توماس مان تحت جلد البورجوازية الألمانية

"آل بودنبروك" جدارية تروي الانهيار البطيء لعائلة ثرية

AFP
AFP
توماس مان

توماس مان تحت جلد البورجوازية الألمانية

في الأول من يناير/ كانون الثاني 2026، دخل الكاتب الألماني توماس مان (1875–1955) نطاق الملكية العامة. وبما أن ذلك يعني أن أعماله لم تعد خاضعة لحقوق التأليف والنشر، وبات من الممكن نشرها وترجمتها بحرية، من دون إذن أو دفع حقوق لورثته، شهدت فرنسا تهافتا محموما بين دور النشر لإصدار ترجمات قديمة أو جديدة لأبرز أعماله.

لإعطاء فكرة عن حجم هذا السباق، نشير إلى أن رواية "موت في البندقية" (1912) وحدها حظيت بما لا يقل عن أربع ترجمات جديدة صدرت بالتزامن في باريس. لكن هذه الرواية، المتميزة بحجمها الصغير مقارنة بأعمال مان الأخرى، ليست ما يسترعي الانتباه في هذه الهستيريا النشرية، ولا حتى روايتاه الأشهر، "الجبل السحري" (1924) و"دكتور فاوستوس" (1947)، اللتان أعيدت ترجمتهما ونشرهما في هذه المناسبة، بل روايته الأولى الكبرى، "آل بودنبروك: انحطاط أسرة" (1901).

صحيح أن هذه الرواية أقل شهرة من الأعمال الثلاثة المذكورة، لكنها، بإجماع المتخصصين في أدب مان، أهم آثاره على الإطلاق، والعمل الذي نال بفضله جائزة نوبل للآداب عام 1929.

براعة نادرة

لكتابة هذه الرواية الضخمة (900 صفحة)، التي أعيد نقلها إلى الفرنسية على يد أوليفييه لو ليه، وصدرت حديثا عن دار "غاليمار"، استلهم الشاب توماس مان عددا من الروايات الطبيعية الفرنسية والألمانية، متأثرا خصوصا بكتاب "العالم بوصفه إرادة وتمثلا" لشوبنهاور. لكن عبقرية هذا النص، إن كانت تدين بشيء لأحد، فإنما تدين به حصريا لمؤلفها، لما استثمره فيها من مهارات كتابية وسردية تفتقدها رواياته اللاحقة.

صحيح أن هذه الرواية أقل شهرة من الأعمال الثلاثة المذكورة، لكنها، بإجماع المتخصصين في أدب مان، أهم آثاره على الإطلاق

فعلا، يبرهن مان في هذا العمل على براعة أدبية نادرة، مقرونة بمعرفة مدهشة بحقائق تاريخية، واجتماعية، واقتصادية، ونفسية. وحين نعلم أنه شرع في كتابته وهو في سن الثانية والعشرين فقط، ندرك مدى نضج عبقريته المبكرة.

على مستوى الشكل، تنقسم الرواية أحد عشر جزءا، يتفرع كل منها إلى فصول. ولتشييدها، ارتكز مان على الدقة في خط السير المسرودة، على التحليل النفسي العميق للمشاعر، وعلى تصوير لامع لمفارقات المواقف وسخريتها. أما شخصياتها الرئيسة، فلا تستمد جاذبيتها من قوة تجسيدها فحسب، بل من تحريكها، من دون وعي، خيوط أقدار متشابكة داخل تاريخ عائلي معقد، متوتر، ينتهي إلى مأساة.

أحداث الرواية تدور في مدينة لوبيك الألمانية، بين خريف 1835 وخريف 1877، ومن خلالها، نتعرف إلى قصة أفول عائلة ثرية من التجار، منذ تأسيس يوهان بودنبروك مؤسسته التجارية.

رجل أعمال مجتهد وتقي، يفقد يوهان زوجته بعدما أنجبت له ابنا واحدا هو غوتهولد، فيتزوج من شابة ثرية أريستقراطية من هامبورغ تدعى أنطوانيت، وينجب منها ابنا ثانيا هو جان. حين يكبر، يعاون جان والده في إدارة الشركة، قبل أن يتولى إدارتها، وينجب بدوره ابنين: توماس وكريستيان، وابنتين: أنطوني وكلارا.

