رؤية إيرانية للتطبيع مع أميركا... حدود ما هو ممكن

وزير الخارجية الأسبق يحدد ثمن السلام

أ ف ب
أ ف ب
امرأة أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة ومناهضة لإسرائيل، في طهران بتاريخ 8 أبريل 2026

رؤية إيرانية للتطبيع مع أميركا... حدود ما هو ممكن

لم يكن مضمون مقال محمد جواد ظريف الأخير في مجلة "فورين آفيرز" وحده ما أثار كل هذا الجدل، وإنما أيضا توقيت نشره والمنبر الذي اختاره. فقد دعا ظريف إيران إلى أن تستثمر ما عدّه صمودا في زمن الحرب، لا لإطالة أمد المواجهة، وإنما لتحويله إلى تسوية دائمة مع الولايات المتحدة، تقوم على فرض قيود على الملف النووي مقابل رفع العقوبات، وإعادة فتح مضيق هرمز، وإبرام اتفاق لعدم الاعتداء، بل وحتى فتح الباب أمام تفاعل اقتصادي مستقبلي مع الشركات الأميركية.

وفي طهران، شكك المنتقدون المتشددون في هذا الطرح منذ اللحظة الأولى، ورأوا فيه مدخلا إلى مساومة مع عدو لا تزال الحرب قائمة معه، وليس تعبيرا عن مرونة استراتيجية. وفي بعض الأوساط، جاء الرد عنيفا إلى حد بعيد. فوصفوا ظريف بالضعف، واتهموه بأنه يمنح ترمب مخرجا يحفظ ماء الوجه، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى تهديده بالقتل صراحة. بل إن أحد أبرز منتقديه حذره من أن أمامه أياما معدودة للتراجع عن تصريحاته، وإلا فسيواجه حشدا غاضبا أمام منزله.

قد يبدو، للوهلة الأولى، أن هذه العاصفة تؤكّد للصورة التقليدية عن النظام الإيراني المنقسم بين دبلوماسيين برغماتيين ما زالوا يفكرون بلغة إدارة الدولة، ومتشددين عقائديين لا يعرفون سوى لغة "المقاومة". غير أن تركيبة الفريق الإيراني الذي أُرسل إلى إسلام آباد لإجراء محادثات مع نائب الرئيس جيه دي فانس توحي بصورة أشد تعقيدا.

فبدلا من أن يترأس الوفد أحد الدبلوماسيين المعتدلين الهامشيين، قاده رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، وضم- بحسب التقارير- نحو سبعين شخصا، بينهم خبراء متخصصون في المجالات الاقتصادية والأمنية والسياسية. وهذه ليست صورة دولة مفككة ترتجل قراراتها تحت وطأة الضغط، وإنما هي أقرب إلى جهد أقرته مؤسسات النظام، وشاركت فيه أذرع مختلفة من الجمهورية الإسلامية لاختبار ما إذا كان من الممكن التوصل إلى اتفاق بشروط تستطيع طهران التعايش معها.

وهذا الفارق مهم. ففي المدى القصير، لا يتمثل السؤال الحقيقي فيما إذا كانت أطراف داخل النظام الإيراني تريد إنهاء الحرب، لأن المعطيات المتاحة جميعها تشير إلى أن معظمها يريد ذلك. السؤال الأهم، في الحقيقة، هو ما إذا كانت الرغبة في وضع حد سريع للقتال تمتد إلى قبول ذلك النوع من السلام الدائم مع واشنطن الذي رسمه ظريف. وعند هذه النقطة، تصبح الإجابة أكثر غموضا.

السؤال الأهم هو ما إذا كانت الرغبة في وضع حد سريع للقتال تمتد إلى قبول ذلك النوع من السلام الدائم مع واشنطن الذي رسمه ظريف. وعند هذه النقطة، تصبح الإجابة أكثر غموضا

ومن زاوية ما، اكتسب مقال ظريف أهميته لأنه حاول إعادة تعريف معنى التسوية في لحظة جيوسياسية مشحونة إلى أقصى حد. فهو لم يكتب من موقع ناقد معتذر للجمهورية الإسلامية، ولا من موقع داعية إلى الاصطفاف مع الغرب. لقد كتب من داخل المؤسسة، من موقع من يرى أن إيران أظهرت قدرا كافيا من الصمود يتيح لها أن تفاوض من موقع قوة. وفي تصوره، لن يكون اتفاق السلام استسلاما، وإنما ثمرة لما تحقق في زمن الحرب. ولهذا أثار المقال كل ذلك الجدل. فلو أن ظريف دعا إلى تقديم تنازلات انطلاقا من موقع ضعف إيراني، لكان من السهل تجاهله أو نعته بالسذاجة.

أما ما جعله خطرا في نظر منتقديه، فهو أنه دعا إلى الدبلوماسية انطلاقا من موقع قال إنه موقع تفوق. وهنا مس إحدى الركائز العاطفية والسياسية الأساسية لدى متشددي زمن الحرب: فكرة أن الصمود ينبغي أن يبقى هو الاستراتيجية نفسها، فيبقى الهدف دائما، ولا يتحول إلى وسيلة تفضي إلى استراتيجية أخرى.

