الحرب الإيرانية والردع النووي

هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، زادت اليقظة الأميركية تجاه أسلحة الدمار الشامل التي يملكها أعداء الولايات المتحدة

ألبيرتو أراغون
ألبيرتو أراغون

الحرب الإيرانية والردع النووي

حين يتعلق الأمر بالسلاح النووي، لم تعد المعادلة "إما أن تستخدمه وإما تخسره" بقدر ما هي "إما أن تمتلكه أو تفقد القدرة على صنعه نهائيا". ومع أن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل تهدف أيضا إلى تقليص النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، بما في ذلك نفوذ طهران لدى حلفائها، فإن البرنامج النووي الإيراني يظل في قلب هذا الصراع. كذلك أسهم التهديد النووي الإيراني في تسويق الحرب لدى جماهير وحكومات متشككة في عدد من البلدان.

ولم تكن الصراعات حول برامج الأسلحة النووية في التاريخ حكرا على إيران، بل إن هذا النوع من النزاع ليس استثنائيا حتى في القرن الحادي والعشرين. فثمة تاريخ طويل لدول خارج القوى النووية الخمس الكبرى، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين والمملكة المتحدة وفرنسا، سعت إلى الانضمام إلى النادي النووي، في مقابل أطراف أخرى كانت مصممة بالقدر نفسه على منعها. والدول التي نجحت في انتزاع مكان لها داخل هذا النادي الحصري لم تتخل عن أسلحتها قط، باستثناء حالة بارزة واحدة، كما أنها لم تواجه هجوما وجوديا من النوع الذي تتعرض له إيران اليوم. وإذا صح أن "الماضي مقدمة للمستقبل"، فقد يشهد العالم اتجاها متزايدا لدى دول، ولا سيما تلك التي تواجه خصوما إقليميين، إلى السعي لامتلاك السلاح النووي بوصفه ضمانة ضد هجوم شامل من النوع الذي تتعرض له إيران الآن. وهذه قراءة لها وجاهتها، لكن أن يكون لك هدف شيء وأن تبلغه، كما أثبت التاريخ مرارا، شيء آخر.

في تجربتي العراق وليبيا يتجلى الدرس الذي بدأت إيران تدركه منذ يونيو 2025

وفي تجربتي العراق وليبيا يتجلى الدرس الذي بدأت إيران تدركه منذ يونيو/حزيران 2025. فقد كان نظام صدام حسين يحلم بالحصول على سلاح نووي، وشرع في السعي إلى تحقيق ذلك الحلم خلال سبعينات القرن الماضي. وقد تنبه آخرون إلى تلك المساعي. ففي يونيو/حزيران 1981، وفيما يشبه أحداث يونيو/حزيران 2025، قصفت القوات الجوية الإسرائيلية مفاعلا نوويا عراقيا كان لا يزال قيد الإنشاء كانت قد زودته به فرنسا. ومن المفارقات أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية هاجمت الموقع نفسه جوا قبل ذلك بعام، وإن كانت عملياتها أقل فعالية من تلك التي شنتها إسرائيل.

ولم يتوقف العراق في مسعاه إلى امتلاك أسلحة نووية عام 1981، رغم أنه لم يقترب من تحقيق هذا المسعى لضخامة متطلباتها وللجهود التي بُذلت لإحباطها، ولا سيما عبر العقوبات. وعلى نطاق أوسع، شجع نظام صدام التكهنات بشأن الجهود التي كان يبذلها لحيازة أسلحة الدمار الشامل، وتحديدا الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية، بوصفها وسيلة لترهيب خصومه الإقليميين. غير أن الخداع الممنهج الذي مارسته بغداد لم يكن دليلا على امتلاكها الفعلي لتلك التقنيات.

أ.ف.ب
صورة من الفضاء وزعتها شركة "فانتور"، تظهر منشأة نطنز النووية بالقرب من نطنز، في محافظة أصفهان، وسط إيران، بتاريخ 7 مارس 2026

وفي المقابل، كان التهديد بامتلاك العراق لمثل هذه الترسانة يقدم خدمة للمصالح الأميركية. ففي البداية، استخدمت إدارة جورج بوش الأب ورقة التهديد النووي العراقي لحشد الدعم لحرب الخليج عام 1991. ثم حذر ابنه جورج بوش الابن وأتباعه من امتلاك بغداد أسلحة دمار شامل لتعزيز الدعم لغزو العراق عام 2003، وهو الغزو الذي أفضى في نهاية المطاف إلى الإطاحة بنظام صدام حسين.

ونرى في ليبيا مثالا آخر على العواقب المحتملة التي قد تلحق بالأنظمة التي تواجه أعداء لدودين وتعجز عن تطوير أسلحة نووية. ففي ظل الحكم الطويل للدكتاتور معمر القذافي، واصلت البلاد العمل على تطوير برنامج نووي منذ سبعينات القرن الماضي، وحصلت على ألفي طن من اليورانيوم من النيجر أواخر السبعينات. وبلغت التوترات المتصاعدة مع الولايات المتحدة ذروتها في ثمانينات القرن الماضي، وانتهت بقصف ليبيا على يد إدارة رونالد ريغان عام 1986.

جاءت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وتزايدت اليقظة الأميركية تجاه أسلحة الدمار الشامل التي يملكها أعداؤها

استمر البرنامج النووي الليبي سرا. فقد ذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن طرابلس قررت في يوليو/تموز 1995 "إعادة تنشيطه" عبر تطوير أجهزة طرد مركزي غازية يمكن استخدامها لأغراض سلمية أو لإنتاج مواد تدخل في صناعة السلاح. وبحلول عام 2000، أفادت وكالات الاستخبارات الأميركية بأن الجهود الليبية الرامية إلى تعزيز برنامجها النووي دفعتها إلى شراء التكنولوجيا اللازمة عبر شبكة عبد القدير خان من باكستان. واشتهر عبد القدير خان بوصفه الأب الروحي للبرنامج النووي الباكستاني، ثم تبين لاحقا أنه نقل تلك التكنولوجيا إلى دول خارج باكستان.

