لم يكن مضمون مقال محمد جواد ظريف الأخير في مجلة "فورين آفيرز" وحده ما أثار كل هذا الجدل، وإنما أيضا توقيت نشره والمنبر الذي اختاره. فقد دعا ظريف إيران إلى أن تستثمر ما عدّه صمودا في زمن الحرب، لا لإطالة أمد المواجهة، وإنما لتحويله إلى تسوية دائمة مع الولايات المتحدة، تقوم على فرض قيود على الملف النووي مقابل رفع العقوبات، وإعادة فتح مضيق هرمز، وإبرام اتفاق لعدم الاعتداء، بل وحتى فتح الباب أمام تفاعل اقتصادي مستقبلي مع الشركات الأميركية.
وفي طهران، شكك المنتقدون المتشددون في هذا الطرح منذ اللحظة الأولى، ورأوا فيه مدخلا إلى مساومة مع عدو لا تزال الحرب قائمة معه، وليس تعبيرا عن مرونة استراتيجية. وفي بعض الأوساط، جاء الرد عنيفا إلى حد بعيد. فوصفوا ظريف بالضعف، واتهموه بأنه يمنح ترمب مخرجا يحفظ ماء الوجه، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى تهديده بالقتل صراحة. بل إن أحد أبرز منتقديه حذره من أن أمامه أياما معدودة للتراجع عن تصريحاته، وإلا فسيواجه حشدا غاضبا أمام منزله.
قد يبدو، للوهلة الأولى، أن هذه العاصفة تؤكّد للصورة التقليدية عن النظام الإيراني المنقسم بين دبلوماسيين برغماتيين ما زالوا يفكرون بلغة إدارة الدولة، ومتشددين عقائديين لا يعرفون سوى لغة "المقاومة". غير أن تركيبة الفريق الإيراني الذي أُرسل إلى إسلام آباد لإجراء محادثات مع نائب الرئيس جيه دي فانس توحي بصورة أشد تعقيدا.
فبدلا من أن يترأس الوفد أحد الدبلوماسيين المعتدلين الهامشيين، قاده رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، وضم- بحسب التقارير- نحو سبعين شخصا، بينهم خبراء متخصصون في المجالات الاقتصادية والأمنية والسياسية. وهذه ليست صورة دولة مفككة ترتجل قراراتها تحت وطأة الضغط، وإنما هي أقرب إلى جهد أقرته مؤسسات النظام، وشاركت فيه أذرع مختلفة من الجمهورية الإسلامية لاختبار ما إذا كان من الممكن التوصل إلى اتفاق بشروط تستطيع طهران التعايش معها.
وهذا الفارق مهم. ففي المدى القصير، لا يتمثل السؤال الحقيقي فيما إذا كانت أطراف داخل النظام الإيراني تريد إنهاء الحرب، لأن المعطيات المتاحة جميعها تشير إلى أن معظمها يريد ذلك. السؤال الأهم، في الحقيقة، هو ما إذا كانت الرغبة في وضع حد سريع للقتال تمتد إلى قبول ذلك النوع من السلام الدائم مع واشنطن الذي رسمه ظريف. وعند هذه النقطة، تصبح الإجابة أكثر غموضا.

