خمسة أسباب وراء الانسحاب الأميركي من سوريا

الوجود الأميركي لأكثر من عقد تمركز في نحو 30 قاعدة

أ ب
أ ب
فتى يتابع تحرك عربة عسكرية أميركية تنسحب من قاعدة قسرك شمال شرقي سوريا باتجاه الاردن في 16 أبريل 2026

خمسة أسباب وراء الانسحاب الأميركي من سوريا

أخلت الولايات المتحدة الأميركية يومي الأربعاء والخميس الموافق الخامس عشر والسادس عشر من أبريل/نيسان آخر قواعدها في سوريا، وهي قاعدة "قسرك" في محافظة الحسكة، شمال شرقي البلاد، لتنهي واشنطن بذلك أكثر من عقد، من وجود تضمن في مرحلة ما ثلاثين قاعدة عسكرية. وإخلاء قاعدة "قسرك" هو إعلان كل من واشنطن ودمشق دخول مرحلة جديدة من العلاقة بين الدولتين، ربما تظهر ملامحها خلال الفترة القريبة القادمة، بحسب مصادر "المجلة" التي أكدت أن الطرفين دخلا رسميا في مرحلة نقاش ودراسة للتفاهمات الممكنة في الفترة القادمة، بهدف تعزيز التعاون والتوافق الاستراتيجي بين سوريا والولايات المتحدة، فكل طرف يرى في التحالف المحتمل حجر أساس لتمكين إنجازاته، وتعبيد الطريق لتحقيق استدامة طويلة الأمد لها.

سحبت واشنطن آخر جنودها وآلياتها من قاعدة "قسرك" يوم الخميس 16 أبريل، لكن هذه المرة لم تكن الوجهة إلى العراق، بل وجهتها الأردن، في مؤشر على أن واشنطن لا ترى وجود آلياتها وجنودها في العراق آمنا في الوقت الراهن، فالحرب بينها وبين إيران لم تنته، والميليشيات العابرة للحدود التابعة لإيران لم تأل جهدا في استهداف كل القواعد الأميركية في العراق. وبحسب المعلومات المتوفرة، فإن واشنطن تركت في قاعدة "قسرك" منظومات اعتراض جوي، يمكن للحكومة السورية استخدامها في مواجهة الاستهدافات التي يمكن أن تنفذها إيران وميليشياتها على الأراضي السورية، في حال فشلت الجهود السياسية للتوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، وعودة الحرب إلى الساحة من جديد.

وكانت "الفرقة 60" التابعة للجيش السوري تتجهز خلال الأيام الماضية لاستلام قاعدة "قسرك" بعد انسحاب واشنطن منها، وعملية التنسيق بين الطرفين التي امتدت أياما كانت رسالة غير مباشرة لـ "قسد" أن مهمة الأخيرة كحليف مباشر لواشنطن، انتهت صلاحيتها رسميا، وأن العلاقة اليوم باتت بين واشنطن ودمشق، علاقة بين دولة ودولة. وتزامن الانسحاب الأميركي مع محادثات في دمشق لقائد "قسد" مظلوم عبدي، تركزت حول طلب دمشق من "قسد" بأن تتولى الحكومة السورية إدارة المعابر الرسمية في المنطقة، واستكمال جهود دمج قوات "قسد" في الجيش السوري بأسرع وقت ممكن. وتُوجت زيارة عبدي بلقائه الرئيس السوري أحمد الشرع. وتفيد معلومات "المجلة" أن دمشق تسعى لتقوية جناح عبدي في المنطقة كونه الأكثر اعتدالا بين تشكيلات "قسد" الرئيسة، وأن دمشق تدرس منذ فترة إغلاق معبر سيمالكا بعد استكمال واشنطن سحب قواتها ومعداتها العسكرية من سوريا، فمعبر سيمالكا تم إنشاؤه كمعبر لوجستي مؤقت في ظل الفوضى والتشرذم الجغرافي السوري خلال السنوات الماضية، وذلك لتسهيل مهمة نقل وإيصال التعزيزات الأميركية إلى قواعدها. دمشق تواجه عقبات في طريق إغلاق هذا المعبر، هذه العقبات تجاوزت المستوى الداخلي، حيث أن أطرافا إقليمية ودولية طلبت من دمشق التمهل في إغلاقه إلى حين استقرار الوضع بشكل كامل في شرق الفرات، وإنهاء عملية تنفيذ الاتفاق بين الحكومة و"قسد".

