خافيير ثيركاس لـ "المجلة": الأدب الحقيقي لا يستسلم لغباء البشر

المتعصبون يكرهون الرواية لأنهم يكرهون السخرية والغموض

 JOEL SAGET / AFP
JOEL SAGET / AFP
الكاتب الإسباني خافيير ثيركاس يلتقط صورة خلال مهرجان «Les Correspondances» الأدبي في مانوسك جنوب شرق فرنسا، 27 أيلول 2025.

خافيير ثيركاس لـ "المجلة": الأدب الحقيقي لا يستسلم لغباء البشر

يعد خافيير ثيركاس أحد أبرز الأصوات السردية في الأدب الإسباني المعاصر، إذ انشغل منذ بداياته بالمنطقة الشائكة التي تتقاطع فيها الذاكرة بالتاريخ، والحقيقة بالخيال، والأخلاق بالسرد. ولد عام 1962 في إكستريمادورا. قبل تفرغه للكتابة، درس ثيركاس الأدب الإسباني المعاصر في جامعات إسبانيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وفي 2024، انتخب لشغل كرسي في الأكاديمية الملكية الإسبانية.

حقق شهرته العالمية مع روايته "جنود سالاميس" 2001، التي أعادت طرح أسئلة الحرب الأهلية الإسبانية من منظور أخلاقي يتجاوز الاستقطاب الأيديولوجي. وحولت إلى فيلم سينمائي. كما ترجمت أعماله إلى أكثر من ثلاثين لغة، ونالت جوائز وطنية ودولية مرموقة، منها "جائزة النقاد الإسبان" 2001، و"الجائزة الوطنية للسرد" في إسبانيا 2010 عن رواية "تشريح لحظة"، وحصل على "جائزة الكتاب الأوروبي" مرتين الأولى في 2016 عن رواية "المحتال" والثانية في 2025 عن كتابه "مجنون الله في نهاية العالم"، و"جائزة أندريه مالرو الفرنسية" في 2018 عن رواية "ملك الظلال".

يعمل ثيركاس في مشروعه الأدبي على ما يسميه "الرواية غير المتخيلة" والتي تقوم على مساءلة الماضي بوصفه مادة قابلة لإعادة التأويل، لا سردا منغلقا على اليقين، مستخدما أسلوب كتابة يمزج بين أدوات التحقيق التاريخي وتقنيات السرد الروائي، بهدف تفكيك الأساطير السياسية والشخصية، وكشف المسافة المعقدة بين الحقيقة وتمثيلها. هنا حوار "المجلة" معه.

يتسم مشروعك الأدبي بالتقاطع بين التاريخ والذاكرة والمسؤولية الأخلاقية. عندما تبدأ كتابا جديدا، هل تبحث عن قصة أم عن سؤال يشغلك شخصيا؟

أكتب لأن شيئا ما يستحوذ علي لدرجة أنني لا أستطيع التوقف عن التفكير فيه. في بداية كتبي دائما ما يكون هناك سؤال، لا أحاول الإجابة عنه تحديدا، بل أسعى لصياغته بأكثر الطرق تعقيدا. الروايات لا تقدم إجابات، بل تطرح أسئلة، أو على الأقل لا تقدم إجابات واضحة لا لبس فيها ونهائية، بل إجابات دائما ما تكون غامضة، ومتناقضة ومتعددة الأوجه وساخرة في جوهرها. في النهاية، الإجابة هي البحث عن إجابة. الرواية هي عالم الغموض والسخرية، ولهذا السبب لطالما كرهها المتعصبون، لأن المتعصبين يكرهون السخرية والغموض، أي أنهم يكرهون التعقيد.

أنا الراوي

ما الذي خطر ببالك عندما قررت تسمية الراوي خافيير ثيركاس في رواية "جنود سلاميس"؟ هل كان ذلك وسيلة لتحمل مسؤولية سرد التاريخ، أم لكشف تواطؤ الكاتب في تشكيل الذاكرة الجماعية؟

كان ذلك ضرورة سردية. في مرحلة معينة من كتابة الرواية، أدركت أن جميع الشخصيات لها أسماء حقيقية، وأن الرواية عبارة عن سرد خيالي لقصة حقيقية، كما يسميها الراوي. حينها فهمت أنه لكي يكون الراوي متسقا مع السرد، لا يمكن أن يكون استثناء، وكان عليه أن يحمل اسمي. من البديهي أن خافيير ثيركاس في الرواية ليس أنا، إنه قناع ارتديته لأقول ما أريد قوله.

