حرب إيران... تكشف "حروب العراق الباردة" والمؤجلة

الفصائل تقرر

إيوان وايت
إيوان وايت

حرب إيران... تكشف "حروب العراق الباردة" والمؤجلة

يعيش العراق تموضعاً سياسياً/عسكرياً شديد الغرابة؛ إذ فيما تخوض دول أخرى مواجهة عسكرية محتدمة فيما بينها، لأسباب جيوسياسية لا علاقة مباشرة لها بالعراق، تشن جماعات عراقية مسلحة هجمات مكثفة على جماعات سياسية وجهات عسكرية ومقار مدنية ضمن العراق نفسه، تكاد أن تكون انخراطاً واضحاً في هذه الحرب، عبر الجبهة الداخلية العراقية، لكن بقصد التأثير في وقائع ونتائج هذه الحرب نفسها، وتحديد شكل المستقبل السياسي للعراق.

الغريب، أن ذلك يحدث في وقت يعلن فيه العراق سياسياً ورسمياً عدم مشاركته في الحرب بأي شكل. كذلك في وقت تشكل مختلف الجماعات المسلحة المتصارعة فيما بينها هذه أجزاء من "منظومة الدفاع" الرسمية والشرعية للدولة العراقية، فالجيش العراقي وقوات "البيشمركة الكردية" و"الحشد الشعبي" وجهاز الاستخبارات، التي تعرضت مقارها لهجمات متنوعة، هي كلها أذرع المنظومة العسكرية الشرعية في العراق، والفصائل المسلحة الرديفة لـ"الحشد الشعبي"، مثل "كتائب النجباء" و"حزب الله العراق" حاصلة على تغطية أمنية من "الحشد الشعبي" وسياسية من القوى الحزبية الحاكمة للبلاد.

ثلاث حروب داخلية مؤجلة

خلال الأسبوعين الأولين من الحرب التي بدأت في 28 فبراير/شباط المنصرم، تم إحصاء 300 هجوم شُن على إقليم كردستان، استهدفت المؤسسات المدنية ومخيمات ومقار الأحزاب الكردية الإيرانية ومواقع "قوات البيشمركة" والبعثات الدبلوماسية في الإقليم، الأوروبية والأميركية والخليجية بالذات. ارتفعت أعداد تلك الاعتداءات لتتجاوز ألف هجمة خلال أربعة أسابيع. في السياق نفسه، تعرضت السفارة الأميركية في العاصمة بغداد وقاعدة فيكتوريا الأميركية للشؤون اللوجستية بالقرب من مطار بغداد الدولي والقواعد العسكرية الأميركية والقاعدتان الإيطالية والفرنسية في إقليم كردستان لعشرات الهجمات بالصواريخ والطائرات المُسيرة. واستُهدف مقر الاستخبارات العراقية في قلب العاصمة بغداد لهجوم بطائرة مُسيرة صبيحة 21 مارس/آذار، أسفر عن مقتل ضابط من الجهاز. دون أن تتحرك الحكومة العراقية بأي شكل جدي وفعال.

استخدمت القوى العراقية المقربة من إيران كل الأدوات لتصفية النفوذ الأميركي في العراق، وأصدرت عام 2020 قانوناً برلمانياً يفرض على الحكومة العراقية إنهاء كل أشكال الوجود العسكري الأجنبي في العراق

حسب رأي الخبراء والمتابعين للشأن العراقي، فإن نوعية الجهات المُستهدفة من هذه الهجمات، تكشف ما بقي مُستتراً ضمن الحياة السياسية والعامة العراقية طوال سنوات كثيرة ماضية. فمنذ هزيمة تنظيم "داعش" في العراق عام 2017، كان ثمة نوعان من القوى السياسية/الميدانية في الداخل العراقي، متباينة ومتزاحمة فيما بينها، وأثبتت كل الجهود والمحاولات استحالة توافقها أو التعايش فيما بينها.

فمن جهة كان ثمة النفوذ والفاعلية الإيرانية، التي كانت تعتمد سياسياً على مجموع الأحزاب الشيعية المنضوية تحت مظلة "الإطار التنسيقي"، وأمنياً وعسكرياً على فصائل "الحشد الشعبي"، وإلى جانبها ما تُسمى "فصائل المقاومة العراقية". سعى "النفوذ الإيراني" جاهداً خلال هذه السنوات لخلق استفراد وسيطرة تامة على العراق، لكنه كان يواجه "ممانعة" من ثلاث جهات منخرطة في الملف نفسه، هي الوجود العسكري والنفوذ السياسي للولايات المتحدة الأميركية من طرف، ومن طرف آخر إقليم كردستان وبعض مؤسسات الدولة العراقية، العسكرية منها بالذات، جهاز الاستخبارات تحديداً.

