جوليان شنابل في يد دانتي

متاهة الحقيقة بين الحاضر والماضي

imdb
imdb
أوسكار آيزك في فيلم "في يد دانتي"، 2025

جوليان شنابل في يد دانتي

إذا ما ذكر الشاعر الإيطالي دانتي أليغري سينمائيا، فغالبا تطفو على السطح، أفلام روائية ووثائقية، أُنجزت في بدايات القرن العشرين، في طليعتها فيلم "الجحيم"، الصادر عام 1911، وهو محض اقتباس من كتابه الشعري الذائع الشهرة، "الكوميديا الإلهية"، للمخرجين فرانشيسكو بيرتوليني وجوزيبي دي ليغورو وأدولفو بادوفان، إذ يحتفي به كملحمة سينمائية في العصر الذهبي للأفلام الصامتة، بالنظر إلى الشاعر كأب للغة الإيطالية أسبغ معنى على هوية حضارية مشتركة، وضاعف قيمة الحس الوطني لهذه الفترة القلقة من تاريخ إيطاليا.

وهناك أيضا فيلم "دانتي في حياته وأزمنته" عام 1922، للمخرج دومينيكو جيوليوني، وفيلم "جحيم دانتي"، عام 1924، من إخراج هنري أوتو. ولا يزاحم فيلم "الجحيم" شهرة للثلاثي فرانشيسكو بيرتوليني وجوزيبي دي ليغورو وأدولفو بادوفان، في بلاغة الأثر البصري، بعد مرور 24 سنة، إلا الفيلم القصير، "جحيم دانتي" عام 1935، للمخرج هاري لاكمان، البديع في إخراجه الجمالي، خاصة مشهد تصوير الجحيم المبهر، الأقرب إلى لوحة تشكيلية فاتنة، ويستغرق محكيه في ملهى يتناغم مع السقوط الأخلاقي في جحيم الكوميديا الإلهية.

وهلمّ اقتباسات سينمائية، حديثا، مع الفيلم الكرتوني "جحيم دانتي" 2007 من إخراج شون ميريديت، والفيلم الوثائقي "جحيم بوتيتشيلي" 2016 من إخراج رالف لوب.، وصولا إلى الفيلم المريب "في يد دانتي" 2025 للمخرج جوليان شنابل، الذي عرض في مهرجان البندقية 82 خارج المسابقة، بالتزامن مع تكريم شنابل بجائزة كارتييه الفخرية لصانع الأفلام.

تجريب مفرط

يخالف هذا الاقتباس الأخير جذريا ما سبق من أفلام في الاشتغال على تخييل "الكوميديا الإلهية"، وشخصية دانتي، بشكل تجريبي مغاير، حد الإفراط في التدبير المغامر لسرده البصري، المتعدد التقنيات وطرائق الحكي المتشعب، فيبدو علنا فوضويا، لكن في عمقه ينزع إلى تقاطع فني خلاق، محكم النسق.

استند شنابل، المخرج والفنان التشكيلي، الذي سبق أن أنجز "على باب الأبد" عن فان غوغ، في مغامرة فيلمه إلى رواية نيك توشيز، "في يد دانتي"، الصادرة عام 2002، المنصرف في عمله هذا إلى إرث الكوميديا الإلهية، في إثر سرقة مخطوطتها، وشقاء التحقق من أصالتها، بسلبها أولا من قبضة حراسها، وفي الآن ذاته، يسرد الفيلم وقائع نفي دانتي، وفي عزلته يرصد مناخ إبداعه للكوميديا إياها.

ينسج الفيلم نسيجه المعقد، من خيطين، الأول معاصر، والثاني ماضوي، تاريخي، ففي الخط الأول، نتعقب الكاتب نيك توشيز في متاهة التحقق من أصالة المخطوطة، وهو ينزلق إلى فخ عالم أسود، ملؤه العنف وبشاعة الجريمة، وفي الخط الثاني نتعقب شخصية دانتي مستغرقا في رحلته الفنية والروحية، مسكونا بقلق أثره الشعري الخالد، الكوميديا.