عندما يخبرني أحدهم أنه لا يحب القراءة، فإن الشيء الوحيد الذي يخطر ببالي هو تقديم التعازي له

على أي حال، لا ينبغي أن ننسى أن كلمة "persona" في اللاتينية تعني "قناع"، والقناع هو ما يخفينا، ولكنه قبل كل شيء، يكشفنا. لو رأيتني أرتدي قناع قرصان، لأخفى بذلك القناع وجهي، ولكنه سيكشف الكثير عن طبيعتي المشاكسة. لذا، من الممكن أن يكون خافيير ثيركاس في ذلك الكتاب أقرب إلي مما أنا عليه في الواقع، علاوة على ذلك، فإن الذات الحقيقية للكاتب ليست الذات الاجتماعية، بل تلك التي تتجلى في كتبه. ومن البديهي أيضا أن يقول راوي "جنود سلاميس" إن الكتاب "قصة حقيقية"، هذا لا يعني بالضرورة أنها كذلك. يقول راوي "دون كيخوته" أيضا إن دون كيخوته ليس من ابتكاره، بل من ابتكار رجل عربي يدعى سيد حامد بننجلي، ونحن نعلم أن هذا غير صحيح، هذه الكذبة ليست سوى أداة، أو لعبة، أو مزحة يستخدمها ميغيل دي ثيربانتس ليقول ما يريد قوله. يحدث شيء مشابه في "جنود سلاميس".

رواية "جنود سالاميس"

تتحول الرواية في نهاية المطاف من التمسك بالبقاء الأيديولوجي إلى الشجاعة الأخلاقية. هل تعتقد أن للأدب القدرة على إعادة تعريف البطولة بعيدا عن السلطة ونحو العمل الأخلاقي؟

بالتأكيد، للأدب كل هذه القوة. الأمر فقط يتعلق بمعرفة الكاتب كيفية استخدامها. في الغرب، ولأكثر من قرن بقليل، سادت فكرة أن الأدب عديم الفائدة، مجرد لعبة فكرية معقدة نوعا ما بلا أي مغزى حقيقي. هذا هراء. بالطبع، الأدب مفيد. ما هو الأدب؟ أولا وقبل كل شيء، هو متعة، ولكنه أيضا شكل من أشكال المعرفة.  لهذا السبب، عندما يخبرني أحدهم أنه لا يحب القراءة، فإن الشيء الوحيد الذي يخطر ببالي هو تقديم التعازي له. ما هو الأدب؟ أسلوب حياة أكثر اكتمالا، بطريقة أغنى وأكثر عمقا وتعقيدا. هل هناك ما هو أكثر فائدة من ذلك؟

 Federico PARRA / AFP
الكاتب الإسباني خافيير ثيركاس يوقّع كتابا خلال مقابلة مع وكالة فرانس برس في بوغوتا، 29 نيسان 2025.

ما يقدمه الأدب

في رواية "سرعة الضوء"، تكتب أن "لا أحد يعود من فيتنام". إذا كانت العودة مستحيلة، فماذا يمكن للأدب أن يقدم حقا في مواجهة تجربة لا رجعة فيها؟

أعتقد أن هذه العبارة صادرة عن أحد قدامى المحاربين في حرب فيتنام، رجل مصاب بصدمة نفسية حاول التعافي من تجربة الحرب المروعة ولم ينجح، لكن الأدب العظيم، يمكن أن يقدم سبيلا للقيام بذلك من خلال المتعة والمعرفة. إنه أمر صعب، لكنه ليس مستحيلا.

لا أعتبر نفسي شجاعا بشكل خاص، ولكن ككاتب، يجب أن أكون كذلك. الكاتب الجبان كالمصارع الجبان، لقد اختار المهنة الخاطئة

 في الواقع، منذ فجر التاريخ، منذ هوميروس في التراث الغربي، سعت الأدبيات إلى فهم الحرب، والفهم لا يعني التبرير، بل على العكس تماما، تزويد أنفسنا بالأدوات اللازمة لتجنب تكرار الأخطاء نفسها. مع ذلك، ما زلنا نحن البشر نكررها، وكأننا نريد إثبات صحة هيغل الذي كتب "الشيء الوحيد الذي نتعلمه من التاريخ هو أننا لا نتعلم شيئا منه". حسنا، الأدب الحقيقي لا يستسلم لغباء البشر، ولهذا السبب يواصل سعيه لفهم الحرب. وقد حاولت أنا أيضا فعل ذلك في بعض رواياتي، بما فيها "سرعة الضوء".