رويترز
وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف في موسكو، روسيا، في 30 ديسمبر 2019

غير أن موجة الهجوم كشفت أيضا عمّا هو أعمق من مجرد غضب أيديولوجي. فقد أظهرت أن الدبلوماسية في طهران لا تتعلق بالمضمون وحده، وإنما بالسلطة أيضا. من يملك حق إرسال الإشارات؟ وبأي تفويض؟ وباسم من؟ ربما عبّر مقال ظريف عن أحد اتجاهات التفكير داخل النخبة، لكنه، حين نشره في مجلة "فورين أفيرز" الأميركية الموجهة إلى نخبة السياسة الخارجية، كان يتحدث أيضا خارج القنوات المحكمة التي تفضل الجمهورية الإسلامية أن تمرر عبرها رسائلها. وهكذا بدا المقال أقرب إلى تدخل في النقاش حول ما ينبغي للنظام أن يفعله بعد ذلك، لا إلى موقف رسمي أقره. وفي نظام تحكمه الشكوك في زمن الحرب، كان هذا وحده كافيا لإثارة رد فعل عنيف.

موجة الهجوم كشفت عمّا هو أعمق من مجرد غضب أيديولوجي. فقد أظهرت أن الدبلوماسية في طهران لا تتعلق بالمضمون وحده، وإنما بالسلطة أيضا. من يملك حق إرسال الإشارات؟ وبأي تفويض؟ وباسم من؟

ومع ذلك، فإن ما جرى في إسلام آباد يكشف أن النظام نفسه لا ينفر من التفاوض، بل إن العكس هو الصحيح. فطهران لم ترسل وفدا رمزيا. لقد أوفدت محمد باقر قاليباف، والرجل هنا ليست سيرته أمرا عارضا. فهو ليس النظير المقابل لظريف، وإنما قائد سابق في "الحرس الثوري" الإيراني، وشخصية تنتمي إلى دولة الأمن، أو ما يوصف أحيانا بـ"الدولة العميقة".

وحضوره بحد ذاته يوحي بأن أي دبلوماسية جادة باتت تمر عبر مؤسسات أقرب إلى مركز القوة والإكراه داخل النظام. وإلى جانبه كان عباس عراقجي، الدبلوماسي المخضرم الذي مثل طويلا الوجه الأكثر تقنية وقدرة على التفاوض في إدارة الدولة الإيرانية. ووفقا لما نقلته التقارير من إسلام آباد، أحاط بهما وفد كبير ضم ممثلين عن الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية. وهذه ليست ملامح نظام تتداعى أجنحته أو تنهار توازناته الداخلية، وإنما أقرب إلى محاولة منسقة من مؤسسات النظام لمعرفة ما إذا كان من الممكن تحويل الصمود في ساحة المعركة إلى ترتيب سياسي.

وهنا يخطئ كثير من المراقبين خارج إيران في فهم طهران. فكثيرا ما يخلطون بين الضجيج العلني وآلية صنع القرار الفعلية. فالجمهورية الإسلامية صاخبة بطبيعتها، أو لعلها تتعمد ذلك. فهي تضم مؤسسات متنافسة، وشخصيات متنازعة، وأصحاب مشاريع أيديولوجية، ومنظومات إعلامية تتحدث غالبا بلغات متباينة إلى حد بعيد. غير أن النظام، في قضايا الحرب والسلام، أظهر تاريخيا قدرة على تضييق هامش الجدل متى قررت القيادة الأساسية أي خط تريد أن تسلكه. فالجدل العلني، حتى حين يكون حادا أو فجاً، لا يعني بالضرورة وجود ارتباك استراتيجي. وفي كثير من الأحيان، يؤدي وظيفة محددة: اختبار ردود الفعل، ورسم حدود المسموح، وترهيب المعترضين، والإبقاء على مساحة من الغموض إلى أن يُحسم القرار النهائي.

الجمهورية الإسلامية صاخبة بطبيعتها، أو لعلها تتعمد ذلك. غير أن النظام، في قضايا الحرب والسلام، أظهر تاريخيا قدرة على تضييق هامش الجدل متى قررت القيادة الأساسية أي خط تريد أن تسلكه

ولهذا، لا ينبغي المبالغة في تصوير التناقض بين الرسالة التي حملها مقال ظريف في مجلة "فورين آفيرز" والمحادثات الفاشلة في إسلام آباد. فمقال ظريف لم يثبت وجود معسكر يريد السلام وآخر يريد حربا بلا نهاية. وكل ما كشفه هو وجود خلاف حول الأسلوب والتوقيت، وحول من يملك الحق السياسي في طرح المبادرة. فالرجال الذين هاجموا ظريف لم يكونوا، بالضرورة، يرفضون كل أشكال الدبلوماسية إلى الأبد. فكثير منهم كان يرفض فكرة أن يظهر وزير خارجية سابق، يكتب في مجلة أميركية، وكأنه هو من يحدد الشروط المقبولة للسلام. أما الوفد الذي ذهب إلى باكستان، فقد جسد، على النقيض من ذلك، دبلوماسية أعادها النظام إلى كنفه ووضعها تحت سيطرته.