محاولة للجمع بين بلاغتين، بلاغة التاريخ الأدبي، في العصور الوسطى، وبلاغة دراما الجريمة المعاصرة

هي محاولة للجمع بين بلاغتين، بلاغة التاريخ الأدبي، في العصور الوسطى، وبلاغة دراما الجريمة المعاصرة، مع صوغ أكثر الأسئلة إلحاحا، وجوديا وميتافيزيقا، ذات علاقة حادة بالفن والإيمان والخلاص.

ما يخلقه الفيلم منذ المشهد الأول هو التوتر الكاسح بين رهانين، رهان طموحه الفني ورهان التماسك السردي عبر التفكيك، إذ أن البنية السردية مزدوجة، في تواز وتقاطع عبر التنقل الجريء بين إيطاليا القرن الرابع عشر، ونيويورك المعاصرة.

في عالم الجريمة

البداية الفعلية للفيلم تزهر مع ظهور مخطوطة "الكوميديا الإلهية" داخل الفاتيكان، قبل أن تجد طريقها إلى عالم الجريمة المنظمة في نيويورك، حيث يتم الاحتكام إلى الكاتب توشيز للتحقق من أثر أصالتها كعمل مكتوب بيد دانتي، ولا يقف عند هذا الحد، إذ سرعان ما يقع الكاتب المحقق في إسار فتنتها وسحريتها، ولا يتردد في المبادرة إلى سرقتها والإنزلاق تدريجيا، إلى قرارة جحيم الجريمة وظلمات العنف الجارف.

imdb
فيلم "في يد دانتي"، 2025

بالتوازي، يعرض الفيلم حياة دانتي المأسوية، احتدام صراعاته الفكرية، وتشعب سفره الروحي في غضون عمله الشاق على الكوميديا الخالدة، وفي المسارات المتوازية هذه، يشيّد الفيلم محكيه وفق هندسة الكوميديا نفسها، عبورا تراجيديا للجحيم والمطهر والفردوس، عبر تقسيم دانتي الشهير في عمله الشعري، فنلفي ظلالا لذلك من خلال سقوط توشيز في الجحيم الأخلاقية أولا، وصراعه الصاخب في المطهر الداخلي ثانيا، ثم محاولة الخلاص عبر الحب والفن المعادل للفردوس ثالثا.

لا يقدم الفيلم هذا التقسيم عبر ترتيب خطي رتيب، بل يستمزجه على نحو مركب، معقد، في مدار زمني، يعيد الفكرة الدامغة، بأن التجربة الإنسانية بملء اختلافها، تتكرر عبر الحقب التاريخية بشكل لا نهائي، وعلى نحو كاريكاتوري.

بهذا الطموح الفني والفكري، لمغامرة الفيلم في تعدده، ذي النزوع الراديكالي في التركيب، يربك المخرج التلقي العادي والنقدي الرصين معا، وبذا تأرجح المهتمون في تقييمه، بتوسيمه فوضويا، متشعبا، هذيانيا، لكن تشفع له مجازفته التجريبية.

Stefano RELLANDINI / AFP
الفنان والمخرج الأميركي جوليان شنابل على السجادة الحمراء لفيلم "في يد دانتي" في مهرجان البندقية، 3 سبتمبر 2025

راهن المخرج جوليان شنابل على الأبيض والأسود في معظم التجربة الفيلمية، مع أجزاء ملونة محدودة ومكثفة، ترقى بالفيلم إلى صفوة التشكيل الفني، كلوحات مدهشة.

يقدم الفيلم الماضي بألوان زاهية، تحاكي لوحات عصر النهضة، والحاضر بالأبيض والأسود، تجسيدا للبؤس الروحي، الفساد المستشري، الدستوبيا.

