ما الذي ينبغي لإسرائيل أن تتفاوض بشأنه مع لبنان؟

احتمال إشراك سوريا في المفاوضات، رغم أنه لا يزال غير مؤكد، يفتح فرصة لافتة لمعالجة النزاع المزمن بشأن الحدود البرية بين إسرائيل ولبنان

نسمة محرّم
نسمة محرّم

ما الذي ينبغي لإسرائيل أن تتفاوض بشأنه مع لبنان؟

تشكل المفاوضات المرتقب انطلاقها بين إسرائيل ولبنان تطورا مفاجئا ومنعشا للآمال في خضم الحرب الجارية الآن. فقد أدى قرار "حزب الله"، تحت ضغط إيراني شديد، إدخال الساحة اللبنانية في القتال الدائر إلى استجلاب الرد الإسرائيلي العنيف المتوقع. وإزاء خشية الرئيس اللبناني جوزيف عون من تصاعد النزاع وتفاقمه، وعجزه عن كبح "الحزب"، بادر إلى إطلاق تحرك دبلوماسي يهدف إلى وقف التدهور العسكري ونقل المواجهة إلى الميدان السياسي. وفي إطار هذا المسعى، أبدى استعداده للدخول في مفاوضات سياسية مباشرة مع إسرائيل برعاية دولية، على أمل أن يفضي ذلك إلى وقف لإطلاق النار ويحول دون إلحاق أضرار جسيمة بالدولة اللبنانية. وتحظى هذه المبادرة بدعم رئيس مجلس النواب نبيه بري.

من جانبه، واصل رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام توجيه انتقادات حادة إلى "حزب الله"، مؤكدا: "لسنا خائفين من تهديداته"، وأنه ليس من دور الشعب اللبناني أن يثأر لمقتل "المرشد الأعلى" الإيراني. وفيما يتعلق بالتفاوض مع إسرائيل، قال إن الحكومة سحبت تحفظها على مبدأ التفاوض معها، مضيفا أنه لا توجد حتى الآن أجندة محددة للمفاوضات المرتقبة.

يبدو أن باريس تنسق مع واشنطن، وإن كانت تتحرك أحيانا بوتيرة أسرع. غير أن الولايات المتحدة تبقى، في المحصلة، الطرف المرجح أن يؤدي الدور الحاسم والقيادي

ووفقا للتقارير، فإن الوفد اللبناني المقرر أن يتولى التفاوض مع إسرائيل، والذي جرى تشكيله بالفعل، سيضم السفير عبد الستار عيسى، الذي اختاره رئيس الوزراء سلام ممثلا للطائفة السنية، والسفير السابق سيمون كرم ممثلا للطائفة المارونية، وشوقي أبو نصار ممثلا للطائفة الدرزية، وبول سالم الذي سبق أن ترأس "معهد الشرق الأوسط" في واشنطن، فضلا عن ممثل مرجح للطائفة الأرثوذكسية، لم تتحدد هويته بعد. وحتى الآن، يبدو أن الوفد لن يضم ممثلا عن الطائفة الشيعية، إذ يفضّل نبيه بري، في الوقت الراهن كما يبدو، الإبقاء على هامش مناورة واسع. غير أن الأيام القليلة الماضية أظهرت، على ما يبدو، وجود ضغط على بري يمارسه الزعيم الدرزي وليد جنبلاط من أجل إدراج ممثل شيعي. والغاية من هذا الوفد أن يعكس تنوع لبنان السكاني والطائفي، بما يوحي من جهة بجدية الحكومة اللبنانية، ومن جهة أخرى بوجود دعم داخلي واسع لأي تفاهمات قد تخرج بها المحادثات مع إسرائيل.

أ.ف.ب
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون واللبناني جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري بعد لقائهما في القصر الرئاسي بعبدا في 17 يناير 2025

وكما جرت العادة في السابق، ولا سيما فيما يتعلق بلبنان، تنشط فرنسا دبلوماسياً على نحو مكثف. فقد تحدث الرئيس إيمانويل ماكرون مرات عدة مع الرئيس عون، وأجرى اتصالا هاتفيا ثلاثيا مع رئيسي لبنان وسوريا. والفكرة المطروحة في باريس اليوم تقوم على الدفع نحو مفاوضات إسرائيلية–لبنانية بالتوازي مع محادثات إسرائيلية–سورية، أو حتى ضمن صيغة ثلاثية، سعيا إلى تحقيق تقدم ملموس، ولو في الحد الأدنى، في مسألة الحدود بين لبنان وإسرائيل. كما بادرت فرنسا إلى الدعوة لاجتماع مجلس الأمن الدولي الأسبوع الماضي لمناقشة الوضع في لبنان، بهدف تعزيز الدعم الدولي للمساعي الدبلوماسية. ويبدو أن باريس تنسق مع واشنطن، وإن كانت تتحرك أحيانا بوتيرة أسرع. غير أن الولايات المتحدة تبقى، في المحصلة، الطرف المرجح أن يؤدي الدور الحاسم والقيادي، ولا سيما في التعامل مع القدس.