أ.ف.ب
عناصر من قوات الحشد الشعبي

استخدمت القوى العراقية المقربة من إيران كل الأدوات لتصفية النفوذ الأميركي في العراق، إذ أصدرت في أوائل عام 2020 قانوناً برلمانياً يفرض على الحكومة العراقية إنهاء كل أشكال الوجود العسكري الأجنبي في العراق، رداً على اغتيال الولايات المتحدة لقاسم سليماني وأبو مهدي المهندس بالقرب من مطار بغداد، وبعدها استمرت الضغوط الشعبية والإعلامية والسياسية على مختلف الحكومات التي تتالت، إلى أن أُقرت اتفاقية في أواخر شهر يوليو/تموز من عام 2021، بين رئيس الوزراء العراقي وقتئذ مصطفى الكاظمي والرئيس الأميركي جو بايدن، تقر بانسحاب تدريجي للقوات الأميركية من العراق. لكن الولايات المتحدة مارست بدورها ضغوطاً اقتصادية وسياسية هائلة على المؤسسات العراقية بغية إبعاد ذلك النفوذ، مهددة أكثر من مرة بقطع "أموال النفط" العراقية التي ترد عن طريق الولايات المتحدة. لكن التوازن بينهما بقي محافظاً على وتيرته خلال كل هذه السنوات، دون أن يتمكن أي طرف من حسم الصراع لصالحه.

نوعية المواجهات الأخيرة تُشير إلى زوال كل عوائق ومحاذير المواجهة المباشرة، بين النفوذ الإيراني ومناهضيه داخل العراق

في نفس تلك الفترة، كانت الرؤية الأساسية لذلك النفوذ ترى في إقليم كردستان "بقعة استعصاء"، سياسية وأمنية وحتى اقتصادية، واستُخدم في سبيل "الإخضاع" المؤسسات التشريعية والبنى السياسية والأدوات العسكرية. إذ أقر البرلمان العراقي عدة قوانين تحرم الإقليم من موارده المالية وتفرض عليه مجموعة قوانين "مركزية"، وتم حرمان الإقليم من نسبة واضحة من حصته من الميزانية الاتحادية، منعته من دفع رواتب موظفيه، ولم تُقر أي من القوانين التي توافقت عليها الأحزاب الكردية مع مختلف الحكومات العراقية، بالذات قانون النفط والغاز، وبقيت الملفات الكردية الخاصة بالمادة 140 من الدستور وتسليح "البيشمركة" عالقة، وتعرض الإقليم لعشرات الهجمات على مقار قواته العسكرية ومنشآته المدنية ومحطات الطاقة داخله. لكن مع كل ذلك، لم يقدم الإقليم أية تنازلات سياسية، وبقي محافظاً على مسافة استقلالية واضحة من النفوذ الإيراني، فصنفته الأخيرة ضمن قائمة المناوئين، دون أن تتمكن من خوض هجوم مباشر عليه، خشية التغطية الأميركية.

مع الأمرين، فإن النفوذ الإيراني وأدواته كانت ترى في بعض مؤسسات الدولة العراقية أداة لمناهضة دورها وكبح تطلعاتها. لأجل ذلك تدخلت في تشكيل مختلف الحكومات العراقية، وصلت في عام 2020 درجة التهديد بإشعال حرب أهلية فيما لو استمر "التحالف الثلاثي" في مساعيه لتشكيل الحكومة، وأزال بعض الأسماء المرشحة للمناصب الرئاسية السيادية الثلاث في البلاد، الجمهورية والبرلمان والوزراء. لكن المؤسسة العسكرية بقيت نقطة التتبع الأكثر حيوية، لأنها الوحيدة القادرة على ضبط وتفكيك الأجهزة والجهات المسلحة المرتبطة بإيران. لكنها أيضاً تحاشت خوض مواجهة مباشرة مع الجيش العراقي، وفضلت اختراقه من الداخل والهيمنة السياسية عليه.

غيتي
خلال مراسم تشييع في بغداد، لأبي حيدر الحفجي، قائد ميليشيا "كتائب حزب الله" الشيعية العراقية، الذي قُتل في هجوم إسرائيلي على العاصمة السورية دمشق، العراق في 22 سبتمبر 2024

حسب المراقبين، فإن نوعية المواجهات الأخيرة تُشير إلى زوال كل عوائق ومحاذير المواجهة المباشرة، بين النفوذ الإيراني ومناهضيه داخل العراق، فالطبيعة الجذرية للحرب الراهنة على إيران، وتصور الفاعلين العراقيين المقربين من إيران على إمكانية التأثير على نتيجتها، وخشيتهم من أية سياسات وخيارات مضادة من قِبل المناوئين، تدفعهم للدخول في هذه المواجهة المفتوحة.

