اقتصاد لبنان بعد "الأربعاء الأسود"... نحو إفلاس شامل وفقر بلا قاع

حرب بلا نهاية تربك القطاع الخاص وتفاقم البطالة وتشل مؤسسات الدولة

.أ.ف.ب
.أ.ف.ب
لحظة استهداف مبنى سكني بصاروخ إسرائيلي، في منطقة العباسية جنوب لبنان، 8 أبريل 2026

اقتصاد لبنان بعد "الأربعاء الأسود"... نحو إفلاس شامل وفقر بلا قاع

دخلت الحرب بين اسرائيل و"حزب الله" شهرها الثاني، على وقع الإعلان صباح اليوم عن فشل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة باكستان، فيما لبنان بكامله يتحمل أوزارها الاقتصادية. لم يكن لبنان في الأصل جاهزا لأي حرب، لا اقتصاديا ولا انسانيا ولا سياسيا. وقد "فُرضت عليه هذه الحرب" كما تقول الحكومة اللبنانية، وبلغت كل الدول العربية والأجنبية والأمم المتحدة. ولم يكن لبنان معنيا باتفاق وقف النار بين كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، بحسب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بعد مرور ثلاث عشرة ساعة على الاتفاق، إذ تم الفصل بين إيران و"حزب الله".

وكان يوم الأربعاء، الثامن من أبريل/نيسان 2026، مضرجا بالدماء. وطال القصف الإسرائيلي قلب العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية والجنوب والبقاع والهرمل. ونفذت إسرائيل بعيد الظهر، خلال عشر دقائق، استهدافات لمئة مقر. وبحسب الإعلام الإسرائيلي، شاركت خمسون طائرة حربية بإلقاء 160 قنبلة على لبنان، ذهب ضحيتها 254 قتيلا و1165 جريحا، بحسب إحصاء أولي.

وفي آخر احصاءات وزارة الصحة ليل أمس، أن عدد القتلى وصل على الأقل الى 2020 قتيلا و6436 جريحا منذ 2 آذار/مارس المنصرم.

وفي وقت يصعب تحديد الخسائر الاقتصادية المتعاظمة يوميا، طالما أن الحرب قائمة ولا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات. إنما من البديهي أن يعد لبنان الخاسر الأول، فهو لا يزال عرضة للتهديدات الإسرائيلية باجتياح كامل للجنوب، وبجعل الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، مثل غزة تماما. وآخرها كان ما قاله وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن أن "نموذج رفح حاضر في الجنوب". وصرحت إسرائيل بأن كامل الأراضي اللبنانية باتت مهددة، أينما وجد قادة أو عناصر من "حزب الله"، مشيرة إلى أنهم غادروا الضاحية الجنوبية واتجهوا شمالا.

تراجع الاحتياطي بالعملات الأجنبية

يستنزف الاحتياطي بالعملات الأجنبية في مصرف لبنان بوتيرة سريعة، إذ انخفضت بنحو 350 مليون دولار في نهاية مارس/آذار 2026، لتبلغ 11.53 مليار دولار، مقارنة بـ 11.88 مليار دولار في نهاية فبراير/شباط 2026، نظرا للحاجة إلى تأمين الدولارات اللازمة بالعملات الأجنبية مع استمرار تراجع العرض على الدولار بنحو 50 في المئة.

 تراجع الاحتياطي بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان سريعا، وكذلك ميزان المدفوعات، مع تراجع تحويلات المغتربين بنحو 10 إلى 15 في المئة خلال فترة الحرب

ويشهد ميزان المدفوعات تراجعا واضحا لناحية استقطاب الدولارات، مع تراجع تحويلات المغتربين بنحو 10 إلى 15 في المئة خلال فترة الحرب.

الاقتصاد اللبناني يستغيث في مختلف قطاعاته المنهكة

نبهت الهيئات الاقتصادية اللبنانية في بياناتها، إلى الأخطار القوية التي تهدد الاقتصاد الوطني في قطاعيه العام والخاص جراء الحرب الدائرة. ولفتت إلى أن "التحدي الأساس يتمثل في الضغط الإضافي على المالية العامة مع تزايد الإنفاق وانخفاض الإيرادات". وحذرت الهيئات من "أن إطالة أمد الحرب ستقود حتما إلى إقفال مئات المؤسسات، وصرف آلاف اللبنانيين من وظائفهم. مما يفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية". وأعربت عن "خشيتها من انزلاق جديد للاقتصاد الوطني في دوامة الأزمات والانهيار".

