تأتي الكاتبة الفرنسية صوفي برجيه إلى الرواية من عالم الإصغاء قبل أي شيء، فهي كاتبة ومخرجة صوت تعمل في الإذاعة والعرض الحي والتجهيزات والأداء، وتحمل إلى السرد خبرة طويلة في التقاط الأثر الخافت والإنصات إلى ما يقال وما يظل عالقا في الصمت. من هنا بدت روايتها الأولى، "مقعد الضباب"، امتدادا حيا لهذا المسار، إذ حولت فيها المأساة العائلية والأرشيف والشهادات إلى نسيج روائي يستقصي الحداد ويكشف أثر الصمت في الحاضر.
صدرت الرواية ضمن سلسلة "بلانش" عن "غاليمار" عام 2024، ثم نالت جائزة مدينة فان الأدبية في مايو/ أيار من العام نفسه، فلفتت الانتباه إلى صوت روائي جاء إلى الأدب من خبرة عميقة في العمل الصوتي. تظهر سيرة برجيه أن مشروعها يتكون عند تقاطع الأدب والصوت، وهو ما يمنح كتابتها حساسيتها الخاصة، ويجعل الإصغاء فيها طريقة في المعرفة بقدر ما هو أداة في الفن. هنا حوار معها.
بأي معنى يفتح الانحياز إلى البحث والأرشيف في روايتك "مقعد الضباب"، طبقة جديدة من الحداد، وأين ترسمين الحد بين تكثيف يكشف وتكثيف يضغط على مساحة التأويل؟
تبدأ الرواية كأنها تحقيق في صمت قديم توضع عناصره منذ الصفحات الأولى أمام القارئ كما توضع الأدلة على الطاولة، فهي تحفر في حيز قد يبدو بالغ الرهافة، مراوغا لأنه غير مرئي، حتى إن الراوية نفسها لم تكن قد تنبهت إليه: الصمت الذي يحيط بمأساة عائلية قديمة. والرواية كلها تنصرف إلى استكشاف هذا الصمت وبسط طبقاته: كيف يتشكل بين الناس، كيف ينتقل، كيف يتسرب إلى السلوكيات فيؤثر فيها من الداخل، كيف يتبدل مع مرور الزمن، وكيف لا يكون شيئا واحد المعنى ولا ثابتا على حال. أما الأرشيف والبحث، فلا يؤديان هنا وظيفة "التفسير" النهائي الحاسم، بل يتيحان أن يعاش الحداد من خلال آثاره وفراغاته. ما قد يبدو للوهلة الأولى دقيقا وعصيا على الإمساك، ينفتح في النهاية على مجال واسع وآسر للتحري والتأويل، بحيث يغدو القارئ بدوره مشاركا في هذا التحقيق.
وسط الثقل، يحتفظ النص بخفة دقيقة: ضحكة قصيرة، مفارقة يومية، أو التباس صغير يجعل المشهد يتنفس ويظل حيا. كيف تضبطين هذه الخفة بحيث تضيء الحقيقة وتفتحها؟
هذا أمر أحرص عليه فعلا: تعاقب لحظات التوتر واللحظات الأخف وطأة، وتجاور الاثنين كما يتجاوران في حياتنا نفسها، حيث يظل الجاد والعادي على تماس دائم. هذه الخفة لا تأتي لتؤدي وظيفة التخفيف بمعناها الزخرفي، بل لكي تبقي الهواء جاريا في النص، ولكي تمنح المشاهد مزيدا من الصدق، وتتيح أحيانا إظهار ما هو مؤلم على نحو آخر.