صراع على مستقبل العراق

في حديث مطول مع "المجلة" يصف الكاتب والباحث العراقي جبار المشهداني ما يجري راهناً بأنه "انفجار للحروب العراقية التي كانت باردة"، واصفاً ما يجري بأنه نوع من الصراع الاستباقي على "مستقبل العراق"، سياسياً وأمنياً، الذي من المتوقع أن يكون لاعباً أساسياً في المشهد الإقليمي مستقبلاً، بفضل نوعية موارده الاقتصادية الريعية الكبيرة، وشبكة علاقاته المتوازنة مع دول الغرب، بالذات الولايات المتحدة، ومجموع الدول الإقليمية المحيطة به، من تركيا ودول الخليج، وصولاً لسوريا والأردن، يضاف لذلك التنوع السكاني والتجربة السياسية والاستقرار الداخلي الذي من المتوقع أن يتمتع به.

المقربون من إيران مرتابون تماماً من مستقبل وجودهم السياسي والأمني في حال سقوط النظام الإيراني، وهذا وارد بنسبة أو أخرى، ولأجل ذلك يسعون لضربة استباقية

يتابع مشهداني حديثه مع "المجلة" مضيفاً: "طوال قرابة ربع قرن كامل مضى، كان في العراق نوعان من الديناميكيات السياسية لإنتاج السلطة، واحد شرعي عبر ديناميكيات إنتاج السلطة ومؤسسات الدولة التي تشكلت بعد عام 2003، لكن إلى جانبها، وفي مرات غير قليلة بشكل أقوى منها، كان ثمة الجهات التي تفوقها نفوذاً وقدرة وحضوراً، كالولايات المتحدة وإيران وإرادة الأحزاب السياسية التي شكلت هذا النظام السياسي نفسه. المشكلة لم تكن فقط في أنها كانت أقوى من النظام السياسي وأكثر قدرة على تشكيل المجال العام، بل بكونها إرادات وأشكال نفوذ متناقضة وغير قادرة على تصفية بعضها البعض. وهي لم تتمكن من إزاحة بعضها رغم المواجهات الصفرية الكثيرة التي حدثت فيما بينها مرات عدة. فالحرب الأهلية 2007-2008 كانت تعبيراً عن ذلك، ومواجهة تنظيم "داعش" الإرهابي 2014-2017 كانت تجربة أخرى، وسعي إقليم كردستان للاستقلال في عام 2017، ومحاولة الرئيس ترمب في ولايته الأولى دحر النفوذ الإيراني، والأحداث العاصفة أثناء (ثورة تشرين) ومن ثم استهداف منزل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، كلها كانت تعابير عن ذلك، وفشلها كلها في الوصول إلى نتيجة ناجزة أثبت الاستعصاء التقليدي المتمثل في تلاقي الاستحالتين، لا يمكن التعايش ولا يمكن لطرف أن يصفي الآخر".

رويترز
صورة غير مؤرخة لطائرة إيرانية مسيرة من طراز شاهد 171 وهي تُسقط قنبلة ضمن مناورة عسكرية

لكن مشهداني يصف الحرب الأخيرة على إيران كعامل إغراء للجهات المتصارعة، ويقول إن انكشاف الصراع وتحوله إلى الحرب المباشرة جاء نتيجة اعتقاد الفاعلين بإمكانية التصفية، بغية التفرد بمستقبل العراق، ويضيف: "المقربون من إيران مرتابون تماماً من مستقبل وجودهم السياسي والأمني في حال سقوط النظام الإيراني، وهذا وارد بنسبة أو أخرى، ولأجل ذلك يسعون لضربة استباقية، قد تحمي شيئاً من مستقبلهم السياسي. لكن المناهضين أيضاً، وإن لم يكونوا يصرحون بذلك، متأكدون من أن نتيجة الحرب ستكون لصالحهم بكل شكل، ولأجل ذلك يحاولون تأجيل أية مواجهة إلى حين انقشاع غبار المواجهة الكبرى هذه. فالحكومة العراقية الرسمية وإقليم كردستان والولايات المتحدة تتحاشى الدخول في مواجهة مباشرة الآن، لأنها تعتقد أن الزمن في صالحها".

font change