.أ.ف.ب
فرق الإنقاذ تجلي المصابين من تساقط الركام عقب قصف إسرائيلي على مدينة بيروت، 9 أبريل 2026

وأورد البيان أن النشاط التجاري تراجع بنحو 50 في المئة، وكذلك النشاط الصناعي الذي تراجع بنسبة 50 في المئة، وانخفض النشاط الزراعي بنحو 40 في المئة. أما قطاع الفنادق فشهد تراجعا حادا في نسب الأشغال نتيجة انعدام حركة السياحة الوافدة، وإلغاء العديد من الحجوزات، وقد تراجع معدل إشغال الفنادق بين 10 و15 في المئة. وتراجعت حركة المطاعم بنسبة 90 في المئة، وانخفض نشاط قطاع السياحة والسفر بنسبة تقارب الـ80 في المئة.

وانخفض نشاط قطاع الخدمات ما بين 40 و50 في المئة، في حين تراجعت حركة تأجير السيارات بنسبة تجاوزت 95 في المئة. وتشهد المبيعات العقارية حالة جمود شبه كامل نتيجة انعدام الطلب. وطلبت الهيئات سلة من الإجراءات المالية، متصلة بتمديد المهل الضريبية وإجازات العمل، وتعليق استيفاء بعض الرسوم، وتسريع الإجراءات لإخراج البضائع من المرافئ والمطار.

وارتفعت أسعار الغذاء ما بين 7 و15 في المئة. أما أسعار اشتراك مولدات الكهرباء الخاصة فارتفعت ما بين 30 إلى 40 في المئة.

تتراوح تكلفة الحرب الحالية بين 60 و80 مليون دولار يوميا وثمة مؤشرات الى أن تتخطى حاجز الـ100 مليون دولار مع استمرار الحرب

وزارة الاقتصاد اللبنانية

وتشير التوقعات إلى احتمال انكماش الناتج المحلي نتيجة الحرب بنسبة 9 في المئة وارتفاع التضخم بنسبة 18.5 في المئة مع معدل بطالة قد يتخطى 46 في المئة.

تكاليف يومية تصل الى 100 مليون دولار

تتراوح تكلفة الحرب الحالية بين 60 و80 مليون دولار يوميا بحسب تقديرات وزارة الاقتصاد اللبنانية، مع توقعات بأن تتخطى حاجز الـ100 مليون دولار مع استمرار الحرب، وفقا للأمين العام للهيئات الاقتصادية نقولا شماس في حديثه إلى "المجلة"، وهو وصف الحرب بأنها حرب "توريطية" تتجاوز "حدود جنوب لبنان، لتطال وجوده". وقال: "إن الحرب جارفة للاقتصاد وللديموغرافيا، إذ إن هناك أكثر من مليون نازح، وتهديدا بحدود جديدة للبنان". وأشار إلى "أن القطاع الخاص يعيش من قلة الموت".

.أ.ف.ب
عمارة متضررة في حي البسطا وسط بيروت عقب الاستهداف الإسرائلي، 9 أبريل 2026

وأكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة "نورث كارولاينا ستايت" البروفسور خضر زعرور لـ"المجلة" أن "القيمة الحقيقية للدمار في لبنان لا نعرف واقعها حتى الآن، لأن الحرب لم تتوقف. وبحسب الأمم المتحدة فإن الثمن الاقتصادي للدمار بلغ 4 مليارات دولار، تشمل المباني والجسور والقطاعات الاقتصادية كافة، عدا الخسارة من شل حركة السياحة التي كان يفترض أن تتعزز في مناسبة الأعياد".

وبحسب مركز "الدولية للمعلومات"، بلغت خسائر الحرب بعد شهر من اندلاعها، 1.7 مليار دولار. توزعت بين خسائر مباشرة وخسائر غير مباشرة. ومع دخول الحرب شهرها الثاني، فإن هذا الرقم مرشح للارتفاع يوميا. أما الركود الاقتصادي فيكلف يوميا بين 30 و50 مليون دولار.

كلفت حرب إسناد غزة لبنان 14 مليار دولار بحسب تقديرات البنك الدولي، إضافة إلى احتياجات التعافي وإعادة الإعمار التي بلغت 11 مليار دولار، وتراجع المساعدات الدولية

وللمقاربة، كلفت حرب إسناد غزة لبنان 14 مليار دولار بحسب تقديرات البنك الدولي، بمعدل 225 مليون دولار يوميا، إضافة إلى احتياجات التعافي وإعادة الإعمار التي بلغت 11 مليار دولار.

