إن ما حدث بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وتحديداً بعد مؤتمر يالطا 1945 الذي انعقد في جزيرة القرم، بين الثلاثة الكبار المنتصرين في هذه الحرب، وهم: الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، وجوزيف ستالين زعيم الاتحاد السوفياتي، والسير ونستون ليونارد سبنسر تشرشل رئيس الحكومة البريطانية، الذي تم بموجبه تحديد ملامح العالم واقتسامه، وخاصةً بين الولايات المتحدة، التي خرجت من هذه الحرب المنتصرة الأكثر شهرةً، والقوة النووية التي تزيد من قوتها التفاوضية، وحاجة الاتحاد السوفياتي لها، لدعمه اقتصاديا ومكافأته على احتلال برلين، وتحطيم "الرايخ الثالث" وقتل الفوهرر، الذي كان أهم الأعداء لكل هؤلاء، ووضع تشرشل الذي يريد أن يستفيد من نتائج هذه الحرب، بعد أن دُمّرتْ لندن، وشعر الشعبُ في المملكة المتحدة بالكثير من الإرهاق المادي والمعنوي، جراء هذه الحرب المدمرة، وسطوة النازية الألمانية والفاشية الإيطالية على أوروبا وضياعها، ووسطيتها بين قوة الولايات المتحدة، التي جاءت لتضع حدا لقوة بريطانيا العظمى والدول الأوربية مجتمعةً وسطوتها الاقتصادية، واحتلالها العسكري لمعظم الدول الأوروبية وخاصة ألمانيا.
ومنذ بداية الخمسينات وظهور التكتلات الدولية الهامة، بدأ العالم يتحسس مواقعه، ومواقفه، بين أن ينتمي للقطب الواحد الأهم، وهي الولايات المتحدة الأميركية، وابتداء نفوذها القوي إلى داخل الدول الأوروبية، عسكريا واقتصاديا، و"مشروع مارشال" لإعمار أوروبا. وتوسع الشركات الأميركية، ودخولها المباشر في تلابيب الاقتصاد الأوروبي والياباني، بشكل واضح ومحدد الملامح.
لذلك قال أحد وزراء الجنرال ديغول، إنك لو سرت في أوروبا، لوجدت بين كل مئة كيلومتر شركة أميركية، وهذا ما حفّز الجنرال ديغول بعد أن أصبح رئيسا لفرنسا في الجمهورية الثالثة، إلى أن يردد أكثر من مرة، بضرورة تحرير أوروبا من الهيمنة الأميركية. وكانت ظاهرة انخفاض أسعار الفرنك الفرنسي في منتصف 1960 وما بعدها حيث حمل كل ما لديه من عملات دولارية أميركية واستبدلها بكميات من الذهب، من أجل أن يعطي قوة للفرنك الفرنسي. لكن محاولاته لم تحدث أثرا كبيراً على الاقتصاد الأميركي وقوته وهيمنته، وانتشار القواعد العسكرية الأميركية في أوروبا وفي اليابان وفي العالم والمنطقة العربية، وجنوب شرق آسيا، وفي الحديقة الخلفية لأميركا، والحديقة الأمامية لها (كندا وأميركا اللاتينية والوسطى).
وعلى الجانب الآخر، سيطرة الاتحاد السوفياتي وستالين على أوروبا الشرقية بما فيها ألمانيا الشرقية والمحتلة، وإقامة أنظمة نسخة كربونية عن النظام السوفياتي في جميع الدول الأوروبية الشرقية. والهيمنة السوفياتية ظهرت بشكل واضح، بعد قيام حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومنظمة التعاون الاقتصادي، لتشمل كل أوربا الغربية وكندا واليابان وأستراليا.
وعلى الضفة الأخرى كانت "اتفاقية وارسو" للدفاع تضم الاتحاد السوفياتي وكل الدول الأوروبية الشرقية الممثلة سوفياتيا ومنظمة "الكوميكون" الاقتصادية، وامتدادات ذلك إلى جميع حركات التحرير العالمية في أميركا اللاتينية وأفريقيا، والصين وجنوب شرق آسيا، ونجاح الاتحاد السوفياتي بإنتاج القنابل النووية ابتداءً من عام 1949 (في 9 أغسطس/آب).
وبالتالي بدأ الردع المتبادل بين القوتين الأعظم في العالم، وهما الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، وانقسم العالم إلى كتلتين قويتين مسلحتين بالأسلحة النووية والصواريخ الحاملة للرؤوس النووية، وهذا الردع المتبادل كان كفيلاً بمنع التصادم رأساً برأس، ولكن تم التحايل عليه بإشعال حروب ذات صبغة مناطقية جنوب شرق آسيا، فقامت الولايات المتحدة بنشر قواعدها العسكرية محاصرة الاتحاد السوفياتي، وتشكيل شبه سوار حول الاتحاد السوفياتي.