AFP
توماس مان يوقّع "دكتور فاوستوس" في باريس، 1951

يصبح توماس رجلا لامعا ومحبوبا اجتماعيا، ويرث إدارة المؤسسة العائلية المزدهرة. يتزوج من غيردا، وهي شابة تنتمي إلى أسرة ثرية من أمستردام، وينجبان طفلا وحيدا هو هانو.

على رغم نشاطه الكبير وانخراطه في الشأن السياسي لمدينته، ينتاب توماس، في أواخر الثلاثين من عمره، شعور بوهن روحي يفقده طاقته الحيوية. ومع تفاقم وضعه بمرور الوقت، ينصرف إلى التأمل في التصورات التشاؤمية لشوبنهاور، ويزداد إنصاته إلى عالمه الداخلي، مما يقوده إلى الانسحاب تدريجيا من مسؤولياته التجارية.

في هذه الأثناء، يأمل توماس في حلول ابنه هانو مكانه داخل المؤسسة العائلية، لكن ذلك لن يحصل. فالمراهق هانو ذو ميول فنية، ويشعر بنفور وقلق تجاه المستقبل المهني الذي يراد له، مما يوقع والده في اليأس.

وحين يصاب توماس بالمرض ويصبح عاجزا عن إدارة المؤسسة أو توريثها، يأمر بتصفيتها خلال السنة التي تلي وفاته، وهو ما يحدث في الجزء العاشر من الرواية. أما الجزء الحادي عشر والأخير، فيروي الأيام الأخيرة لهانو، الذي يموت عام 1877، في سن السادسة عشرة، متأثرا بحمى التيفوئيد. وبموته تنقرض السلالة الذكورية لعائلة بودنبروك.

AFP
توماس مان في فرانكفورت بعد عودته إلى ألمانيا، 1949

انحدار

لا شك في أن هذا العرض المقتضب يبقى دون ثراء الرواية وتعقيدها، لكنه يملك فضل إيضاح السبب الذي يقف خلف تصنيفها في البداية كرواية عن الوراثة. تصنيف صحيح جزئيا، لكنه يظل اختزاليا، لأن الانحطاط الذي تصوره الرواية لا يعود أساسا إلى العامل الوراثي، بل إلى تغلب الحياة الداخلية والتطلعات الفردية على روح العمل والمبادرة التجارية.

فالسبب الأول لانحدار عائلة بودنبروك يتمثل في الحساسية المتزايدة لأفرادها. من هنا تتبدى المفارقة الصارخة بين هانو وجده الأكبر يوهان. فبينما يبدو السلف مكرسا كليا لمتطلبات العمل التجاري والانضباط المهني، يتسلط على الحفيد شغف جارف بالمسرح والموسيقى.

الانحطاط الذي تصوره الرواية لا يعود أساسا إلى العامل الوراثي، بل إلى تغلب الحياة الداخلية والتطلعات الفردية على روح العمل والمبادرة التجارية

هذا التعارض الحاد في طموحات أفراد العائلة هو الذي سيغذي يأس وارثها الأخير، قبل أن يأتي المرض ليسرع عجلة الانهيار الذي يتخبط فيه حتى وفاته.

غلاف "آل بودنبروك" (1901)

"آل بودنبروك" ليست أيضا رواية تاريخية، كما ظن بعض النقاد. فالسياق السياسي والاجتماعي فيها لا يعدو كونه خلفية تتحرك أمامها الشخصيات. وبينما يركز التأويل الكلاسيكي للرواية على الانحطاط الاجتماعي للبورجوازية الألمانية، يرى الباحث ليونيل ريشارد أن مان كان معنيا أساسا بإظهار التعارض المستعصي بين نمط عيش الفنان ونمط عيش البورجوازي، مستندا إلى نظريات سادت أواخر القرن التاسع عشر، وربطت بين العبقرية الفنية والانحطاط والجنون والتفسخ الاجتماعي.

لكن الكاتب لا ينغلق داخل هذه الثنائية، على أهميتها، بل يتجاوزها لرسم لوحة بانورامية واسعة للبورجوازية التجارية في شمال ألمانيا خلال القرن التاسع عشر، في إنجاز أدبي لافت لكاتب شاب.

بحسب نقاد آخرين، تتلخص الأطروحة المركزية للرواية في أن الإنسان، حين يحرر فكره ويصغي إلى تطلعات عالمه الداخلي، يخسر طاقته الحيوية. وتأثرا بالرؤى المشتركة لكل من شوبنهاور ونيتشه وفاغنر، اعتبر مان أنه من المستحيل التوفيق، في ذلك الزمن، بين عالم الأعمال وحرية الروح.

