معرض يناقش العلاقة بين الفن والسياسة على وقع حرب إيران

"نرفض/ رفضنا" في أنتويرب

Mathaf Arab Museum of Modern Art, Doha, 2025
Mathaf Arab Museum of Modern Art, Doha, 2025
هناك

معرض يناقش العلاقة بين الفن والسياسة على وقع حرب إيران

يأتي معرض "نرفض/رفضنا" في متحف M HKA في مدينة أنتويرب البلجيكية، بمجموعة من الفنانين تتقاطع أعمالهم مع أسئلة الرفض في زمن تتكثف فيه أشكال الرقابة السياسية والثقافية. المعرض، الذي نظم بالشراكة مع متحف " Mathaf: Arab Museum of Modern Art " في الدوحة، يقدم طيفا واسعا من الممارسات الفنية التي تمتد من الفيديو والتركيب إلى الأرشيفات الشخصية والتجارب المادية المرتبطة بالذاكرة والجسد. ورغم تنوع الوسائط والموضوعات، يجتمع الفنانون المشاركون حول سؤال واحد يبدو بسيطا في صوغه، لكنه معقد في دلالاته: ماذا يعني أن نرفض؟

في سياق عالم يتزايد فيه الضغط على الحقول الثقافية، وتتقاطع السياسة مع المؤسسات الفنية، يصبح فعل الرفض أكثر من مجرد موقف أخلاقي أو شعار سياسي. إنه قرار يتشكل داخل شبكة من العلاقات المعقدة: بين الفنان والمؤسسة، بين العمل والسياق الذي يعرض فيه، وبين التضامن والرقابة والخوف المؤسسي. لذلك لا يتعامل المعرض مع الرفض كإجابة جاهزة، بل كحالة مفتوحة على احتمالات متعددة: رفض الرقابة، رفض الإقصاء، رفض النسيان، أو حتى رفض المشاركة في سياقات قد تستخدم لتبرير العنف أو إعادة إنتاجه.

غير أن السؤال الذي يطرحه عنوان المعرض يظل معلقا منذ اللحظة الأولى: ماذا يعني أن يعلن معرض فني "الرفض" كعنوان له؟ هل يشير ذلك إلى موقف سياسي واضح؟ أم إلى مساحة نقدية تسمح للفنانين بتفكيك العلاقة المعقدة بين الفن والمؤسسة؟ أم أن الرفض هنا يتحول إلى إطار فضفاض يجمع أعمالا تتقاطع مع فكرة المقاومة بأشكال مختلفة؟

لا يقدم المعرض تعريفا واحدا لهذا المفهوم، بل يتركه مفتوحا أمام تأويلات متعددة. فالرفض قد يظهر في بعض الأعمال كفعل احتجاج مباشر، وفي أعمال أخرى كاستعادة للذاكرة أو كإصرار على حفظ ما تحاول السلطة محوه. وفي حالات أخرى، يظهر بشكل أكثر التباسا، داخل المسافة الرمادية التي تفصل بين التضامن الثقافي والقيود المؤسسية. وعليه، لا يطرح "نرفض/رفضنا We refuse_d"، مفهوم الرفض كإجابة نهائية، إنما كحقل من الأسئلة التي تتكشف تدريجيا مع تجربة المعرض نفسه.

في سياق الأحداث

غير أن تجربة المعرض لا تتشكل فقط من الأعمال المعروضة داخله، بل أيضا من الظروف التي أحاطت به. فقد افتتح "نرفض/رفضنا We refuse_d" في لحظة سياسية عالمية مضطربة، تتقاطع فيها التوترات الجيوسياسية مع تعطل شبكات الحركة والنقل الدولية. في هذا السياق، لم يتمكن بعض الأعمال من الوصول إلى أنتويرب في الوقت المحدد، بسبب اضطراب حركة الطيران والشحن. بدل أن يسعى القيمون على المعرض إلى سد هذا النقص أو استبدال الأعمال الغائبة بأعمال أخرى، اتخذوا قرارا مختلفا: ترك المساحات المخصصة لها فارغة.

في حالات أخرى، يظهر الرفض بشكل أكثر التباسا، داخل المسافة الرمادية التي تفصل بين التضامن الثقافي والقيود المؤسسية

في القاعة، يظهر هذا القرار بصريا بشكل بسيط لكنه لافت. جدران بيضاء خالية، وزوايا صغيرة من الشريط اللاصق تشير إلى المكان الذي كان من المفترض أن تعلق فيه الأعمال. أحيانا لا نجد سوى بطاقة تعريف صغيرة تشير إلى اسم الفنان والعمل الذي لم يصل بعد. هذه الفراغات، التي كان يمكن النظر إليها بوصفها نقصا في العرض، تتحول تدريجيا إلى عنصر أساس في تجربة المعرض.

