في وقتٍ تواصل فيه الطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز "شاهد" استنزافَ منظومات الدفاع الجوي الإقليمية وتحدّي قدراتها، على وقع حربٍ مشتعلة تمتد جبهاتها بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، برزت أوكرانيا بهدوءٍ بوصفها مرجعاً غير متوقع، لكنه الأوفر خبرةً والأعمق معرفةً في مواجهة هذا التهديد بالذات.
وكان الرئيس فولوديمير زيلينسكي قد أعلن توجيه خبراء أوكرانيين متخصصين في تقنيات المسيّرات إلى المنطقة، لمساعدة دول الخليج على مواجهة تهديدٍ تعرفه كييف من الداخل؛ إذ اضطرت إلى التصدي له والتكيّف معه يوماً بيوم، على مدى السنوات الأربع الماضية.
ومنذ أن لجأت روسيا في أكتوبر/تشرين الأول 2022 إلى توظيف طائرات "شاهد" الإيرانية الصنع في ضرب المدن الأوكرانية، لم تهدأ هذه المواجهة لحظة، حتى بلغ عدد المسيّرات التي أُطلقت عام 2025 وحده أكثر من خمسة وخمسين ألف طائرة.
وتحت وطأة الضرورة المالية والإلحاح الاستراتيجي معاً، توصّل المهندسون الأوكرانيون والمخططون العسكريون إلى تطوير جيلٍ من الطائرات المسيّرة الاعتراضية الرخيصة وفائقة السرعة، أعادت رسم معادلة الدفاع الجوي من أساسها؛ إذ انخفضت تكلفة الاعتراض الواحد من نحو أربعة ملايين دولار، وهو ثمن صاروخ "باتريوت"، إلى ما لا يتجاوز ألفين وخمسمئة دولار.
في هذه المقابلة، يكشف إيفان سبوتاك، المسؤول السابق في جهاز الأمن والاستخبارات العسكرية الأوكراني "إس بي يو"، كيف نشأت هذه التقنية وتطورت، ولماذا باتت ذات أهمية استثنائية لدول الخليج، وما الذي أظهرته الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران من قصورٍ في الاعتماد على القوة الجوية وحدها.
* كيف طورت أوكرانيا الطائرات المسيّرة الاعتراضية فائقة السرعة، وما الذي يجعلها أقل كلفة بكثير من صواريخ الدفاع الجوي التقليدية؟
- تقتضي الإجابة الدقيقة عن هذا السؤال العودة إلى أكتوبر/تشرين الأول 2022، حين واجهت أوكرانيا للمرة الأولى ما صار يعرف لاحقا بطائرة "شاهد" المسيّرة. وقد أطلق الروس عليها اسم "غيران"، لكنها في نهاية المطاف الطائرة الإيرانية نفسها، المزودة بحمولة تراوح بين 50 و90 كيلوغراما من المواد المتفجرة، وتضاف إليها أحيانا شظايا لزيادة عدد الضحايا بين المدنيين، وكذلك بين الطيارين الذين يحاولون اعتراضها. وقد خسرنا بالفعل طيارين أوكرانيين اثنين على الأقل كانا يقودان مقاتلتين من طراز "إف-16"، بعد انفجار هذه المسيّرات وتناثر حطامها في الجو.
في المراحل الأولى، كانت هذه الطائرات تظهر بضع مرات فقط في الأسبوع. وكنا نعترضها بكل ما كان متاحا لدينا من أنظمة، بما في ذلك منظومة "باتريوت" بصواريخ "باك-2"، و"باك-3". في تلك المرحلة، لم تكن الكلفة حاضرة في الحسابات. كان همنا أن نمنع هذه المسيّرات من الوصول إلى شبكة الكهرباء، والبنية التحتية للتدفئة، والمناطق المدنية. لكننا أدركنا خلال بضعة أشهر أن القدرة الإنتاجية لصواريخ "باتريوت" محدودة للغاية. فعلى مستوى العالم، لا يجري إنتاج سوى نحو 800 صاروخ سنويا. وفي المقابل، أطلقت روسيا في عام 2025 وحده نحو 55 ألف طائرة مسيّرة فوق الأراضي الأوكرانية، أي ما يقارب 4500 طائرة شهريا. وكثير منها طائرات خداعية لا تحمل متفجرات، وقد صممت فقط لاستنزاف منظومات دفاعنا الجوي، أما الخطر الحقيقي فتحمله الطائرات التي تأتي بعدها.