يضاف إلى هذا الوضع المأسوي، تراجع المساعدات الدولية الانسانية للبنان. وتظهر بيانات الأمم المتحدة أن التمويل الإنساني الذي جمع للبنان خلال حرب 2024 بلغ نحو 700 مليون دولار، فيما لا تتجاوز المساعدات المرتبطة بالحرب الحالية حتى الآن 90 إلى 100 مليون دولار.

.أ.ف.ب
فرق إنقاذ تحضر إلى مركز أمن الدولة اللبناني، عقب استهداف القوات الإسرائيلية مدينة النبطية في 10 أبريل 2026

وقال زعرور لـ"المجلة"، "إن المستثمرين الذين كانت لديهم طموحات للعمل في لبنان جمدوا أنشطتهم، وتدنت أسعار العقارات إلى الحد الأدنى، فضلا عن تضرر المباني والأسواق، والمناطق الممتدة من الضاحية الجنوبية إلى البقاع، وصولا إلى الجنوب. هذا فضلا عن أن النازحين، الذين يبلغ عددهم مليونا ومئتي ألف، ينفقون الأموال على النزوح من مالهم الخاص وليس من المساعدات الدولية، مما يهدد أوضاعهم، في ظل أزمة اقتصادية في البلاد، سبقت الحرب وكبدت اللبنانيين من نازحين وغير نازحين مبالغ كبيرة. فكيف في زمن الحرب والمعاناة، في غياب قدرات عالية للدولة".

اللبنانيون لا يعرفون مصيرهم

وأشار زعرور إلى أن "التكلفة النفسية للحرب وانعكاساتها كبيرة، إذ إن المواطنين، أكانوا نازحين أم غير نازحين، لا يعرفون مصيرهم ومصير البلد، والجميع في مهب الريح. وهذا يؤثر سلبا على الاستقرار النفسي والمعيشي، حيث التشريد والتفكك الأسري والاجتماعي وتأثير ذلك على البيئة المضيفة للنازحين وليس فقط على النازحين". ورأى أن هناك حالة ضعف تعيشها السلطات الرسمية، فهي لا تقوى على إسرائيل، ولا تمون على " حزب الله".

أما أستاذ الاقتصاد الدكتور محمد موسى فقال في حديث لـ"المجلة"، إن لبنان كان مدركا أن الحرب آتية لكنه لم يكن مهيأ لها، كما لم تكن ماليته العامة جاهزة لاستيعاب حرب جديدة. ففي البنك المركزي يوجد 12 مليار دولار، وهو مجموع حساب الجباية تحت الرقم 36 زائد الاحتياطي الإلزامي. وبالتالي جاءت الحرب لتزيد الطين بلة في مالية الدولة. فضلا عن زيادة الضغوط أمام مأساة مليون لبناني نازح يحتاجون إلى طبابة، وإيواء، واهتمام ومتابعة كاملة". وشرح موسى أن فاتورة النازحين بلغت ما بين 625 إلى 650 مليون دولار خلال الشهر الأول، والقدرات في الدولة ضعيفة نسبة إلى النيات الطيبة المتمثلة في الاستجابة الحكومية". واضاف: "كانت الدول العربية الشقيقة تساعد جدا في السابق وعبر جسر جوي، لكنها الآن تتعرض للعدوان وهي منشغلة بنفسها، وهذا عامل ضاغط عليها". ولفت إلى أنه حتى في المنحى الدولي، وباستثناء فرنسا والأمم المتحدة، كانت الاستجابة الدولية قليلة. وهذا يشير إلى عدم رضا عن الأداء اللبناني العام. إذ لم يهب المجتمع الدولي لنجدة لبنان".

قبل هذه الحرب، كان لبنان يستعد لمحاولة النهوض من الانهيار الاقتصادي الذي بدأ عام 2019، وكان في طور التحضير لتوقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي

وقدّر موسى الخسائر على مستوى البنى التحتية والمباني والجسور، مضافا إليها خسائر القطاعات الاقتصادية كافة، بثلاثة مليارات دولار حتى الآن، لافتا إلى أن هناك ما بين 200 إلى 300 وحدة سكنية استهدفت، والرقم مرشح للصعود لأن الحرب مستمرة. "ونستطيع القول، إنه في الوقت الذي يحتاج لبنان إلى الدعم، جاءت الحرب لتعمق أزمته وخسائره".

