"تفاهة الشر" وانعكاسات العجز الفردي والجماعي

حين تبتلع الحرب الإنسان

AFP
AFP
النازي أدولف أيخمان يؤدي اليمين خلال محاكمته أمام محكمة إسرائيلية في القدس، 5 مايو 1961

"تفاهة الشر" وانعكاسات العجز الفردي والجماعي

تبدو النهايات المأسوية لبعض الكتاب والفنانين، حين ننظر إليها عبر الزمن، أشبه بمرايا تعكس التصدعات الكبرى التي تمر بها الإنسانية أكثر مما تعكس هشاشتهم الفردية.

لا يمكن مثلا قراءة انتحار الكاتب النمساوي ستيفان زفايغ مع زوجته عام 1942، في ذروة الحرب العالمية الثانية، الا بوصفه انعكاسا للحظة مظلمة في تاريخنا الحديث. فحين اختار زفايغ أن يتجرع السم، كان يعيش في البرازيل، منفيا من بلده، ينظر إلى "موطنه الروحي" أوروبا من بعيد، وهي تغرق في ظلمات الحرب وصعود النازية.

في رسائله الأخيرة إلى أصدقائه في الليلة التي سبقت موته، كتب: "أحيي جميع أصدقائي. لعلهم يرون فجر أوروبا بعد هذا الليل الطويل. أما أنا فأرحل قبل ذلك".

صدمات القباحة

التاريخ الثقافي يخبرنا أن هذه الحادثة لم تكن معزولة. ثمة حقبات كاملة تكرر فيها انتحار المثقفين والفنانين، بشكل لا يمكن أن ينفصل عن السياق الزمني والتاريخي. حدث ذلك مثلا في روسيا بعد سنوات من الثورة البلشفية ووصول ستالين الى الحكم، كما حدث في أوروبا مع صعود الفاشية في النصف الأول من القرن العشرين.

فقبل زفايغ بثلاث سنوات، عام 1939، أنهى الكاتب المسرحي الألماني إرنست تولر حياته في منفاه في نيويورك، بعدما شاهد أوروبا تنزلق نحو الكارثة التي كان يحذر منها.

في روايته الوحيدة حاول سبول مساءلة هذا الانكسار، وكشف التصدعات العميقة في الواقع العربي الذي بدا أنه يبتلع كل جهد فردي وكل أمل جماعي

 كذلك فعل والتر بنجامين، أحد أبرز العقول الفلسفية القرن العشرين، حين وضع حدا لحياته عام 1940، في قرية صغيرة عند الحدود الفرنسية الإسبانية بعدما وجد نفسه محاصرا بين الاحتلال النازي والمنفى المستحيل، حصار عبر عنه في رسالته الأخيرة: "في حيثية لا مخرج منها، ليس لدي خيار سوى إنهاء كل شيء. في قرية صغيرة في جبال البرانس، حيث لا يعرفني أحد، توشك حياتي على الانتهاء".

Wikimedia Commons
والتر بنجامين

وفي العالم العربي أيضا، وإن في سياق مختلف، ظهر أثر مشابه بعد هزيمة 1967. من الأمثلة المبكرة عليه، تجربة الشاعر والروائي الأردني تيسير سبول، الذي أنهى حياته عام 1973 بعد ست سنوات فقط من هزيمة يونيو/ حزيران. لقد شكلت الهزيمة صدمة عميقة له ولجيل كامل من المثقفين الذين تربوا على خطاب قومي يعد بالتحرر والتقدم، وجعلت مشاريعهم الثقافية والسياسية تبدو بلا جدوى. في روايته الوحيدة "أنت منذ اليوم"، حاول سبول مساءلة هذا الانكسار، وكشف التصدعات العميقة في الواقع العربي الذي بدا أنه يبتلع كل جهد فردي، كل مشروع فكري، وكل أمل جماعي.

بعدها بسنوات، عام 1982، كان المشهد يعيد نفسه في بيروت هذه المرة. فيما كان الجيش الاسرائيلي يجتاح المدينة، كان الشاعر اللبناني خليل حاوي، من على شرفته في شارع الحمرا المعروف في العاصمة، يشاهد انتهاء عالم كامل كان يحارب من أجله. كان يشاهد سقوط مدينته وأحلامه معا، انهيار "الجسر" الذي كتب من أجله، وصار أغنية أجيال كاملة تحلم بالعبور نحو شرق جديد. لم يستطع الشاعر رؤية هذا التداعي، فأطلق رصاصة في رأسه منهيا حياته. 

عجز وجودي

كل انتحار يحمل تعقيداته النفسية والإنسانية الخاصة، ولا يمكن اختزال هذه النهايات في تفسير سياسي أو تاريخي واحد. كما أن ليس الهدف من عرض هذه الأمثلة تصويرها كحلول أو وضعها في إطار بطولي. بل الإشارة إلى أن تكرارها في حقبات الحروب والانهيارات الكبرى، يمكن أن يظهر كيف تتحول الصدمة التاريخية إلى عجز وجودي، على إثر تفكك منظومات أخلاقية كاملة وبنيات قيمية كان يستند إليها الفرد، ويجد في أطرها نوعا من المعنى.

MENAHEM KAHANA / AFP
ستيفان ليت يعرض رسائل الكاتب النمساوي ستيفان زفايغ إلى شاب يدعى هانس روزنكرانتس

وإذا كان المثقف أكثر قدرة على التقاط هذه الانهيارات، وأكثر حساسية أمام العجز التي تولده، فإنه ليس وحده من يشعر بها. فالفرد العادي، وإن لم يملك أدوات التفكير نفسها، ولا المقاربة ذاتها للوجود عبر منظومات فكرية محددة، يختبر هذه الاضطرابات عاجلا أم آجلا، بحدة تختلف من ظرف إلى آخر ومن زمن إلى آخر.