تعيد الولايات المتحدة الأميركية ترتيب أولوياتها الأمنية والسياسية في سوريا، في سياق التغييرات الاستراتيجية التي تجريها واشنطن في منطقة الشرق الأوسط، هذه الترتيبات ارتسمت ملامحها مع دخول سوريا رسميا إلى التحالف الدولي نهاية العام الماضي

تعيد الولايات المتحدة الأميركية ترتيب أولوياتها الأمنية والسياسية في سوريا، في سياق التغييرات الاستراتيجية التي تجريها واشنطن في منطقة الشرق الأوسط، هذه الترتيبات ارتسمت ملامحها مع دخول سوريا رسميا إلى التحالف الدولي نهاية العام الماضي، وبالتزامن مع التحضيرات الأمنية التي كانت واشنطن تجريها في المنطقة تحضيرا للحرب ضد إيران. وتشير معلومات "المجلة" إلى أن فكرة الانسحاب من سوريا، تعززت لدى واشنطن بالتزامن مع مراجعة أهداف الوجود العسكري الأميركي في سوريا، دراسة تعقيدات الواقع الأمني فيها، وأثر وجودها على خطوات دعم الاستقرار في سوريا، وتمكين الحكومة السورية، إضافة إلى مخاطر تعرض الجنود الأميركيين في سوريا لهجمات من الميليشيات الإيرانية بالتزامن مع الحرب التي كانت واشنطن تخطط لها ضد طهران، والتي اندلعت يوم 28 فبراير/شباط الماضي.

 الرئاسة السورية
الرئيس السوري أحمد الشرع مستقبلا المبعوث الأميركي توم براك في انطاليا في 17 أبريل 2026

وأبرز التحولات التي ساهمت في اتخاذ واشنطن قرار إخلائها لكافة قواعدها في سوريا، والتي تمت بشكل تدريجي، تزامن مع دراسة مستمرة للتحولات السورية والإقليمية:

أولا، دخول سوريا رسميا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم "داعش"، شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، شكّل نقطة تحول جوهرية في مسار خروج الولايات المتحدة من سوريا، فأحد أبرز أسباب وجود واشنطن في سوريا هو محاربة تنظيم "داعش" ضمن المظلة الدولية (التحالف الدولي) الذي تأسس في شهر سبتمبر/أيلول 2014، سوريا حينها كانت غير موحدة القوى داخليا، وكان من الصعب على التحالف الدولي الاعتماد على طرف واحد لمحاربة "داعش" على كافة الأراضي السورية، إضافة إلى أن القوى السورية التي دعمها التحالف لم تكن على المستوى المطلوب عسكريا لمحاربة "التنظيم"، فكانت واشنطن ترى وجود قواعد لها في سوريا أمرا ضروريا لتدريب القوى المحلية من جهة، ولضمان قدرة التحالف على التدخل في حال فشلت القوى المحلية في مهمتها، وسط التشرذم والاقتتال الداخلي الحاصل في سوريا. ومع وجود سوريا على قائمة دول التحالف الدولي وتوحّد الجغرافيا السورية، ظهرت رؤية أميركية بأن وجودها لم يعد جوهريا في سوريا، وأن مهمة التسليح والتدريب، يمكن أن تتم بالتنسيق مع الحكومة السورية، دون وجود قواعد أميركية على أراضيها.

مواجهة المد الإيراني في منطقة الشرق الأوسط كان من الأهداف الاستراتيجية للوجود الأميركي في سوريا، خصوصا وأن نظام الأسد كان أحد أذرع إيران في المنطقة، ما يعني أن العرب والغرب لا يستطيعون الاعتماد عليه في مواجهة خطط إيران الجيوسياسية في المنطقة

ثانيا، الموقف السوري المبكر ضد إيران وأذرعها السورية والإقليمية، والوقوف في وجه ممارسات طهران العدوانية والتخريبية في المنطقة، والتوجه السوري الذي تلاه نحو المظلة العربية- الخليجية، والانفتاح على الغرب، كان أيضا عاملا يحمل في طياته أهمية كبيرة في سياق إعادة واشنطن رسم سياستها في المنطقة. فمواجهة المد الإيراني في منطقة الشرق الأوسط كان من الأهداف الاستراتيجية للوجود الأميركي في سوريا، خصوصا وأن نظام الأسد كان أحد أذرع إيران في المنطقة، ما يعني أن العرب والغرب لا يستطيعون الاعتماد عليه في مواجهة خطط إيران الجيوسياسية في المنطقة.

