضعف من أن تسقط النظام الذي رسخ وجوده في الدولة على مستويات شتى، من جيش وشرطة وميليشيات وفكر وثقافة.  
وعلى النقيض من غزو العراق الذي دعا بوش الابن أغلب حلفائه ليشاطروه إياه، تجاهل ترمب تعبئة الحلفاء والترويج لقضيته دوليا وذهب إليها منفردا مع إسرائيل لعلمه يقينا بهشاشة منطقه واستحالة إقناع حلفائه بالسير معه وإن اختاروا الصمت الذي يوحي بالرضا. ولكن إذا تشابه الظرفان في المبالغة والتهويل من الخطر النووي كما في حالة إيران 2026 أو من الأسلحة الكيماوية كما في حالة صدام حسين 2003، إلا أن موقف الاستخبارات يتباين. ففي حالة العراق تم ليّ الحقائق لتنسجم مع أكاذيب كولن باول وتمثيليته أمام الأمم المتحدة عن الأدلة "المفبركة" على امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل. أما تقييمات الاستخبارات في الوضع الحالي فتجمع على دحض ادعاءات ترمب ومبعوثه ستيف ويتكوف بشأن دنو استحواذ طهران على سلاح نووي حتى باتت على بُعد أسبوع من اكتمال تصنيعه. وهو الادعاء نفسه الذي ظل يردده نتنياهو منذ 30 عاما. 
وفيما كانت الغاية من غزو العراق على يد بوش الابن هي التخلص من نظام صدام حسين الديكتاتوري ونشر الديمقراطية في العراق وفي المنطقة، أصبح الهدف في حالة إيران أكثر صراحة وجرأة وفقا لما  صرح به ترمب، حيث يتمثل في "سحق البرامج النووية والصاروخية والإيرانية، وتدمير البحرية الإيرانية وتغيير القيادة في إيران"، محرضا الشعب الإيراني على اقتناص هذه الفرصة "التي لن تتكرر خلال أجيال قادمة"، وعلى تولي زمام أمره بنفسه. ووسط الرفض والتحذيرات من أغلب حلفاء واشنطن وإحجامهم عن المشاركة، شنت إسرائيل والولايات المتحدة هجمات واسعة ومدمرة على الكثير من الأهداف الإيرانية التي لن يعرف مدى الدمار والخسائر التي أصابتها قبل أن تضع "الحرب" أوزارها. 

أ ف ب
ايرانيات يندبن مصرع المرشد علي خامنئي في ساحة في طهران في الاول من مارس

وتم الاتفاق على العملية خلال زيارة نتنياهو لواشنطن قبل نحو أسبوعين من انطلاق ما أسماه نتنياهو عملية "زئير الأسد"، أو "ملحمة الغضب" كما أطلق عليها ترمب. 

تظل احتمالات بلوغ الأهداف التي وضعها ترمب، ضئيلة، فيما تزداد المخاطر المترتبة على الخطأ في الحسابات وسوء التقدير الذي قد يجر المنطقة والولايات المتحدة إلى صراع طويل الأمد مبهم الملامح

أما إدارة بوش فكانت أكثر حصافة في إبقاء إسرائيل بعيدة عن الصراع مع العراق، مستعيضة بالتحالف الدولي الذي تمكنت من تشكيله لإضفاء الشرعية الدولية على الغزو. وحددت إدارة بوش نقطة انتهاء الغزو عند إسقاط النظام العراقي، فيما لا يبدو أن لعملية "زئير الأسد" موعدا إذ قد تتحول إلى حملة طويلة ينتصر فيها الأطول نفسا والأكثر قدرة على الصمود بغض النظر عن الكلفة والخسائر. وتعول إسرائيل على الدعم المستمر من الولايات المتحدة على الأقل حتى انتهاء النصف الأول من ولاية ترمب، وسط انقسام في الكونغرس بين الصمت المطبق من قبل الأغلبية الجمهورية وربما الموافقة الضمنية، وتباين في قوة الرفض من قبل الديمقراطيين. ففي حين لم يعترض زعيم الأقلية الديمقراطية في الكونغرس، كريم جيفريز، على الحرب نفسها، إلا أنه أخذ على إدارة ترمب عدم التشاور مع الكونغرس مسبقا وإيضاح مدى ومدة ونطاق العملية. فيما أعلن النائب دون باير أن "حرب ترمب غير شرعية وغير أخلاقية"، وأن الكونغرس هو السلطة الوحيدة التي تمتلك قرار إعلان الحرب. 
وإذا كان القرار الأميركي بشن هذه الحرب الاختيارية قد جاء قبل منح المفاوضات الفرصة للوصول إلى اتفاق على تحجيم وتحييد البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، وهو ما كادت طهران أن تسلم به، فإن استراتيجية التخلص من النظام الإيراني بالضربات الجوية، ومن على بُعد آلاف الأميال، تنطوي على الكثير من المخاطر. فنظام طهران يتسم بتعدد المستويات والطبقات، وهزيمته من الخارج لا تعني بالضرورة إسقاطه في الداخل، رغم ما تعرضت له قواعده من ضعف. وقد تخرج القيادة الدينية منهكة ومشوهة ومصابة بالكثير من الكدمات، إلا أن لديها القدرة على الاستمرار من خلال كوادر القمع والعنف التي شكلتها على مدى عقود. ولا يبدو أن تعويل ترمب على خروج الآلاف الذين تظاهروا ضد النظام للإجهاز عليه سوى تمنيات لا تقف على أرض الواقع.
لكن الضربات التي وجهتها طهران لبعض الأهداف الأميركية في دول الخليج التي سبق وأن أوضحت أنها لن تشارك في أي هجوم على إيران قد تعجل بتغيرات استراتيجية في توجهات المنطقة تجعل هذه الدول لا تأسى على زوال النظام الإيراني رغم تداعيات سقوطه التي حذرت منها.
وتظل احتمالات بلوغ الأهداف التي وضعها الرئيس ترمب، أو بعضها، ضئيلة، فيما تزداد المخاطر المترتبة على الخطأ في الحسابات وسوء التقدير الذي قد يجر المنطقة والولايات المتحدة إلى صراع طويل الأمد مبهم الملامح. وهذا ما جعل الرؤساء السابقين يحجمون عن التورط في حرب مع إيران. وقد أعرب قادة غربيون عن قلقهم وتساؤلهم عما إذا كانت لدى إدارة ترمب خطة لما بعد إسقاط النظام. بيد أن تجاهل ترمب لهذه المحاذير وإقدامه على أكبر مغامرة في ولايته الثانية قد يكلفه الكثير رغم ما تحظى به تحركاته من مباركة وتأييد من جانب المحافظين الإنجيليين والصهيونية المسيحية. 

font change