Tiziana FABI / AFP
طاقم فيلم "في يد دانتي" خلال جلسة تصوير في مهرجان البندقية السينمائي الدولي، 3 سبتمبر 2025

وفي مدار رمزية الشخصيات، يقدم البطل توشيز كعلامة أدبية تتماهى مع حالة دانتي، بين السمو الأخلاقي والابتذال أو الانحطاط بالأحرى، وجولييتا تتناغم مع جيما، في تجسيد لرومانسية الحب أو مثاليته، على مقاس بياتريتشي، فيما شخصية جو بلاك محض علامة قذرة لتحويل الفن إلى سلعة، ثم شخصية لوي معادلا موضوعيا لحالة الفن المعاصر.

استنجد شنابل بممثلين قديرين، في أدوار شرفية، مثل آل باتشينو ومارتن سكورسيزي، وتفرد الممثل جيرارد باتلر بتشخيص دور مغاير عن أصناف تمثيله التجاري سابقا، فضلا عن أداء سابرينا إمباتشاتوري في دور سوزانا بوليتشي، الدكتورة الألمعية.

تفكيك

لعل ما يلفتنا في مجازفة الفيلم، كمخاطرة غير مسبوقة، هو مشهد قتله لشخصيات كبرى، مركزية، دون أن يطلق رصاصة الرحمة على حياة الفيلم ذاته، وبهذا ينزاح صوب خلق فني مختلف، يجافي الخط التنبوئي الجاهز لأفق انتظار التلقي، بانتصاره للامألوف، وانحيازه إلى اللامتوقع، وكل هذا يجعل منه عملا راسخا في بلاغة الصدمة.

هل هو فيلم في التحري وفن التحقيق؟ أم فيلم عصابات وصنف الجريمة؟ أم فيلم عن الأدب وملحمة الشعر بالذات؟ أم فيلم أسود؟ أم فيلم تاريخي، فلسفي، سيرذاتي؟ أم فيلم عن الفن التشكيلي؟ أم هو فيلم عن نيويورك المعاصرة أم إيطاليا القرن الرابع عشر؟

هي محض أسئلة تهاجس المشاهد في إرباك، وهو يتعقب خلاصة ما يريد المخرج قوله. وفي المحصلة يدرك أن كيف يقول الفيلم هذا التماوج الصاخب من الأفكار والصور والرموز، هو الأهم، دون استبعاد السؤال المفارق، السؤال المفارق: هل دانتي الشاعر فعلا في يد المخرج جوليان شنابل؟ أم المخرج جوليان شنابل في يد دانتي؟

Stefano RELLANDINI / AFP
الممثلون وصنّاع فيلم "في يد دانتي" على السجادة الحمراء في مهرجان البندقية السينمائي، 3 سبتمبر 2025

بالتفكيك والتشظي، طوّع الفيلم مادة قلقة، خاصة، خرج بها من إطارها التقليدي إلى أفق جمالي مفتوح، غير خطي، إذ علامة دانتي تبزغ كذريعة فلسفية لاستغوار معضلة الفن مقابل السوق، وهل يمكن الفن أن يصمد كقيمة روحية وجمالية، أمام ابتذال السوق واستشراء منطق السلعة، في مناخ عنيف تستأسد فيه المافيا.


هي صورة الفنان في عزلته الضارية، قديما وحديثا، في تأهب شامل للتضحية الكبرى، بأشيائه وحياته في سبيل الحقيقة المطلقة

هي صورة الفنان إذن، في عزلته الضارية، قديما وحديثا، في تأهب شامل للتضحية الكبرى، بأشيائه وحياته في سبيل الحقيقة المطلقة، وهي صورة وجودية للأزمة الروحية، العابرة للأزمنة، من دانتي إلى توشيز.

فيلم "في يد دانتي" ينزع إلى جماليات بصرية استثنائية، ديدنه جرأة فكرية دامغة، مع تشخيص خلاق من بعض أبطاله الإشكاليين، خاصة أوسكار إيزاك وجيرارد باتلر وجون مالكوفيتش، في إيقاع بطيء ممتع يمكن عدّه، أكثر الأفلام الطموحة حديثا في اقتباس الأدب.

font change