فالفراغ هنا لا يخفي الغياب، إنما يكشفه. وبدل أن يكون مجرد خلل لوجستي، يصبح أثرا مباشرا للأحداث التي تدور خارج جدران المتحف. في تلك اللحظة، يبدو المعرض في بث مباشر مع العالم. فالأحداث السياسية، وتعطل الرحلات الجوية، واضطراب سلاسل النقل العالمية، لا تبقى خارج الفضاء الفني، بل تدخل إليه وتعيد تشكيل ما يمكن عرضه وما يبقى مؤجلا.

في هذا المعنى، يتخلى المتحف عن وهم الحياد أو العزلة. فالفضاء الفني لا يظهر هنا كملاذ منفصل عن الواقع، بل كامتداد له. الجدار الفارغ لا يعكس فقط غياب عمل فني، إنما يشير أيضا إلى شبكة كاملة من العلاقات والحدود والقرارات التي تحدد حركة الأعمال والأشخاص عبر العالم. هكذا، يتحول الغياب نفسه إلى شكل من أشكال الحضور، ويصبح الفراغ جزءا من لغة المعرض، لا مجرد نقص في محتواه.

الغياب كجزء من العرض

تتجسد هذه الفكرة بوضوح في العمل الذي كان من المفترض أن تقدمه الفنانة الفلسطينية إيميلي جاسر بعنوان Notes for a Cannon. في القاعة المخصصة لهذا العمل يجد الزائر التركيب الفني نفسه مصحوبا ببطاقة تعريف تشير ببساطة إلى أن العمل لا يزال في الدوحة ولم يتمكن من الوصول إلى أنتويرب. أسفل هذه البطاقة تظهر صورة توثيقية لكيفية عرض العمل في مكان آخر، بينما يبقى الجدار الذي خصص له فارغا، لا يملأه سوى أثر الشريط اللاصق الأصفر الذي كان سيحدد موقع القطعة الفنية.

هذا المشهد البصري البسيط يخلق لحظة توقف داخل المعرض. فبدل أن يواجه الزائر العمل الفني ذاته، يجد نفسه أمام أثره فقط: عنوان، وصف، وصورة توثيقية لشيء غير موجود. في تلك اللحظة، يصبح الغياب نفسه جزءا من تجربة المشاهدة. فالفراغ هنا لا يخفي العمل، بل يعلن غيابه ويحوله إلى عنصر مرئي داخل فضاء العرض.

Mathaf Arab Museum of Modern Art, Doha, 2025
هناك

هنا، لا يبدو الغياب مجرد نقص في البرنامج الفني، إنما يتحول إلى لغة عرض بحد ذاته. فالعمل الذي لم يصل، يفتح سلسلة من الأسئلة حول حركة الأعمال الفنية عبر الحدود، وحول الشبكات السياسية والاقتصادية التي تحدد إمكان انتقالها بين المدن والقارات. يصبح الجدار الفارغ تذكيرا بأن الأعمال الفنية، مثل الأشخاص، تتحرك داخل عالم تحكمه قيود الجغرافيا والسياسة والبنية التحتية.

الأحداث السياسية وتعطل الرحلات الجوية واضطراب سلاسل النقل العالمية، لا تبقى خارج الفضاء الفني، بل تدخل إليه وتعيد تشكيل ما يمكن عرضه وما يبقى مؤجلا

من المفارقات أن عمل جاسر نفسه يتناول مسألة الزمن والسلطة الاستعمارية. ففي Notes for a Cannon تعود الفنانة إلى قصة برج الساعة الذي كان قائما عند باب الخليل في القدس قبل أن يهدمه البريطانيون عام 1922، في خطوة هدفت إلى توحيد الزمن المحلي مع التوقيت الإمبراطوري المرتبط بغرينتش. من خلال هذا العمل، تستكشف جاسر كيف يمكن السلطة أن تعيد تنظيم الزمن نفسه، وأن تمحو أنماطا متعددة من إدراكه لصالح نظام واحد مفروض من الخارج.