تمثل مسألة وقف إطلاق النار القضية الأشد إلحاحا والأكثر تعقيدا. فالجانب اللبناني يتوقع أن توقف إسرائيل نيرانها لإتاحة المجال أمام المفاوضات

ويبدو أن إسرائيل وافقت على عقد هذه المفاوضات. وقد أفادت تقارير بأن الوزير السابق رون ديرمر سيترأس الوفد الإسرائيلي. ومن المفهوم أن تبدي إسرائيل قدرا من الشك في قدرة الجيش اللبناني على نزع سلاح "حزب الله". ومع ذلك، فإن الجولة الحالية من القتال في لبنان تفرض تعديلا في الطريقة التي تدير بها إسرائيل سلوكها. فدعوة الرئيس عون إلى مفاوضات مباشرة تستدعي ردا مختلفا. وينبغي لإسرائيل أن تستجيب إيجابا لليد الممدودة من الرئيس اللبناني. كما ينبغي أن يكون ردها على الدعوة إلى المحادثات المباشرة علنيا، إيجابيا، وقادرا على توليد زخم دبلوماسي.

ما الأهداف التي ينبغي لإسرائيل أن تضعها نصب عينيها إذا بدأت المفاوضات؟

  • ينبغي لإسرائيل أن تستثمر المأزق الذي يواجهه "حزب الله" حاليا داخل لبنان من أجل زيادة الضغط عليه من داخل المجتمع اللبناني. والأهم من ذلك أن ثمة فرصة الآن لتوسيع الشرخ داخل الطائفة الشيعية بين مؤيدي "حزب الله" وأنصار حركة "أمل"، حزب رئيس مجلس النواب نبيه بري. وهذا التوتر الداخلي قد يفضي إلى تصدع المعسكر السياسي الشيعي، ومن مصلحة إسرائيل أن تدفع في اتجاه تعميق هذا الانقسام.

رويترز
يتصاعد الدخان بعد غارة إسرائيلية على جسر القاسمية، في أعقاب تصعيد بين حزب الله وإسرائيل، لبنان 22 مارس 2026

  • تمثل مسألة وقف إطلاق النار القضية الأشد إلحاحا والأكثر تعقيدا. فالجانب اللبناني يتوقع أن توقف إسرائيل نيرانها لإتاحة المجال أمام المفاوضات، بما يجنب لبنان عملية عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق. غير أن الحكومة اللبنانية، في المقابل، لا تملك القدرة على فرض إرادتها على "حزب الله". أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن وقف النار في وقت يواصل فيه "الحزب" هجماته سيكون أمرا بالغ الصعوبة، ولا سيما أن إسرائيل تسعى إلى استثمار الظروف الراهنة لتكثيف ضرباتها ضده. ومع ذلك، ففي ظل هذه الملابسات بالذات، ينبغي لإسرائيل أن توافق على وقف إطلاق النار قبل الشروع في مفاوضات مباشرة. فإبداء إسرائيل استعدادها لوقف النار، حتى من دون رد فوري من "حزب الله"، قد يفضي إلى أحد احتمالين:

أ- أن يرفض "حزب الله" وقف إطلاق النار، ما يعزز مشروعية إسرائيل في توجيه ضربات قوية إلى الحزب. والأهم أن الضغوط الشعبية وحالة الغضب ضده داخل لبنان ستتصاعد، ولا سيما في ضوء استعداد إسرائيل لوقف النار.

ب-  أن يوافق "حزب الله" على وقف إطلاق النار. ومثل هذا التطور قد يوسع الفجوة بين "الحزب" وراعيته إيران، وهو ما سيعد، من المنظور الإسرائيلي، نتيجة بالغة الإيجابية.

