عادة ما يذكر الشاعر والكاتب العراقي كريم شغيدل، المسرح كمحطة أساس وأولى في مسيرته الأدبية، فقد استقطبه المسرح مبكرا، مشتغلا فيه لسنوات، قبل أن يغادره إلى الشعر والنقد والكتابة عموما. يمثل كتابه الجديد الموسوم "أربع مسرحيات قصيرة" الصادر حديثا عن "دار جبرا للنشر والتوزيع" في عمان، عودة إلى شغفه الأول هذا.
في النصوص الأربعة يمكن رصد الكثير مما هو مشترك على الرغم من افتراق ثيماتها الرئيسة وتنوعها تنوعا شديدا. هذا المشترك لا يتجسد بالمآل الإنساني الذي تقود إليه النصوص، فحسب، وإن كان ليس هو المقصود هنا، فقد أرادت هذه القراءة التركيز في الدرجة الأساس، على قاسم مشترك أعظم وهو مما ينطوي عليه لاوعي الكاتب، ويتمثل هنا بالانحياز الجذري للمرأة، الذي تحضر تمثيلاته بشكل طبيعي عند رسم شخصيتها بمختلف الأدوار التي رسمها لها أو أتى على ذكرها في أعماله الأربعة هذه.
"تنفسوا بعمق"
ذروة ذلك، كانت مجسدة في شخصية الأم في المسرحية الأولى المعنونة "تنفسوا بعمق" التي تعرضت إلى أزمة وباء "كوفيد 19". في هذا العمل المكون من أربعة مشاهد، اعتمد الكاتب تقنية "الفلاش باك" للمشهد الثاني الذي يتحدث عن انتهاء الحرب، أما الرابع فيمزج فيه جزئيا بين "الفلاش باك" والحاضر. يلاحظ في العمل اضطلاع الأم بدور رسولي، فهي تدور على خدمة عائلتها المصابة بالفيروس والمكونة من ثلاثة أشخاص: الأب، الابن، والبنت. كممرضة بدت بالمعنى المباشر، فتظهر بكمامة وقفازات، وهي تدفع عربة صغيرة تحمل الدواء والغذاء ومعدات تنفس الأوكسيجين لكل واحد من هؤلاء.
غير أن المفارقة المؤسية التي يكشف عنها سير المسرحية، هو أنها نفسها كانت مصابة بالفيروس دون أن تظهر ذلك، متحاملة على نفسها رغم الإنهاك الشديد، متحملة نزق وهلاوس واضطرابات أفراد عائلتها الجسدية والنفسية، وحواراتهم الهذيانية، وكأننا أمام عرض من عروض مسرح العبث واللامعقول، وهو ما وسع أفق النص وكان تنفيسا له من ضغط المباشرة التي وقع فيها عبر بعض حواراته.