في سياق المعرض، يضيف غياب العمل طبقة جديدة غير متوقعة إلى هذه الفكرة. فبدل أن يظهر الزمن الاستعماري عبر الصور والأرشيفات التي كانت ستعرضها الفنانة، يظهر هنا عبر تأجيل العمل نفسه. فالمعرض، الذي يفترض أن يقدم تجربة مكتملة في لحظة زمنية محددة، يصبح بدوره خاضعا لإيقاع آخر من الزمن: زمن التأجيل، وزمن الانتظار، وزمن الأحداث التي تعيد تشكيل ما يمكن أن يصل وما يبقى عالقا في مكان آخر. بهذا الشكل، يتحول الجدار الفارغ إلى مفارقة دقيقة داخل المعرض: عمل يتحدث عن الزمن لا يمكن عرضه في الزمن الذي خطط له.

الرفض كعنوان… لكن أين سردياته؟

يحمل المعرض عنوانا واضحا وصريحا  we refuse_d الذي يعلن منذ البداية موقفا يبدو حاسما، ويضع مفهوم الرفض في مركز التجربة الفنية. غير أن هذا الإعلان يفتح بدوره سؤالا آخر لا يقل أهمية: كيف يحدث الرفض فعليا؟

فالرفض، في سياق الحقول الثقافية، لا يظهر عادة كفكرة مجردة أو كشعار سياسي يمكن رفعه بسهولة. إنه قرار يتخذ داخل شبكة معقدة من العلاقات المهنية والمؤسساتية، وغالبا ما ينطوي على ترددات وضغوط وتبعات حقيقية. لذلك لا يكفي أن يظهر الرفض في العمل الفني كموضوع أو كرمز، بل يصبح من المهم أيضا فهم الظروف التي تدفع الفنانين إلى ممارسته فعليا.

Mathaf Arab Museum of Modern Art, Doha, 2025
عمل لخليل رباح

هنا، يطرح المعرض مجموعة من الأعمال التي تتقاطع مع فكرة الرفض بأشكال متعددة: رفض الرقابة، رفض الإقصاء، رفض النسيان، أو رفض الهيمنة السياسية والثقافية. غير أن تجربة المعرض تترك أحيانا إحساسا بأن هذه الفكرة بقيت في مستوى التمثيل الفني، دون أن تفتح بالكامل على السرديات الحية التي تنتجها داخل المجال الثقافي نفسه.

«we refuse_d» Ⓒ M HKA
خريطة النفوذ العسكري في سوريا، سبتمبر 2015 من سلسلة "البحث عن الفستان الجديد" لنور شنتوت

فكيف يقرر الفنان أو القيم الثقافي الانسحاب من مؤسسة؟ ما الذي يحدث في تلك اللحظة التي يتحول فيها القلق الأخلاقي إلى قرار فعلي بعدم المشاركة؟ وما هي التبعات التي يمكن أن تترتب على ذلك؟ فرفض المشاركة في معرض أو فعالية لا يعني فقط اتخاذ موقف سياسي، بل قد يعني أيضا خسارة فرص مهنية أو علاقات مؤسساتية أو مصادر دعم.

تزداد حدة هذه الأسئلة خصوصا في سياقات الصراع السياسي، حيث يجد الفنانون أنفسهم أحيانا أمام معضلة معقدة: كيف يمكن عرض العمل الفني دون أن يصبح جزءا من سياق قد يستخدم لتبرير العنف أو تطبيع الاحتلال؟ في مثل هذه الحالات، يصبح الرفض فعلا محفوفا بالمخاطر، وليس مجرد تعبير رمزي عن موقف أخلاقي.

تستكشف إيميلي جاسر كيف يمكن السلطة أن تعيد تنظيم الزمن نفسه، وأن تمحو أنماطا متعددة من إدراكه لصالح نظام واحد مفروض من الخارج

وعليه، يظهر التوتر الذي يرافق عنوان المعرض. فبينما يعرض "نرفض/رفضنا We refuse_d" أعمالا تتعامل مع فكرة الرفض، يبقى السؤال مفتوحا حول القصص التي تنتج هذا الرفض خارج فضاء العرض نفسه. فالمعرض ينجح في إظهار الرفض كموضوع فني، لكنه لا يكشف دائما السرديات اليومية والمعقدة التي تجعل هذا الرفض ممكنا أو ضروريا.

Mathaf Arab Museum of Modern Art, Doha, 2025
عمل لتيسير باتنجي

في هذا المعنى، لا يشير هذا النقص بالضرورة إلى ضعف في المعرض، بقدر ما يكشف عن طبيعة الرفض ذاته: فعل غالبا ما يحدث في المساحات غير المرئية من العمل الثقافي، في المفاوضات الصامتة، وفي القرارات التي تتخذ خلف الكواليس قبل أن تصل إلى فضاء العرض.

