القلب حين يتحول إلى زنزانة في "الحب عربة مهترئة"

مرثية أحمد طيباوي للخيبات

القلب حين يتحول إلى زنزانة في "الحب عربة مهترئة"

تأتي رواية "الحب عربة مهترئة"، للروائي الجزائري أحمد طيباوي، لتؤكد مجددا تمكن هذا الكاتب من تشريح الذات الإنسانية ومساءلة الذاكرة الجمعية والفردية بجرأة نادرة. طيباوي، الذي حفر اسمه في مدونة الرواية العربية المعاصرة بحصوله على جائزة نجيب محفوظ عن روايته "اختفاء السيد لا أحد"، يعود في هذا العمل ليضع القارئ أمام مرآة الوجود الصارمة، حيث لا مجال للمواربة أو التجميل، وأمام عمل سردي أقرب الى محاكمة وجودية لجيل كامل، منه إلى حكاية عن مرض أو حب مفقود، من خلال سرد مكثف عن القلب حين يتحول من رمز للعاطفة إلى عبء بيولوجي يهدد بالتوقف.

جغرافيا المصحة واستبطان الذات

تبدأ أحداث الرواية من فضاء ضيق ومحاصر: سرير المرض في إحدى المصحات العلاجية، حيث ينتظر بطل الرواية ياسر عملية جراحية خطيرة في القلب. هذا الاختيار المكاني بالإضافة إلى كونه خلفية درامية أو ضرورة سردية، هو أيضا برزخ وجودي يسمح للكاتب بعزل بطله عن ضجيج العالم الخارجي، وتجريده من أدواته الاجتماعية، ليدفعه نحو استبطان داخلي عميق لا يرحم. في هذه اللحظة الحرجة، يتوقف الزمن الخطي الصاعد نحو المستقبل، ليحل محله زمن الذاكرة الدائري، حيث يشرع ياسر في تقديم كشف حساب شامل لحياته.

يرى ياسر حياته سلسلة من الاختيارات المحدودة أو المفروضة، يمتزج فيها الندم بالرغبة في الانتقام، وتتصادم الأحلام المجهضة مع واقع بيروقراطي صلد. المصحة هنا تتحول إلى محكمة يكون فيها ياسر هو المتهم والقاضي والشاهد في آن واحد، وتحت مبضع الجراح، تتكشف طبقات الروح التي تراكمت عبر عقود من الخيبات الصامتة. هذا الفضاء المغلق يعزز كثافة السرد، ويجعل كل حركة أو همسة داخل الغرفة صدى لحدث جلل في الماضي، مما يمنح الرواية طابعا اعترافيا يذكرنا بكبار كتاب السيرة الذاتية الروائية.

ياسر، الأستاذ الجامعي في إدارة الأعمال، يجد نفسه فجأة عاجزا عن إدارة أهم مورد لديه وهو حياته ذاتها. يتحول جسده إلى مسرح للصراع بين الأمل واليأس، وبين اليد الذهبية للجراح الدكتور شعبان وبين حتمية الفناء التي تلوح في الأفق. هنا، يبرع طيباوي في تصوير الحالة النفسية للمريض لا كضحية مستسلمة، بل كمراقب محايد لخرابه الشخصي، متبعا نصيحة طرفة بن العبد التي تتصدر الرواية حول الوشم الذي يلوح في ظاهر اليد، فالندوب التي تركتها الأيام على روحه أصبحت واضحة تماما تحت أضواء غرفة العمليات الباردة.

سلطة الأب وصراع الأجيال

يمكن اعتبار علاقة ياسر بوالده أحد المحاور المركزية والأكثر إيلاما في الرواية، وهي علاقة معقدة مشحونة بالتوتر المكتوم والرغبة اليائسة في الانعتاق من ظل الأب الطويل. الأب في سردية طيباوي، ليس مجرد والد بيولوجي، بل هو تجسيد لسلطة جيل الاختيارات المحدودة الذي عاش ممزقا بين طموحات كبرى وواقع قزمي.

هذه العلاقة السامة في جوهرها، تبرز كيف يمكن المؤسسة الأبوية أن تتحول إلى قيد يمنع الفرد من اكتشاف ذاته الحقيقية

يصور طيباوي الأب شخصية نرجسية بامتياز، تقتات على ذكريات طموحات أدبية مجهضة ومسيرة تعليمية غارقة في البيروقراطية والرتابة. هذا الأب يحاول تعويض إخفاقاته الشخصية من خلال ممارسة سلطة مطلقة على ابنه الوحيد، محاولا صبه في قالب يرضي غروره الجريح. فالصراع هنا ليس صراعا على المبادئ فحسب، بل هو صراع على المعنى. فالابن يرى في أبيه مرآة لمستقبل لا يريده، بينما يرى الأب في ابنه فرصة أخيرة لتصحيح أخطاء ماضيه، ولو كان ذلك على حساب سعادة الابن وحريته.