إن انخراطاً سورياً بناءً، وخصوصا في توضيح وضع مزارع شبعا، يمكن أن يسهّل إلى حدّ كبير حل مسألة الحدود الإسرائيلية–اللبنانية. ومثل هذه الخطوة تنسجم مع مصالح نظام الشرع في سوريا في المرحلة الراهنة

  • إن احتمال إشراك سوريا في المفاوضات، رغم أنه لا يزال غير مؤكد، يفتح فرصة لافتة لمعالجة النزاع المزمن بشأن الحدود البرية بين إسرائيل ولبنان. ولا ينبغي التقليل من أهمية انخراط سوري بناء يمكن أن يسهم في تثبيت الاستقرار في الساحة اللبنانية.
  • إن تهيئة مناخ عام داعم مسألة حاسمة، سواء في لبنان أو في إسرائيل. ومن المهم ترسيخ صورة أن إسرائيل لا تنظر إلى لبنان من زاوية عسكرية فحسب، وإنما تراه أيضا فرصة سياسية تنطوي على آفاق واعدة. ويقصد من تشكيلة الوفد اللبناني المشار إليها أعلاه أن توحي بوجود تأييد لبناني واسع لهذا المسار. وسيغدو ذلك أكثر دلالة إذا انضم، في مرحلة لاحقة، ممثل عن الطائفة الشيعية إلى الوفد بموافقة نبيه بري.

ما القضايا التي ينبغي أن تتصدر المفاوضات؟

  • نزع سلاح "حزب الله". وهذه، بطبيعة الحال، هي القضية الأكثر إلحاحا والأشد صعوبة. وينبغي أن يكون الهدف انتزاع التزام لبناني، مسنود بخطة عمل منظمة وجدول زمني محدد، لتنفيذ قرارات الحكومة اللبنانية المتعلقة بسلاح "حزب الله". كما يتعين تأمين دعم دولي عاجل للجيش اللبناني، ماليا ولوجستيا، لتمكينه من الاضطلاع بهذه المهمة. ومن الضروري أن يعزز مثل هذا الاتفاق إطارا إقليميا ودوليا، وربما عبر قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي. كما أنه من المهم ضمان دعم سعودي قوي لهذا التوجه.

أ.ف.ب
جنود إسرائيليون وجرافة ينفذون عملية في بلدة جنوبية على طول الحدود، كما يظهر من موقع في الجليل الأعلى شمال إسرائيل في 18 مارس 2026

  • تسوية الخلافات المتعلقة بالحدود البرية بين الدولتين. وهذه مسألة قابلة للحل، رغم تعقيد عدد من النقاط على طول الحدود. إن انخراطاً سورياً بناءً، وخصوصا في توضيح وضع مزارع شبعا، يمكن أن يسهّل إلى حدّ كبير حل مسألة الحدود الإسرائيلية–اللبنانية. ومثل هذه الخطوة تنسجم مع مصالح نظام الشرع في سوريا في المرحلة الراهنة، وقد تصبح قابلة للتحقق عبر دبلوماسية خلاقة من جانب واشنطن وإسرائيل.
  • اتفاق عدم اعتداء. من المهم تحديد هدف سياسي أبعد مدى، يجمع بين الطموح والواقعية. فإذا عولجت القضايا العاجلة بنجاح، فقد يصبح التوصل إلى اتفاق عدم اعتداء واعتراف متبادل بين الدولتين هدفا ذا معنى. فالظروف الحالية، ولا سيما حاجة لبنان الملحة إلى الاستقرار والتعافي الاقتصادي، تجعل مثل هذا الاحتمال أكثر قابلية للتصور مما كان عليه في السابق.

تدرك إسرائيل، على ما يبدو، مخاطر المماطلة في لبنان وما قد تجره من توسيع للهجوم البري وتصعيده، لكنها قد تجد نفسها منساقة إلى هذا المسار إذا لم تتدارك الأمر في الوقت المناسب

من الطبيعي أن يكون الطريق أمام هذه المفاوضات محفوفا بالعقبات. ويبدو أن الاهتمام انصرف كليا خلال الأيام القليلة الماضية إلى الساحتين الإيرانية والخليجية، عقب إنذار ترمب وتمديده بضعة أيام إضافية. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان الحماس لبدء التفاوض الإسرائيلي-اللبناني قائما بالقدر نفسه. وتدرك إسرائيل، على ما يبدو، مخاطر المماطلة في لبنان وما قد تجره من توسيع للهجوم البري وتصعيده، لكنها قد تجد نفسها منساقة إلى هذا المسار إذا لم تتدارك الأمر في الوقت المناسب. لذلك، تبرز ضرورة اغتنام الفرصة المطروحة الآن وعدم التفريط بها. فقد وضع "حزب الله" نفسه في مأزق استراتيجي بقراره الخاطئ الانخراط في القتال، لكن هذا التطور يفتح في الوقت نفسه الباب أمام دبلوماسية خلاقة قد تفضي إلى واقع جديد.

font change