هل يجدي تغيير النظام من الجو في إيران؟

قد يراهن ترمب على انشقاق داخل الأجهزة الامنية الايرانية، إلا أن المؤشرات حتى الآن لا توحي بأن ذلك وشيك

 أب
أب
إنزال العلم الاميركي اثناء مراسم تسليم قاعدة كمب انثونيك الاميركية في مقاطعة هلمند الى الجيش الافغاني في الثاني من مايو 2021

هل يجدي تغيير النظام من الجو في إيران؟

عادت الولايات المتحدة، كما يبدو، إلى سياسة "تغيير الأنظمة"، في ارتداد واضح عن وعود دونالد ترمب السابقة بـ"وقف سياسة تغيير الأنظمة المتهورة والمكلفة". وجاءت عملية "الغضب الملحمي" التي أطلقها لتشير إلى خلاف ذلك تماما. فاغتيال إسرائيل لـ"المرشد" الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول، ثم دعوة ترمب الإيرانيين إلى أن "يتولوا أمر حكومتهم"، يقدمان ما وصفه كير ستارمر بمحاولة "تغيير النظام من الجو".

وفيما تظل شرعية هذه الحرب موضع تشكيك واسع، وتتنامى المخاوف من طول أمدها واتساع نطاقها ومدى ما قد تحدثه من زعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط وخارجه، يركز هذا المقال على سؤال واحد: هل يمكن أن تحقق هذه العملية ما ترمي إليه؟

 أ ف ب
ارتفاع الدخان في احياء طهران في الاول من مارس على اثر تعرض احياء العاصمة الايرانية للقصف

لا يبعث السجل الأميركي في تغيير الأنظمة على الاطمئنان. وعند النظر في أمثلة تاريخية حديثة من الشرق الأوسط وخارجه، لا تبدو المؤشرات مشجعة. فمحاولات تغيير الأنظمة التي كتب لها النجاح احتاجت، في الغالب، إلى قوات على الأرض. وحتى حين تحقق ذلك، نادرا ما جاءت النتائج بعيدة المدى في صالح واشنطن.

أشباح تغييرات الأنظمة السابقة

لا توجد حرب على قياس حرب أخرى. لذلك ما إن يبدأ البحث عن سوابق لـ"تغيير الأنظمة" بغرض مقارنتها بحرب إيران اليوم حتى تبرز الصعوبات منذ البداية. خذ مثلا حرب كوسوفو عام 1999. لقد مهّدت في نهاية المطاف لتغيير نظام، غير أن ذلك لم يكن الهدف المعلن للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي عند التدخل. وكذلك كان الحال في ليبيا، حيث دخل حلف "الناتو" الحرب الأهلية الليبية عام 2011 أساسا تحت عنوان حماية المدنيين، ولكن المسار تحول لاحقا إلى دعم المقاتلين المعارضين لإسقاط معمر القذافي. ومع ذلك تبقى هاتان الحالتان، على الأرجح، الأكثر إغراء لترمب كي يصدق أن "تغيير النظام من الجو" يمكن أن ينجح. ففي كلتا الحالتين، لم تضطر الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى إرسال أعداد كبيرة من الجنود إلى ساحة القتال.

إسقاط النظام يتطلب حركة شعبية منسقة. يضاف إلى ذلك أن التجربة الإيرانية أظهرت على الدوام استعداد الأجهزة الأمنية للوقوف إلى جانب النظام في مواجهة المحتجين