Pablo Sanchez / REUTERS
أب وابنه يصطادان السمك عند غروب الشمس في ضواحي مدينة سان سيباستيان الساحلية شمال إسبانيا، 8 ديسمبر 2003

هذه العلاقة السامة في جوهرها، تبرز كيف يمكن المؤسسة الأبوية أن تتحول إلى قيد يمنع الفرد من اكتشاف ذاته الحقيقية، وكيف يظل ياسر مطاردا بصوت أبيه حتى وهو يواجه الموت على سرير المرض. إنها محاكمة لنمط من الأبوة التي ترى في الأبناء امتدادا لا كيانات مستقلة، مما ينتج أجيالا محملة ضغائن لا تظهر إلا في لحظات الضعف القصوى.

الحب كعربة مهترئة

يبرز عنوان الرواية الحب عربة مهترئة كاستعارة مركزية كاشفة، تعبر ببراعة عن تآكل العواطف الإنسانية تحت وطأة الزمن والواقع الاجتماعي الضاغط. الحب في مخيلة ياسر، وفي سرد طيباوي، هو كائن حي يشيخ ويمرض ويهترئ. يتجسد هذا الحب في الرواية عبر قطبين متنافرين، يمثل كل منهما جانبا من مأساة البطل الوجودية. فمن جهة، هناك نجاة، ذلك الحب القديم المفقود الذي تحول مع مرور السنين إلى فردوس ضائع أو وشم لا يمحى من الذاكرة. نجاة ليست مجرد امرأة، بل هي رمز لكل ما كان ممكنا ولم يتحقق، هي اللحظة التي جبن فيها ياسر عن اختيار قلبه وفضل الانصياع للحتمية الاجتماعية.

Arko Datta / REUTERS
زوجان يجلسان على الواجهة البحرية عشية عيد الحب في مدينة مومباي بالهند، 13 فبراير 2009

من جهة أخرى، نجد الزوجة التي تمثل الواقع المادي، الاجتماعي، والبيروقراطي الخانق. الزواج هنا ليس سكنا، بل هو مؤسسة قائمة على تبادل المصالح والمظاهر، حيث تغيب العاطفة لتحل محلها الحسابات الباردة. هذا التضاد بين يوتوبيا نجاة وديستوبيا الزواج الحالي، يجعل قلب ياسر ساحة معركة حقيقية. إن العربة المهترئة هي الحب الذي لم يعد قادرا على المسير، لأن عجلاته تكسرت بفعل الصدمات المتتالية، ولأن ركابه فقدوا الشغف بالرحلة.

يفكك طيباوي هنا مفهوم الرومانسية التقليدية، ليحل محلها رؤية نقدية ترى في الحب ضحية أولى للتحولات المادية والضغوط الطبقية، حيث يتحول المحبون إلى غرباء يتشاركون سقفا واحدا ولكن تفصل بينهم محيطات من الصمت والندم.

لا يكتفي طيباوي بالبعد الذاتي، بل يمد بصره نحو السياق الاجتماعي والسياسي بشكل عام، واصفا جيله بأنه جيل الاختيارات المحدودة، وهو توصيف دقيق لحالة العجز التي عاشها الأفراد في ظل أنظمة بيروقراطية واجتماعية صارمة. الرواية تنتقد التحولات الاجتماعية التي حولت الأفراد إلى تروس في ماكينة كبرى، حيث يتم وأد الطموحات الشخصية لصالح الاستقرار الزائف.

يفكك طيباوي مفهوم الرومانسية التقليدية، ليحل محلها رؤية نقدية ترى في الحب ضحية أولى للتحولات المادية والضغوط الطبقية

يظهر هذا النقد بوضوح في المسار المهني للأب وفي العلاقات المادية التي تحكم حياة البطل، مما يجعل الرواية وثيقة ثقافية عن مرحلة زمنية معينة تتسم بالانكسارات الكبرى. إن القلب المريض لياسر هو في الحقيقة قلب مجتمع يعاني من انسداد في شرايين التغيير والأمل، حيث تسيطر البيروقراطية والمادية والاغتراب على مفاصل الحياة اليومية.

 السيناريوهات المتخيلة ولعبة السرد

من أبرز التقنيات الفنية التي استخدمها طيباوي في هذه الرواية هي السيناريوهات المتخيلة. البطل، وهو على سرير المرض، لا يكتفي باستعادة الماضي، بل يشرع في رسم مسارات بديلة للمستقبل. هذه التقنية تكسر رتابة السرد الواقعي وتفتح آفاقا تأملية واسعة. فبين سيناريو الموت الذي يمنحه تطهيرا نفسيا، وسيناريو النجاة والانتقام الذي يتخيل فيه عودته لممارسة السلطة، وسيناريو الحب المستعاد مع نجاة، تتجلى رغبة الإنسان الأزلية في السيطرة على قدره.