اليوم دفّة التاريخ تحرّكت بشكل معاكس، فحكومة دمشق والشعب السوري يقفون في وجه إيران وممارساتها، ولطالما أعلنت الحكومة السورية استعدادها التام لمواجهة أي محاولة إيرانية لزعزعة الاستقرار في سوريا والمنطقة، كما أظهرت دمشق تعاونا واضحا مع العرب والغرب لتحقيق هذه الغاية. تحوّل لعب دورا ثانيا في تعزيز فكرة الانسحاب الأميركي من سوريا.

ثالثا، محاربة تهريب السلاح والمخدرات من وعبر الأراضي السورية كان من ضمن الأهداف التكتيكية للوجود الأميركي في سوريا أيضا، فالجغرافيا السورية زمن الأسد كانت دولة كيبتاغون متكاملة الأركان، من ناحية مئات مصانع الكيبتاغون المنتشرة في سوريا، وضلوع نظام الأسد في هذه التجارة وحمايتها، إضافة إلى تسهيل أبرز قطاعات الجيش السوري لعمليات تهريب المخدرات، وشحنات السلاح التي كانت تقوم بها إيران لتسليح وتمكين "حزب الله" اللبناني، وميليشياتها في سوريا. مع سقوط الأسد، تحولت سوريا إلى عقبة جغرافية في وجه هذه التجارة وسلاسل التوريد الإيرانية لـ "حزب الله" اللبناني. واستطاعت الحكومة السورية خلال عام تفكيك أبرز شبكات إنتاج المخدرات والتهريب في سوريا، وتبذل جهودا كبيرة لوقف عمليات التهريب-على تعقيدها- عبر الأراضي السورية. واشنطن رأت في هذا السياق أن وجودها في سوريا اليوم يمكن أن يكون عبر دعم جهود الحكومة السورية وإمكانياتها، دون الحاجة لقواعد عسكرية مستقلة تخدم هذه الغاية.

رويترز
عنصر من الشرطة العسكرية السورية يحرس سجن الرقة في شمال شرقي سوريا في 19 يناير 2026

رابعا، مع توقيع الاتفاق بين دمشق و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في شهر يناير/كانون الثاني الماضي، والذي بذلت واشنطن والدول العربية والإقليمية جهودا كبيرة لتحقيقه، بدأت كل من الحكومة السورية و"قسد" خطوات عملية في تنفيذ الاتفاق وعمليات الدمج العسكري والمؤسساتي بين الطرفين، وبذلك بسطت الحكومة السورية نفوذها- تقنيا- على الأراضي السورية كافة باستثناء السويداء في الجنوب، وسيطرت على المعابر والحدود بينها وبين دول الجوار. هذا الاتفاق وما تلاه من خطوات أنهى أحد مهام الولايات المتحدة في سوريا، والمتمثلة في التدريب والتسليح وإدارة التوازنات في سوريا في ظل تشرذم الجغرافيا، وتعدد الولاءات والقوى على الأراضي السورية، فدعم واشنطن لـ "قسد" ، ووجود قواعد لها في سوريا، كان في أحد طياته لإدارة التوازنات في المنطقة، وخلق ورقة تفاوض وإدارة تنسيق مع تركيا من جهة، وورقة ضغط على الأسد وروسيا وإيران. اليوم التقت مصالح دمشق- واشنطن- أنقرة في سوريا، وهذا التلاقي ألقى بظلاله على سياسة واشنطن العسكرية في سوريا.