لبنان قبل حرب الإسناد ... ما أبرز الملفات المؤجلة؟

قبل هذه الحرب، كان لبنان يستعد لمحاولة النهوض من الانهيار الاقتصادي الذي بدأ عام 2019، وكان في طور التحضير لتوقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي، بالتوازي مع إعادة ترتيب أولوياته المالية والإصلاحية.

.أ.ف.ب
لبناني يمشي بجوار مبنى مدمر عقب غارة إسرائيلية، 9 أبريل 2026

وفي هذا الإطار، اتجه إلى استثمار ثروته البحرية، فوقع عام 2022 اتفاقية الترسيم البحري مع إسرائيل، وبدأت لاحقا عمليات الاستكشاف التي تجري حاليا في البلوك 8. إلا أن تأخر الاستفادة الفعلية من هذه الموارد لسد عجز الدولة، ظل مرتبطا بعوامل سياسية معقدة.

وقبيل اندلاع الحرب مباشرة، برزت تطورات أعادت تحفيز اهتمام الدولة بملف الترسيم البحري مع سوريا، مستفيدة من تحسن العلاقات الثنائية في ظل النظام الجديد. وتزامن ذلك مع توقيع سوريا، في 4 فبراير/شباط 2026، مذكرة تفاهم مع شركة "شيفرون" للتنقيب عن النفط والغاز في مياهها، بمشاركة شركة "يو. سي. سي." القطرية، مما أعطى دفعة إضافية لإعادة طرح هذا الملف على جدول الأولويات اللبنانية.

وأوضح نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني الدكتور طارق متري، المكلف متابعة الملف اللبناني–السوري، في حديث لـ"المجلة"، أن "لبنان يثير مسألة ترسيم الحدود البحرية مع سوريا في التوقيت المناسب، أي عند الاقتراب من مرحلة التنقيب الفعلي واستكشاف إمكانات النفط والغاز". 

ستحدد آفاق النهوض بعوامل ثلاثة مرتبطة بعضها ببعض: كيف ومتى تتوقف الحرب بشكل دائم، وما إذا عاد العمل بالإصلاحات فعليا، وهل تستطيع المؤسسات العامة تحويل الإمكانات المتاحة كالموارد الطبيعية أو الموقع الجيوسياسي، إلى خطوات عملية على الأرض

وأشار إلى وجود تفاهم بين البلدين يقضي بعدم ممارسة أي طرف ضغوطا على الآخر أو استعجال هذا الملف، مؤكدا أن ترسيم الحدود البحرية سيطرح في حينه، إلا أن البحث لم يبلغ هذه المرحلة بعد.

وأضاف أن النقاش الحالي يتركز على أولوية ضبط الأمن على الحدود البرية، حيث يجري العمل على تنظيمها وتعزيز التنسيق بين الجيش اللبناني وحرس الحدود السوري، إلى جانب جهود مستمرة لوقف عمليات التهريب ومعالجة ملفات عالقة أخرى.

.أ.ف.ب
عمارة متضررة في حي البسطا وسط بيروت عقب الاستهداف الإسرائلي، 9 أبريل 2026

ولفت متري إلى أنه "تم تحقيق تقدم ملحوظ"، موضحا أن الجانبين متفقان على أن ترسيم الحدود البرية يأتي أولا، على أن يتبعه لاحقا ترسيم الحدود البحرية، بالتوازي مع اقتراب سوريا من بدء عمليات التنقيب، مما يفتح الباب أمام التفاوض والتفاهم بين البلدين.

في ظل برنامج تحسينات بالكاد يتقدم، وسط نزاع بدأ يعيد رسم الجدول الزمني للملفات العاجلة بوتيرة لا ترحم، يقف لبنان الآن على تقاطع طرق حساس. لم تفقد آفاق الانتعاش الاقتصادي كل أمل، على الرغم من تأجيلها، إنما ستحدد آفاق النهوض بعوامل ثلاثة مرتبطة بعضها ببعض: كيف ومتى تتوقف الحرب بشكل دائم، وما إذا عاد العمل بالإصلاحات فعليا، وهل تستطيع المؤسسات العامة تحويل الإمكانات المتاحة كالموارد الطبيعية أو الموقع الجيوسياسي، إلى خطوات عملية على الأرض.

font change