Fabrizio Bensch / REUTERS
صورة مقرّبة لجرّاحين يجريان عملية زرع صمام قلب اصطناعي داخل غرفة عمليات في مستشفى ببرلين، 15 أغسطس 2003

هذه التعددية في المسارات السردية لا تعكس براعة تقنية فحسب، بل تعبر عن محاولة ياسر لاستعادة الفاعلية التي فقدها في حياته الواقعية عبر الخيال. السيناريوهات المتخيلة تعمل كآلية دفاعية نفسية، وتضع القارئ في منطقة اللايقين حيث تتلاشى الحدود بين الواقع والوهم. يلعب طيباوي هنا دور المايسترو الذي يوزع الأدوار على احتمالات الوجود، مما يبقي القارئ في حالة ترقب فلسفي حول طبيعة النجاة الحقيقية. إن استخدام هذه التقنية يرفع الرواية من مستوى الحكاية الفردية إلى مستوى التأمل الوجودي حول طبيعة الزمن والقدر والحرية الشخصية في عالم يبدو محكوما بالمصادفة والحتمية البيولوجية.

 بلاغة الانكسار

في نهاية المطاف، تقدم رواية "الحب عربة مهترئة"، تجربة قرائية موجعة بقدر ما هي ممتعة. أحمد طيباوي يثبت مرة أخرى أنه حكاء من طراز رفيع، يمتلك لغة رصينة وقدرة فائقة على النفاذ إلى المسكوت عنه في النفس البشرية. الرواية هي صرخة في وجه النسيان، ومحاولة لترميم ما تبقى من إنسانيتنا في عالم يهرول نحو المادية والعدم. إن ياسر، وهو يواجه مصيره، لا يطلب الشفقة، بل يطلب الفهم. ومن خلال قصته، نكتشف أننا جميعا نركب عربات مهترئة في رحلة الحياة، وأن البطولة الحقيقية ليست في تجنب الانكسار، بل في امتلاك الشجاعة لمواجهته والاعتراف به.

الرواية إضافة نوعية للمكتبة العربية، ودعوة للتأمل في معنى الحياة والحب والموت، في زمن لم يعد فيه أي شيء يقينا سوى نبض القلب القلق الذي يصارع من أجل البقاء والتحرر. إن بلاغة الانكسار التي صاغها طيباوي تترك أثرا عميقا في نفس القارئ، وتدفعه للتساؤل عن عرباته الخاصة وعن الوشوم التي تركتها الأيام على ظاهر يده وروحه.

تتجلى في الرواية أيضا قدرة طيباوي على تطويع اللغة لتصبح أداة جراحية بحد ذاتها، حيث تبتعد الجمل عن الزخرف المجاني وتقترب من التكثيف الشعري الذي يخدم الحالة الوجودية للبطل. اللغة هنا ليست مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل هي انعكاس لضيق التنفس وقلق النبض. فالمقاطع القصيرة والمتلاحقة في لحظات التوتر، والفقرات الطويلة المسترسلة في لحظات الاستذكار، تخلق إيقاعا حيويا يحاكي حركة القلب المريض.

هذا التناغم بين الشكل والمضمون، يمنح العمل وحدة عضوية تجعل من تجربة القراءة رحلة حسية متكاملة. كما أن الكاتب ينجح في توظيف الصمت كعنصر سردي فعال، فالفراغات بين الكلمات والمسكوت عنه في الحوارات بين الشخصيات، وخاصة بين ياسر وزوجته، تعبر عن عمق الفجوة العاطفية التي لا يمكن ردمها باللغة. هذا الصمت المشحون هو ما يمنح الرواية ثقلها الفلسفي، حيث تصبح الكلمات مجرد محاولات يائسة لتفسير ما لا يمكن تفسيره.

"الحب عربة مهترئة" مرثية لجيل، ولكنها أيضا احتفاء بالقدرة على المواجهة والاعتراف بالهزيمة، وهي الخطوة الأولى نحو أي انتصار حقيقي على الذات

علاوة على ذلك، يطرح العمل تساؤلا جوهريا حول مفهوم الذاكرة ودورها في تشكيل الهوية، فالبطل ياسر لا يستعيد ماضيه ليتلذذ بالألم، بل ليفهم كيف أصبح الشخص الذي هو عليه الآن. الذاكرة هنا ليست مخزنا للصور، بل هي عملية إعادة بناء مستمرة للذات في مواجهة التلاشي. ويحمل اختيار طيباوي لمهنة البطل كأستاذ في إدارة الأعمال، دلالة رمزية عميقة، فهو الفشل في إدارة الخاص أمام نجاح مفترض في إدارة العام، وهو التناقض الذي يعيشه الإنسان المعاصر الذي يمتلك الأدوات التقنية والمعرفية لكنه يفتقر إلى السكينة الداخلية.

لذلك، تعد "الحب عربة مهترئة" مرثية لجيل، ولكنها أيضا احتفاء بالقدرة على المواجهة والاعتراف بالهزيمة، وهي الخطوة الأولى نحو أي انتصار حقيقي على الذات. من خلال هذه السردية، يضعنا طيباوي أمام مسؤوليتنا تجاه قلوبنا، ليس فقط كمضخات للدم، بل كمستودعات للمعنى والقيمة في عالم يزداد برودة واغترابا.

رواية تقرأ بالقلب قبل العين، وتستقر في الذاكرة كوشم طرفة بن العبد، تذكرنا دائما بأن الحياة، مهما كانت عربتها مهترئة، تستحق أن تعاش بشجاعة المواجهة وبلاغة الصدق مع النفس.

font change