في حالة كوسوفو، نُشر نحو 50 ألف جندي من قوات "الناتو"، بينهم قرابة 8 آلاف أميركي، لكن ذلك جاء في إطار قوة حفظ سلام أعقبت حملة جوية أرغمت قوات صربيا بقيادة سلوبودان ميلوسيفيتش على الانسحاب. أما تغيير النظام داخل صربيا نفسها فوقع بعد أكثر من عام، حين خسر ميلوسيفيتش الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، ثم دفعت احتجاجات الشارع المؤسسة العسكرية إلى الانحياز للجمهور ضده. وقد يكون هذا النموذج ما يأمل ترمب أن يتكرر في إيران، غير أن الفوارق كبيرة. فإيران بلد أوسع وأكثر تنوعا من صربيا، مع فجوة هائلة في عدد السكان: نحو 85 مليون نسمة مقابل 6 ملايين. وهذا يعني أن إسقاط النظام يتطلب حركة شعبية منسقة، أوسع بكثير من تلك التي أطاحت بميلوسيفيتش. يضاف إلى ذلك أن التجربة الإيرانية أظهرت على الدوام استعداد الأجهزة الأمنية للوقوف إلى جانب النظام في مواجهة المحتجين، إذ قُتل، بحسب تقديرات، نحو 30 ألفا في وقت سابق من عام 2026. وقد يراهن ترمب على انشقاق داخل هذه الأجهزة، على نحو يشبه ما حدث في صربيا، إلا أن المؤشرات حتى الآن لا توحي بأن ذلك وشيك.

رويترز
يمني يضع صورة المرشد الايراني السابق علي خامنئي اثناء تجمع احتجاجي على الغارات الاميركية على ايران في الاول من مارس في صنعاء

أما ليبيا عام 2011 فتقدم مثالا مختلفا. هناك، بقي جزء وازن من القوى الأمنية مواليا للقذافي، ما دفع المحتجين السلميين إلى حمل السلاح سريعا، فانزلقت البلاد إلى حرب أهلية. وعندها تحول تدخل "الناتو" عمليا إلى قوة جوية للتمرد، وكان له دور كبير في إسقاط القذافي وقتله. وبصورة أوضح من صربيا، بدا ذلك أقرب إلى "تغيير نظام من السماء"، مع نشر عدد محدود من قوات العمليات الخاصة على الأرض. 

لكن ظروف إيران اليوم تختلف جذريا. أولا، كانت شرعية العملية في ليبيا أعلى بكثير، إذ حظيت بتفويض من الأمم المتحدة عبر قرار شاركت الجامعة العربية في رعايته. ثانيا، امتلكت الولايات المتحدة وحلفاؤها شريكا "مقبولا" على الأرض، كان مسلحا ويسيطر على مساحات معتبرة، بما في ذلك مدينة بنغازي، ثاني أكبر مدن البلاد، قبل انطلاق الحملة العسكرية. ولا توجد في إيران حاليا قوة مماثلة. وأخيرا، ورغم اتساع ليبيا الجغرافي، فإنها كانت، مثل صربيا، قليلة السكان نسبيا (نحو 7 ملايين)، كما تركز مسرح الحرب في عدد محدود من المدن على ساحل المتوسط السهل الوصول، ما جعل مهمة "الناتو" أيسر بكثير. في المقابل، إيران بلد جبلي شاسع، تتوزع كثافته السكانية على امتداد واسع، فيما تقع العاصمة طهران على بعد ألف كيلومتر من القواعد الأميركية في الخليج. وأي محاولة لدعم تمرد مشابه قد تكون أشد تعقيدا وأطول زمنا، في ظل غياب أدلة قوية على نشوء تمرد من هذا النوع، أو على استعداد ترمب لاستثمار الوقت ورأس المال السياسي اللازمين لضمان نجاحه.