تفكيك الرفض داخل المؤسسة

إذا كان عنوان المعرض يفتح سؤال الرفض على احتمالات متعددة، فإن عمل الفنان اللبناني وليد رعد I thought I'd escape my fate (again)  يعد من أكثر الأعمال وضوحا في مواجهة هذا السؤال داخل الحقل الثقافي نفسه. يعتمد العمل على تركيب بصري بسيط في مادته، مؤلف من شرائط نصية تمتد على الجدار وعلى الأرض، تحمل اقتباسات متعددة اللغات مأخوذة من بيانات وتصريحات مرتبطة بإلغاء معارض ومحاضرات وحفلات موسيقية تتعلق بفلسطين، إلى جانب أصوات أشخاص ألغيت فعالياتهم بالفعل.

Christine Clinckx - M HKA
عمل لوليد رعد (بالتعاون مع بيار هويغيبير) – "ظننت أنني سأفلت من قدري (مجددا)"، 2026

تظهر هذه العبارات بالإنكليزية والعربية والفرنسية والألمانية، لكنها لا تعرض بطريقة خطية واضحة، إنما تتداخل وتتراكب إلى درجة تجعل كثيرا منها شبه غير قابل للقراءة. هذا التمويه البصري ليس مجرد خيار جمالي، بل يبدو تعليقا مباشرا على طبيعة الرفض داخل المؤسسات الثقافية، حيث يصبح الخطاب الرسمي أحيانا مليئا بالالتباسات والتبريرات التي تخفي أكثر مما تكشف.

إلى جانب هذا التركيب النصي، يضيف رعد عنصرا آخر إلى العمل عبر ورقة مطبوعة يضعها داخل المعرض، يروي فيها قصة قصيرة تبدو في ظاهرها توضيحا لما حدث أثناء ترتيب العمل. في هذه الورقة يشير إلى أنه كان من المفترض أن يتم تنظيم التركيب وفق خطة محددة، لكنه فوجئ عند وصوله بأن شخصا آخر — ربما أحد التقنيين أو الموظفين — قد أعاد ترتيب العناصر بطريقة مختلفة. بدل البحث عن المسؤول أو محاولة إعادة العمل إلى شكله الأصلي، يقرر الفنان ترك الأمور كما هي.

Mathaf Arab Museum of Modern Art, Doha
عمل فني لوليد رعد

غير أن هذه القصة نفسها ليست حدثا حقيقيا، بل حكاية متخيلة يكتبها الفنان ليضع الزائر أمام لحظة من الالتباس. فالقارئ يجد نفسه أمام سردية تبدو واقعية، لكنها في الحقيقة جزء من العمل نفسه. بهذه الطريقة يدعو رعد الزائر إلى التفكير في ما يحدث غالبا خلف الكواليس داخل المعارض: الترتيبات التقنية، التدخلات غير المتوقعة، والقرارات التي قد تغير شكل العمل أو طريقة عرضه.

لا يكتفي عمل وليد رعد بتوثيق حالات إلغاء الفعاليات المرتبطة بفلسطين، بل يسلط الضوء أيضا على الهشاشة الداخلية لعملية العرض نفسها

تكشف هذه الإشارة غير المباشرة عن جانب آخر من تعقيدات الحقل الفني، حيث يمكن سلسلة من القرارات الصغيرة أو التدخلات المؤسسية أن تعيد تشكيل العمل الفني أو سياقه. وفي بعض الحالات، قد تقود هذه التوترات إلى حالات من الرفض أو الاستبعاد أو حتى انسحاب الفنانين من المشاركة في مؤسسات ثقافية معينة.

Mathaf Arab Museum of Modern Art, Doha
من أعمال وليد رعد

في هذا المعنى، لا يكتفي عمل رعد بتوثيق حالات إلغاء الفعاليات المرتبطة بفلسطين، بل يسلط الضوء أيضا على الهشاشة الداخلية لعملية العرض نفسها. فالمعرض لا يظهر هنا كفضاء ثابت أو محايد، بل كحقل من التفاوض المستمر بين الفنان والمؤسسة والبنية التقنية التي تدعم العمل. ومن خلال هذه الطبقات المتداخلة، يصبح الرفض في العمل ليس فقط موقفا سياسيا، بل أيضا نتيجة محتملة لسلسلة من التوترات التي تتشكل داخل المؤسسة الثقافية ذاتها.

في قلب هذا التشابك يبرز السؤال الذي يطرحه العمل ضمنيا: من الذي يرفض فعلا؟ ومن الذي يرفض؟

font change

مقالات ذات صلة