قراءة أخرى ذهبت إلى اعتبار الرواية تصويرا غير مباشر لانحدار عائلة كاتبها. ومع أن مان انتمى إلى عائلة تجار من لوبيك، مثل عائلة بودنبروك، اضطر الجيل الثالث منها إلى تصفية مؤسستها التجارية، لكن روايته تتجاوز هذه المقارنة، لتغدو تشريحا لنموذج اقتصادي وأخلاقي، هو الرأسمالية التجارية العائلية. فـدار بودنبروك هي في آن واحد مسكن ومؤسسة وسلالة، ويبدو رخاؤها المادي ضامنا لاستمرارية معناها. لكن كل جيل سيكشف وهم هذه القناعة.

كوارث

ثمة أيضا هدف مركزي آخر سعى مان خلفه على امتداد روايته، أي تصوير زيجات تبدو ناجحة في ظاهرها، لكنها تنقلب سريعا إلى كوارث. وأوضح مثل على ذلك، مصير أنطوني، التي تتحطم آخر أوهامها العاطفية مع الفشل الذريع لزواجها المدبر من غرينليش المحتال.

من هنا تتجلى نقطة قوة أخرى في الرواية: كشف المكانة الهامشية للمرأة في المجتمع البورجوازي الألماني آنذاك، عبر مسار هذه الشخصية الأنثوية المحببة، التي يضحى بها مرارا على مذبح العائلة والمؤسسة. فتاة تعامل كسلعة لا أكثر، ولا يبدو أن ذلك يثير قلقا يذكر، سوى لدى أنطوني نفسها، التي تنتهي إلى قبول صامت بقدرها، لا بدافع الخضوع، بل نتيجة الخيبة.

لمن قد ينفر من موضوع الرواية – عالم التجارة والمال - يجدر التنبيه إلى أن مان ينجح في بث الروح الروائية في هذا العالم البارد، المحسوب، القابل للتوقع، وفي تعطيل آلياته من الداخل. فموهبته الكبرى تكمن خصوصا في إعادة التفكير في الزمن، والتقاط مؤشرات التغير التي تعجز شخصياته عن إدراكها، وسوقها، تائهة، داخل قصة سديمية يشد خيوطها بمتعة ظاهرة.

غلاف "موت في البندقية" (1912)

وقد يذكر شقاء هذه العائلة وانحلالها عبر الأجيال بإميل زولا. لكن مان يختلف عن صاحب "جيرمينال" بتلك السخرية التي تعتري أسلوبه الطبيعي، وتشحذ نظرته إلى الأشياء. سخرية بنبرة هادئة، لكن حادة كالمشرط، تبين أن هذا الانحطاط ليس أمرا ظاهرا، صاخبا، بل عملية بطيئة، يومية، كامنة في تفاصيل صغيرة، كمأدبة عشاء، عبارة مجاملة، أو سلوك جبان.

لعل قوة رواية "آل بودنبروك" تتجلى على نحو خاص حين نعلم أن النازيين، بعد ثلاثين عاما من صدورها، رموا نسخها في محارق الكتب

وعليه، تمكن قراءة "آل بودنبروك" بوصفها رواية تعري الأسباب الحميمة لانهيار عائلة، لا عبر رسم واقعي سطحي لأفرادها، بل من خلال تحليل نفسي بالغ الدقة لشخصياتهم.

تمكن أيضا قراءتها كمأساة أوديبية كبرى، كما لاحظ أحد النقاد. إذ لدينا "آباء يحملون اسما ساحقا، وأمهات حارسات للوجاهة الاجتماعية، وأبناء مطالبون بالتماهي مع مثال ميت"، فيما "تبدو الإخفاقات، والأزمات، والانكسارات، كتسويات مؤلمة بين الرغبة الفردية وقانون العائلة".

AFP
توماس مان يوقّع الكتاب الذهبي في فرانكفورت، 1949

ولعل قوة رواية "آل بودنبروك" تتجلى على نحو خاص حين نعلم أن النازيين، بعد ثلاثين عاما من صدورها، رموا نسخها في محارق الكتب التي أشعلوها، بل وقفوا تحت نافذة صاحبها يهتفون: "العائلة الألمانية، عائلة العرق المختار، لا يمكن أن تنحط أبدا".

font change