كشفت الحرب على إيران، في أسبوعها الخامس، أن تداعياتها لا تقتصر على ميدان القتال. فقد أظهرت بجلاء حجم الاختلاف بين المصالح الاستراتيجية الأميركية والأوروبية، وعمقت التساؤلات حول طبيعة التحالف عبر الأطلسي، وأعادت طرح سؤال لم تجب عنه أوروبا بعد: ما الموقف الذي تتبناه حين يتصرف أقرب حلفائها بمعزل عنها، وما الخطوات العملية التي تستعد لاتخاذها؟
في هذه المقابلة مع "المجلة"، يتحدث شارل ميشيل، رئيس وزراء بلجيكا السابق والرئيس السابق أيضا لمجلس الاتحاد الأوروبي، بصراحة غير معتادة. يُقر بأن أوروبا ظلت في موقع المتفرج على حرب اندلعت دون مشاورتها، ويطالب قادة الاتحاد الأوروبي بتقديم دعم ملموس لدول الخليج العربي التي تتحمل التبعات المباشرة لصراع لم تختر الانخراط فيه.
على الصعيد العسكري، يقترح ميشيل أن يضع الاتحاد الأوروبي قدراته وخبرته في مجال الطائرات المسيرة الدفاعية في متناول دول الخليج العربي كما فعلت أوكرانيا، معتبرا أن هذا النوع من الدعم الميداني هو المعيار الحقيقي للشراكة، وليس البيانات المشتركة التي حلت طويلا محلها.
كما يتناول ميشيل عقيدة "إسرائيل الكبرى" المتطرفة التي تتبناها أطراف في الائتلاف الحاكم في إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو، معتبرا إياها تهديدا مباشرا للاستقرار الإقليمي، ومطالبا أوروبا بأن تعبر عن موقف واضح بدلا من الاكتفاء بالغموض الدبلوماسي.
وفيما يلي النص الكامل للحوار:
* بعد شهر على اندلاع الحرب الأميركية–الإسرائيلية مع إيران، يرى البعض أن أوروبا ظلت، إلى حد كبير، في موقع المتفرج على هذا النزاع. وقد قال عدد من القادة الأوروبيين، بينهم رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر، أحد أقرب حلفاء واشنطن، إن بلدانهم لم تُستشر قبل شن هذه الحرب. هل توافق على أن أوروبا تعرضت للتهميش؟
- للأسف، نعم. حتى هذه اللحظة، تبدو أوروبا في المقام الأول في موقع المتفرج، وذلك مؤسف للغاية. وأنت محق تماما حين تقول إن الولايات المتحدة وإسرائيل اختارتا إطلاق هذا التدخل العسكري من دون أي تشاور مسبق مع الدول الأوروبية. ومع ذلك، فإننا جميعا نتحمل تبعات هذا القرار، بما في ذلك في أوروبا.
لكن قلقي ينصب في الدرجة الأولى على المنطقة نفسها، ولا سيما دول الخليج والدول العربية التي تعاني مباشرة من نتائج ما يجري، وتعاني كذلك من أفعال إيران التي تهاجم جيرانها، بما في ذلك خلال شهر رمضان المبارك، وهو أمر صادم حقا. وفي الوقت نفسه، أرى أننا في حاجة إلى قدر أكبر من التنسيق السياسي، وعلى الجانب الأوروبي ينبغي أن نعبر عن دعم أقوى وتضامن أوضح مع دول المنطقة، لا بالكلمات وحدها، بل عبر خطوات عملية ملموسة. وقد دعوت منذ وقت طويل إلى توثيق الروابط بين دول الخليج والاتحاد الأوروبي، وحين يواجه شركاؤنا ظروفا صعبة، يصبح الوقوف إلى جانبهم واجبا. وأنا أدعو قيادة الاتحاد الأوروبي إلى قدر أكبر من الحزم في طريقة الاستجابة للظرف الجيوسياسي الراهن.
* وجدت دول الخليج، السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعمان، نفسها كلها في قلب هذه الحرب، تحاول إدارة تبعاتها الاقتصادية والعسكرية بأفضل ما تستطيع. فهل لدى الاتحاد الأوروبي استراتيجية ملموسة تجاه دول الخليج في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية؟ وهل هناك شراكة استراتيجية حقيقية؟
- أنا على قناعة تامة بأنه إذا أراد الاتحاد الأوروبي أن يؤخذ على محمل الجد، فعليه أن يثبت الآن، في هذه اللحظة، أنه شريك يعول عليه. وهذا يعني إقامة روابط دبلوماسية وسياسية وثيقة مع هذه الدول، وفهم ما الذي يمكننا أن نفعله على وجه الدقة حتى يكون الدعم الذي نقدمه فاعلا حقا. هذه هي نقطتي الأولى.
ونقطتي الثانية أن واحدة من أخطر مشكلات الوضع الراهن تكمن في أننا لا نعرف فعليا ما الأهداف العسكرية أو السياسية التي تسعى إليها إسرائيل والولايات المتحدة. وهذه حال شديدة الغرابة ومثيرة للقلق. ووفقا للقانون الدولي، لا يوجد ما يبرر هذا التدخل العسكري.
وفي الوقت نفسه، دعني أكن واضحا: نحن، على الجانب الأوروبي، ندين النظام الإيراني إدانة قاطعة لا لبس فيها. فعلى مدى عقود، مارس القمع بحق شعبه، ونشر الكراهية في أنحاء المنطقة، وصدّر الإرهاب، وشكّل تهديدا دائما للأمن العالمي. لكن، رغم ذلك كله، يبقى من الضروري في هذه الظروف أن يكون الاتحاد الأوروبي فاعلا ومنخرطا في الجهود الدبلوماسية، وفي تنسيق سياسي وثيق مع حلفائنا وشركائنا وأصدقائنا في المنطقة. هذا ما ينبغي لقيادة الاتحاد الأوروبي أن تفعله الآن، ومن دون إبطاء. فالمنطقة لا تنتظر من أوروبا أن تكتفي بالتفرج، وإنما تنتظر منها أن تكون طرفا فاعلا، وقوة ذات تأثير حقيقي. نعم، هناك بعد عسكري، لكنْ هناك أيضا بعد اقتصادي. ونحن نرى بوضوح أن هذه الاستراتيجية تنطوي على استهداف الموارد الاقتصادية للمنطقة، وإلحاق الضرر بدول لم تختر هذه الحرب.