Federico PARRA / AFP
كتب للكاتب الإسباني خافيير ثيركاس معروضة في معرض بوغوتا الدولي للكتاب، 26 نيسان 2025.

في رواية "المحتال"، تعيد بناء قصة حقيقية ومثيرة للجدل. عند تناولك لموضوع الخداع التاريخي، كيف تعاملت مع الحدود الأخلاقية للرواية من خلال السرد؟

في هذه الرواية أعيد بناء قصة حقيقية ومثيرة للجدل. من خلال السرد رويت قصة عظيمة عن إنريكي ماركو أعظم محتال في التاريخ، كما وصفه ماريو فارغاس يوسا، رجل خدع الجميع لسنوات طويلة متظاهرا بأنه ناج من معسكرات الاعتقال النازية، حتى أنه ترأس جمعية الناجين الإسبان من المعسكرات وأصبح شخصية معروفة جدا، ولكنه ادعى أيضا أنه بطل الحرب الأهلية والمقاومة ضد دكتاتورية فرانكو. كان هذا الرجل كذبة متحركة، حياته بأكملها كانت اختراعا عظيما، ورواية قصته تنطوي على مخاطر لا حصر لها، شخصية وفكرية، بدءا من أولئك الذين تربطهم علاقة وثيقة جدا بالشخصية، أو الحاجة إلى التمييز بين الحقيقة والزيف في حياته. لكن الأدب مهنة محفوفة بالمخاطر. من لا يرغب في خوض المخاطر لا ينبغي له أن يكرس نفسه للكتابة. الكاتب الذي لا يخاطر ليس كاتبا، إنه مجرد ناسخ. على المستوى الشخصي، لا أعتبر نفسي شجاعا بشكل خاص، ولكن ككاتب، يجب أن أكون كذلك. الكاتب الجبان كالمصارع الجبان، لقد اختار المهنة الخاطئة.

Federico PARRA / AFP
الكاتب الإسباني خافيير ثيركاس يحمل كتابه «مجنون الله في نهاية العالم» خلال مقابلة مع وكالة فرانس برس في بوغوتا، 29 نيسان 2025.

مع البابا فرنسيس

في كتابك "مجنون الله في نهاية العالم"، تنتقل من التاريخ إلى الذاكرة إلى الإيمان. هل غيرت هذه الرحلة فهمك لما يحافظ في نهاية المطاف على كرامة الإنسان ومعنى حياته؟

بالتأكيد، جميع كتبي تغير نظرتي للعالم وتغيرني، وهذا الكتاب لم يكن استثناء، بل ربما غيرني أكثر من أي من كتبي السابقة. "مجنون الله" يتناول الدين، وبالأخص المسيحية الكاثوليكية. فقد فتح الفاتيكان، المركز العالمي للكاثوليكية، أبوابه لي على مصراعيها لأرافق البابا فرنسيس في رحلة إلى منغوليا، ولأتحدث مع من أشاء، وأسأل ما أشاء، وأكتب ما أشاء. ففي أكثر من ألفي عام من التاريخ، لم تتح الكنيسة قط مثل هذه الفرصة لكاتب وبالطبع اغتنمتها. والنتيجة رواية واقعية، مثل "المحتال" أو "تشريح لحظة" أو "ملك الظلال" كل ما يروى فيها حقيقي، لكنه يروى بأدوات الرواية. أجل، لقد غيرت التجربة نظرتي إلى الكنيسة تماما، وإلى المسيحية، وإلى الدين، وإلى العالم، وإلى نفسي. وهذا طبيعي، كتابة رواية أشبه بعيش مغامرة، والمغامرة التي لا تغيرك تماما ليست مغامرة.

الكتابة شكل من أشكال المعرفة، والمعرفة التي لا تغيرك ليست معرفة

 الكتابة كما ذكرت سابقا، شكل من أشكال المعرفة، والمعرفة التي لا تغيرك ليست معرفة. كيف تغيرت نظرتي للعالم؟ لا أستطيع تلخيصها في جملة واحدة، أفضل إجابة موجودة في الكتاب.