دروس العراق وأفغانستان


وثمة مثال أحدث على التدخل الأميركي تمثّل في إقدام ترمب على القبض على نيكولاس مادورو في فنزويلا خلال يناير/كانون الثاني. غير أن هذه الخطوة، وإن خدمت مصالح ترمب، ما تزال مبكرة جدا للحكم عليها بوصفها تغييرا ناجحا للنظام. فالنظام الفنزويلي ما زال قائما، إنما بقيادة رئيس أكثر قابلية للتطويع.
وتبدو حالتا العراق وأفغانستان أقرب للمقارنة. فأفغانستان عام 2001 تشبه إلى حد كبير النموذج الليبي: دعمت الولايات المتحدة متمردين محليين، وقدمت غطاء جويا وبعض القوات البرية لإسقاط طالبان. أما في العراق عام 2003، فلم تكن هناك حركة تمرد محلية مماثلة، فدفعت واشنطن بنحو 150 ألف جندي على الأرض، إلى جانب بريطانيا وحلفاء آخرين، لإطاحة صدام حسين. وعلى الرغم من أن هذين التحولين حققا نجاحا أوليا، فإنهما احتاجا إلى قوات برية. صحيح أن غزو أفغانستان تطلب نحو 5 آلاف جندي أميركي فقط في البداية، لكن واشنطن وحلفاءها اضطروا لاحقا إلى إرسال أعداد ضخمة للدفاع عن النظام الجديد في مواجهة طالبان التي استعادت زخمها، حتى بلغ عدد القوات الأجنبية ذروته عند نحو 140 ألفا عام 2011. وفي الجوهر، لم تكن أي من الحالتين تغييرا للنظام من السماء.

ربما تكون كثافة الضربات الجوية الإسرائيلية والأميركية من الضخامة بحيث تفضي هذه المرة إلى تغيير عبر الجو، ثم تضمن له قدرا من الديمومة

ناهيك عن أن النجاح النهائي لم يتحقق في أي من الحالتين. فعلى الرغم من حضور واشنطن في أفغانستان لمدة عشرين عاما، سقط النظام الموالي للولايات المتحدة خلال أيام من انسحاب جو بايدن عام 2021 على يد طالبان. أما العراق، ورغم أنه لم يعد إلى حكم "البعث"، فإنه لم يتحول إلى قلعة ديمقراطية موالية للغرب كما كان جورج دبليو بوش يتطلع. صحيح أن ثمة انتخابات تُجرى، ولكن منظمة "فريدوم هاوس" تصنّف العراق كبلد "غير حر" بسبب العنف والترهيب والاحتيال المصاحب لها، فيما تبدو بغداد أقرب إلى طهران منها إلى واشنطن.

 أف ب
مقاتل من المجلس الانتقالي الوطني يصادر صورا للعقيد معمر القذافي في 15 اكتوبر في طرابلس

ويمكن توجيه اتهامات مماثلة بالإخفاق الطويل الأمد إلى تجربتي ليبيا وصربيا أيضا. فليبيا لا تزال غير مستقرة بعد 15 عاما من إسقاط القذافي. وقد انقسمت البلاد منذ اندلاع حرب أهلية ثانية عام 2014، حيث يسيطر على الشرق قائد حرب غير منتخب، فيما يهيمن على الغرب حكومة علّقت الانتخابات البرلمانية إلى أجل غير مسمّى. أما صربيا فتبدو أفضل حالا نسبيا، لكنها ما تزال "حرة جزئيا" وفق تصنيف "فريدوم هاوس"، كما يبقى انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي وتموضعها النهائي إلى جانب الغرب مسألة غير محسومة، في ظل روابطها التاريخية الوثيقة مع روسيا.

تحدي التاريخ


وفي النهاية، على الرغم من محدودية نجاحات تغيير الأنظمة، يظل احتمال أن يثبت ترمب أنه استثناء قائما. ربما تكون كثافة الضربات الجوية الإسرائيلية والأميركية من الضخامة بحيث تفضي هذه المرة إلى تغيير عبر الجو، ثم تضمن له قدرا من الديمومة. لكن الأدلة المتاحة حاليا، سواء من التاريخ القريب أو من سلوك النظام الإيراني في الآونة الأخيرة، تظل ضئيلة جدا لدعم هذا التصور.
إنه صراع جرى إطلاقه على رهان تغيير النظام، لا على خطة واضحة أو آلية محددة لكيفية تحقيق ذلك. وخلال الأسابيع والأشهر المقبلة، سيتضح ما إذا كان دونالد ترمب قادرا على دحض المشككين ومخالفة ما يوحي به التاريخ.

font change

مقالات ذات صلة