يعيش عالمنا المعاصر اليوم إعادة إنتاج لانهيارات الماضي، في مشهد يبدو فيه يأسنا من طبيعة اليأس ذاتها التي دفعت بأولئك المثقفين إلى الانتحار

يعيش عالمنا المعاصر اليوم إعادة إنتاج لانهيارات الماضي، في مشهد يبدو فيه يأسنا من طبيعة اليأس ذاتها التي دفعت بأولئك المثقفين إلى الانتحار في أوقات شديدة الظلمة. في مشهد يتابع فيه الملايين كل يوم وكل لحظة أخبار الحروب من شاشاتهم، يتحول العجز اليوم إلى ما يشبه التجربة الجماعية.

لطالما أتى الشعور بالعجز من اغتراب الإنسان داخل أنظمة ابتلعته وهشمت دوره ومكانه وقدرته على التأثير. لكن الأدوات التي تصنع العجز اليوم هي أيضا ما تجعله يتعاظم إلى هذا الحد. مع تحويل التكنولوجيا ووسائل الإعلام الحروب والمآسي الى محتويات مرئية مكررة، ومواد للاستهلاك اللحظي، لم يعد العنف يمر فقط عبر أجهزة السلطة أو ساحات الحرب، بل أصبح يطولنا في بيوتنا، في الشارع، في العمل. لا نستطيع أن نهرب منه، ولا أن نتوقف عن مساءلة دورنا الفردي في عالم تنهار فيه كل القيم ولا يبدو السؤال الأخلاقي او الإنساني من أولوياته.

فرجة الإبادة

نشاهد المأساة اليوم في الوقت نفسه التي تحدث فيه. هذا الاحتكاك المباشر بالأحداث لا يترك مسافة كافية للتفكير أو الاستيعاب. عجزنا اليوم يتخطى القدرة على الفعل، إلى القدرة على الفهم نفسها. أمام مشاهد لمدن تختفي، ولخرائط ترسم على أنقاض البشر، يبدو كأن العالم المعاصر دخل مرحلة أصبح فيها العنف منظما إلى حد غير مسبوق، يضخ في يومياتنا باستمرار، معطلا كل آليات الفعل والفهم والتأثير وحتى التأثر.

John MACDOUGALL / AFP
صورة للفيلسوفة والمنظّرة السياسية حنة أرندت معروضة خلال معاينة صحافية لمعرض في المتحف التاريخي الألماني في برلين، 6 مايو 2020

في كتابها "أيخمان في القدس"، أطلقت الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت مفهوم "تفاهة الشر" على التحويل الممنهج لأفعال القتل والعنف إلى مجموعة أوامر في بيروقراطية باردة مجردة من أي بعد أخلاقي. لاحظت أرندت أثناء محاكمة أدولف أيخمان، أحد منظمي الهولوكوست، أنه كان رجلا عاديا، لا يملك فطرة وحشية أو كرها خاصا لليهود، بل اعتبر أنه كان يقوم بعمله، ولم يبد أي ندم على أفعاله، في حالة انفصال تام عن النتائج الإنسانية الكارثية التي قادت إليها هذه الأفعال.

بالطريقة نفسها، ترتكب اليوم جرائم وإبادات في حق شعوب كاملة بعد أن يتم تقديمها بطريقة تجعلها تبدو محض قرارات سياسية لا بد منها. إنما بالإضافة الى ذلك، أصبح العنف يقدم على شكل مجموعة من الأخبار، يعاد صوغها بلغة عقلانية، تستهلك بسرعة، وتعاد مشاركتها بلا توقف، في فضاء رقمي يبتلع البعد الانساني وينتج المأساة كمادة يومية.

Wikimedia Commons
ستيفان زفايغ

يقول ستيفان زفايغ: "كل جيل يعتقد أن زمنه هو الأشد اضطرابا، لكن الحقيقة أن التاريخ كله سلسلة من الكوارث والمآسي". مع هذا، يبدو أنه لم يسبق للشر أن كان تافها الى هذا الحد، ممنهجا الى هذا الحد، متوفرا ومعروضا للفرجة، اذا استعرنا تعبير الكاتب الفرنسي غي دوبور، في ظل غياب فاضح لقوانين وضعت في الأصل لحماية الإنسان، وتفادي تكرار المآسي الإنسانية الكبرى. 

لم يسبق للشر أن كان تافها الى هذا الحد، ممنهجا الى هذا الحد، متوفرا ومعروضا للفرجة، في ظل غياب فاضح لقوانين وضعت في الأصل لحماية الإنسان

نعيش في عالم ينتهك إنسانية أفراده في كل لحظة. في هذا السياق، ربما تصبح بعض النهايات المأسوية للكتاب في التاريخ الثقافي مفهومة أكثر مما تبدو لأول وهلة، بوصفها إشارات إلى لحظات شعر فيها الإنسان بالعجز وهو يرى العالم الذي يعرفه يتفكك أمامه، وتصبح فيه الحياة العادية -في غياب القيم الإنسانية الأساس- مشقة يومية. وكأنما فكرة العيش في عالم عادل لا تتوقف عن الابتعاد عنا، حتى صارت تنتمي إلى عالم غير حقيقي لا وجود له إلا في الأفكار.

font change