بصفتك باحثا في الأدب الإسباني الحديث، كيف تقيم الوضع الراهن في الرواية الإسبانية، وما هي الأصوات المعاصرة التي تعتقد أنها تعيد تعريف توجهها الجمالي؟

هذا سؤال تصعب الإجابة عنه. لسنوات طويلة، درست الأدب الإسباني المعاصر، لكن الحقيقة أن الأدب الإسباني الكلاسيكي، وأدب أميركا الشمالية، وأدب أوروبا وروسيا، كان لها أثر أكبر في تطوري ككاتب. في الواقع، لا أعتبر نفسي كاتبا إسبانيا فحسب، بل كاتبا باللغة الإسبانية. هذا يعني أن تراثي الأدبي أوسع بكثير من التراث الإسباني، ويشمل كتاب أميركا اللاتينية، الذين أعتبر بعضهم أساتذتي مثل بورخيس، في المقام الأول، بالإضافة إلى فارغاس يوسا، وغارسيا ماركيز، وبيوي كاساريس، وكابريرا إنفانتي، وغيرهم. إنه ما أسماه أحد هؤلاء الكتاب، كارلوس فوينتيس، "أرض لامانشا"، وهي أغنى وأوسع بكثير، كما ذكرت، من مجرد أرض إسبانيا.

Federico PARRA / AFP
الكاتب الإسباني خافيير ثيركاس يتحدث خلال مقابلة مع وكالة فرانس برس في بوغوتا، 29 نيسان 2025.

أكتب عما أجهله

بعد كل ما كتبته واستكشفته، ما هي الأسئلة التي لا تزال عالقة في ذهنك ككاتب وكإنسان؟

كثير منها. لو توقفت عن طرح الأسئلة، لتوقفت عن الكتابة. أنا لا أكتب عما أعرفه، أكتب عما أجهله، أكتب لأعرف. لو كنت أعرف كل شيء، لما كتبت. ما الفائدة؟ لحسن الحظ، لا أعرف شيئا، أو يكاد، لذا آمل أن أتمكن من كتابة العديد من الكتب. إضافة إلى ذلك، ما يثير فضولي ككاتب هو ما أثار فضولي دائما: التعقيد اللامتناهي للبشر. يبدو لي أن هذا، في نهاية المطاف، هو موضوع الأدب.

Luis ROBAYO / AFP
خافيير ثيركاس يشارك إلى جانب ماريو فارغاس يوسا وآخرين في فعالية ضمن معرض بوينس آيرس الدولي للكتاب، 6 أيار 2022.

على المستوى الشخصي، ماذا أعطتك الكتابة؟

جلب الأدب لي متعة خالصة، لذة ومعرفة، كما أقول. لم تكن الروايات هي ما سبب لي المشاكل بقدر ما كانت الكتابة للصحف، والتي أعتبرها شكلا آخر من أشكال الأدب. بمعنى آخر، تسببت لي آرائي السياسية في مشاكل، أو بالأحرى، حقيقة أنني عبرت عنها كتابة. سأكون كاذبا لو قلت إنني نادم على ذلك. إلى جانب كوني كاتبا، فأنا مواطن كأي مواطن آخر، لي نفس الحقوق والواجبات. تبدو لي الفكرة الرومانسية عن الكاتب المثالي، سخيفة ومضللة، كان شكسبير وميغيل دي ثيربانتس شخصين عاديين، لهما مشاكلهما الشخصية، ومزاياهما وعيوبهما. ما كان استثنائيا هو أعمالهما، لا شخصياتهما.

السياسة مسألة بالغة الأهمية بحيث لا يمكن تركها في أيدي السياسيين وحدهم

 أنا محظوظ لأنني أعيش في مجتمع منفتح وديمقراطي حيث توجد حرية التعبير، لكن هذا لا يعني أن من يعيشون في مثل هذا المجتمع لا يدفعون ثمنا للتعبير عن أنفسهم بحرية، مع أن الثمن أقل بكثير مما يدفع عادة في مجتمع لا توجد فيه حرية التعبير، أو حيث تكون مقيدة للغاية. أعتقد أنه يجب على المرء أن يكون مستعدا لدفع هذا الثمن. في الإسبانية، كلمة "سياسة" مشتقة من الكلمة اليونانية polis" "بوليس"، والتي تعني مدينة، والمدينة ملك للجميع. السياسة مسألة بالغة الأهمية بحيث لا يمكن تركها في أيدي السياسيين وحدهم.

font change

مقالات ذات صلة