ومع ذلك، تظل هناك فجوة واسعة بين الأمرين: بين القبول بمحادثات تنهي حربا خطرة، وبين تبني ذلك النوع من السلام الدائم الذي تصوره ظريف. والوفد الذي ذهب إلى إسلام آباد يلمح، في حد ذاته، إلى الموضع الذي قد يقف عنده هذا الحد. فقد أفادت "رويترز" بأن الوفد الإيراني حمل معه مطالب تركزت على الإفراج عن الأصول المجمدة، وتخفيف العقوبات، والحصول على تعويضات عن زمن الحرب، والاعتراف بالحقوق النووية الإيرانية. وفي المقابل، أشارت التغطيات الأوسع للمحادثات إلى هوة كبيرة ظلت قائمة في ملفات تخصيب اليورانيوم، والصواريخ، والتحالفات الإقليمية، ومستقبل مضيق هرمز. وما يوحي به ذلك ليس أن القيادة الإيرانية مستعدة لتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة على نحو عميق، وإنما أنها معنية بإنهاء الحرب من دون التخلي عن بنية الردع التي باتت الجمهورية الإسلامية ترى أن بقاءها معلق بها.

رويترز
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، في إسلام آباد، باكستان، في 11 أبريل 2026

 

الصفقة القصيرة الأجل يمكن تسويقها داخل طهران على أنها ثمرة من ثمار الصمود. أما السلام المستدام فمسألة أشد تعقيدا. فهو يحتاج- إلى جانب المرونة التكتيكية- إلى تصور مختلف للولايات المتحدة نفسها

وهذا هدف أضيق كثيرا من تصور ظريف. فقد كان يكتب عما يشبه إعادة ضبط استراتيجية شاملة: ليست صداقة بالطبع، وإنما ترتيب مستقر يقبل فيه كل طرف بديمومة الطرف الآخر، ويقيم آليات تقلل من احتمال اندلاع صراع جديد في المستقبل. وهنا تحديدا تبدأ أكثر دوائر النظام تصلبا في إبداء المقاومة. فالصفقة القصيرة الأجل يمكن تسويقها داخل طهران على أنها ثمرة من ثمار الصمود. أما السلام المستدام فمسألة أشد تعقيدا. فهو يحتاج، إلى جانب المرونة التكتيكية، إلى تصور مختلف للولايات المتحدة نفسها. ويحتاج إلى الاقتناع بأن واشنطن قادرة على الالتزام باتفاقات، وأن خفض التصعيد يمكن أن يتجاوز الأزمة الآنية، وأن شرعية الجمهورية الإسلامية لا تتضرر من تفاهم معلن ومفاوض عليه مع عدوها الرئيس لتنظيم قواعد التعايش بينهما. وهذه كلها أثقال أكبر بكثير من مجرد إعادة فتح قناة دبلوماسية في إسلام آباد.

وثمة سبب بنيوي آخر يدعو إلى التحفظ. فالحرب عززت موقع ذلك الجزء من النظام الأقل ميلا إلى الثقة بالسلام. فالمؤسسات الأمنية، والقوى السياسية المتحالفة معها، قد تقبل التفاوض حين ترتفع كلفة الحرب إلى ما يفوق الاحتمال، أو حين تقتضي الضرورة تحويل أوراق القوة إلى مكاسب ملموسة. لكن السلام الدائم شأن آخر. فهو قد يفضي إلى إعادة توزيع موازين القوة داخل النظام الإيراني نفسه، فيرفع من شأن الدبلوماسيين والاقتصاديين والتقنيين، ويقوّض احتكار المؤسسات التي تستمد سلطتها من دوام المواجهة. كما يفتح الباب أمام توقعات اجتماعية جديدة في الداخل، ويعيد طرح السؤال القديم: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تطبّع علاقاتها في الخارج من دون أن تبدأ بالتراخي في الداخل؟ وبالنسبة إلى نظام يقوم على توتر مضبوط الإيقاع، فهذه ليست مسألة تقنية، بل قضية قد تمس صميم وجوده.

وعليه، فإن الدرس الذي يكشفه مقال ظريف لا يتمثل في أن طهران منقسمة على نحو ميؤوس منه. والأرجح أن النظام أكثر تماسكا مما يوحي به كل ذلك الصخب، لكنه متماسك حول هدف محدود. فقد أظهر الوفد الذي ذهب إلى باكستان أن المؤسسات السياسية والدبلوماسية والأمنية في إيران ما زالت قادرة على الاجتماع حول موقف واحد حين ترى أن المحادثات قد تساعد على إنهاء حرب باهظة الكلفة. لكنه لم يُظهر أنها باتت مستعدة لاعتناق الفكرة الأوسع التي طرحها ظريف عن سلام دائم مع أميركا. وهنا يلوح الحد الفاصل الذي يتكشف الآن. فطهران قد تكون قادرة على تصور صفقة، أما تخيل سلام دائم فما زال أبعد وأكثر التباسا.

font change

مقالات ذات صلة