أ.ف.ب
تدريب لإطلاق صاروخ كروز استراتيجي بعيد المدى في البحر الغربي لكوريا الشمالية، نشرت من قبل وكالة الأنباء المركزية الكورية (KCNA) الرسمية في 29 ديسمبر 2025

وجاءت بعد ذلك هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، وتزايدت اليقظة الأميركية تجاه أسلحة الدمار الشامل التي يملكها أعداؤها. وكانت ليبيا، التي تندرج ضمن هذه الفئة، في موقف حرج، حتى مع محاولات القذافي تحسين العلاقات في النصف الثاني من تسعينات القرن العشرين. وأدت تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، ورد أميركا الحازم على أعدائها، إلى تنبيه القذافي وحكومته. وسعيا إلى رفع العقوبات وتخفيف الضغط، وافقت طرابلس على إنهاء برنامجها لتطوير أسلحة الدمار الشامل، بما فيها الأسلحة النووية. ولم تكن ليبيا أول دولة تنهي طوعا برنامجا لتطوير الأسلحة النووية. فخلال حقبة الفصل العنصري، امتلكت جنوب أفريقيا برنامجا نشطا نجح بحلول عام 1982 في إنتاج سلاح نووي جاهز للاستخدام. وفي المجمل، أنتجت جنوب أفريقيا ستة أسلحة قبل أن تقرر حكومة الرئيس فريدريك ويليام دي كليرك التخلص من تلك القنابل عام 1989. وأكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تدمير هذه الأسلحة النووية عام 1994.

ووفى نظام القذافي، شأنه شأن حكومة جنوب أفريقيا، بوعده بإنهاء محاولاته لامتلاك أسلحة نووية. وبذلك القرار، ضمن بقاءه في نهاية المطاف، إلا أن القصة لم تنته عند هذا الحد. وبدلا من ذلك، اندلعت الانتفاضة في البلاد في فبراير/شباط 2011، وبعد شهر، تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بالصواريخ والقوة الجوية لحماية الثوار. وبحلول أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، كان الثوار يسحبون القذافي من قناة للصرف الصحي ويقتلونه.

يبدو الدرس التاريخي واضحا إذن. فلا بد من اتباع استراتيجية كوريا الشمالية لتجنب مصير إيران والعراق وليبيا. فالفشل في امتلاك أسلحة نووية يبطل بوليصة التأمين ضد أي عدوان عسكري

ومن المستحيل الجزم بما إذا كان امتلاك الأسلحة النووية سينقذ القذافي ونظامه الديكتاتوري. غير أن بعض الدول الاستبدادية ترى في ذلك رهانا لا ترغب في قبوله، لأن المخاطرة كبيرة للغاية. وتبرز حالة كوريا الشمالية بوصفها المثال الأوضح على الأسلحة النووية باعتبارها وسيلة الدفاع القصوى. وفي نصيحته الأخيرة إلى خلفه في الرئاسة عام 2017، حذر باراك أوباما دونالد ترمب من أن كوريا الشمالية هي القضية الأصعب التي يتعين على القائد الأعلى الجديد التعامل معها. وطورت كوريا الشمالية، بمساعدة شبكة عبد القدير خان، سلاحها النووي، واستعرضت قدراتها بتفجير أول قنبلة نووية لها عام 2006.

وأظهرت البلاد أنها لا ترغب في إنهاء برنامجها النووي رغم العقوبات والضغوط الدولية. فقد صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2017 بأن زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون سيجبر شعبه على "أكل العشب" قبل التخلي عن الأسلحة النووية. وتشير التقديرات الحالية إلى أن البلاد تمتلك عشرات الرؤوس النووية، بينما تواصل تطوير قدراتها الصاروخية لتكون قادرة على إيصال بعض من ثروتها المشعة إلى أعدائها. وبالفعل، بينما كانت الحرب مستعرة في الشرق الأوسط، أجرى الجيش الكوري الشمالي تجربة إطلاق صواريخ متعددة في بحر اليابان في 14 مارس/آذار. وليس من قبيل المصادفة أن تصور آني ياكوبسن، في كتابها الواقعي الأكثر مبيعا "الحرب النووية: سيناريو"، العالم كما نعرفه وهو يتعرض للتدمير في صراع نووي أشعله صاروخ باليستي عابر للقارات مزود برأس حربي نووي أطلقته كوريا الشمالية باتجاه البر الرئيس للولايات المتحدة.

ويبدو الدرس التاريخي واضحا إذن. فلا بد من اتباع استراتيجية كوريا الشمالية لتجنب مصير إيران والعراق وليبيا. فالفشل في امتلاك أسلحة نووية يبطل بوليصة التأمين ضد أي عدوان عسكري من جانب دول أخرى قد يردعها التهديد بالانتقام النووي. وعلى الرغم من وجاهة هذا التفسير، فإن الرغبة في امتلاك أسلحة نووية لا تعني بالضرورة امتلاكها. فالرحلة الأخيرة طويلة وشاقة ومليئة بالعقبات. ولذا، من المرجح أن ينطوي المستقبل على غياب الأمان في إيران، بدلا من الوصول إلى الأمان الذي حققته كوريا الشمالية بفضل الردع النووي.

font change

مقالات ذات صلة