خامسا، ترى واشنطن أن سوريا اليوم بحاجة إلى خطوات سريعة نحو الاستقرار، كما أن واشنطن، والدول العربية، والغرب، يرون موقع سوريا اليوم حيويا في سياق التغييرات المحتملة على خطوط الإمداد والتوريد النفطي والاقتصادي لإنهاء عقدة هرمز البحرية، وسحب بساط الابتزاز الاقتصادي من يد إيران. هذه الرؤية الكبيرة للدور السوري المحتمل تتطلب استقرارا سريعا ومقبولا لدرجة كبيرة. وقد يكون الوجود العسكري الأميركي في سوريا أحد العقبات في وجه هذا التحول المطلوب، فإيران وميليشياتها، "داعش"، والقوى المتشددة الأخرى في سوريا تستغل وجود القواعد الأميركية في سوريا في عمليات شيطنة الحكومة السورية، والتجنيد التي تقوم بها هذه القوى داخل سوريا وفي المنطقة. دعم سوريا- حتى من الناحية العسكرية- اليوم لا يحتاج إلى وجود قواعد أميركية خالصة في سوريا، هو أمر يمكن تحقيقه عبر اتفاقيات وبرامج تدريب تتم ضمن قطاعات الجيش السوري، وليس في قواعد أجنبية على الأراضي السورية.

إيران لم تعد حليفا لسوريا، والأخيرة تواجه نفوذ طهران في سوريا، إنتاج وتهريب الكيبتاغون والسلاح باتا في مستويات متدنية مقارنة بزمن الأسد، والجغرافيا السورية موحدة اليوم

كما يمكن قراءة الانسحاب الأميركي من سوريا على أنه مؤشر على تحقق أهداف هذا الوجود، فتنظيم "داعش" بات أضعف من قبل، وملف سجناء "داعش" اليوم في عهدة الحكومة العراقية، إضافة إلى أن سوريا اليوم طرف رسمي في التحالف الدولي. إيران لم تعد حليفا لسوريا، والأخيرة تواجه نفوذ طهران في سوريا، إنتاج وتهريب الكيبتاغون والسلاح باتا في مستويات متدنية مقارنة بزمن الأسد، والجغرافيا السورية موحدة اليوم. من وجهة نظر واشنطن أهداف وجودها في سوريا لأكثر من عقد تحققت، والعلاقة مع دمشق اليوم يمكن أن تأخذ شكلا جديدا، يسمح لواشنطن بتعزيز نجاحاتها، دون أن يؤثر سلبا على جهود الاستقرار الداخلي السوري.

أ ب
عربة عسكرية أميركية تنسحب من قاعدة قسرك شمال شرقي سوريا باتجاه الاردن في 16 أبريل 2026

بحسب معلومات "المجلة"، فإن واشنطن ودمشق تدرسان في الوقت الحالي آليات تنسيق أمني عسكري جديدة، وعلى الرغم من أن واشنطن أخلت آخر قواعدها في سوريا إلا أن وفدا عسكريا وسياسيا موجود في دمشق لدراسة الخيارات والآليات الجديدة التي يمكن أن تعزز التنسيق بين البلدين. خروج واشنطن من سوريا لا يعني نهاية الطريق، وإنما هو محطة جديدة لطريق استراتيجية أكبر وأكثر استدامة بالنسبة لواشنطن ودمشق على حد سواء.

وبحسب مصادر "المجلة"، فإنه من المرجح أن تظهر إلى العلن في الوقت القريب ملامح التفاهمات الجديدة بين واشنطن ودمشق. وترجح المصادر أن تكون التفاهمات على شكل اتفاقيات بين البلدين على مستوى التدريب والتسليح العسكري، التنسيق الأمني، والمشاريع الاقتصادية المتعلقة بدور سوريا الجيوسياسي والاقتصادي في المنطقة مستقبلا. ولا تستبعد مصادر "المجلة" أن يتوصل الطرفان إلى تفاهمات عسكرية تسمح لواشنطن باستخدام بعض القواعد العسكرية السورية لأغراض التنسيق والدعم اللوجستي، دون أن تعطي هذه التفاهمات واشنطن إمكانية السيطرة على تلك القواعد أو القطاعات، بمعنى أنها ستبقى تحت سيطرة وإدارة الجيش السوري، والاستخدام الأميركي لها يكون لأغراض تدريبية، لوجستية، وتنسيقية.

اليوم دمشق قادرة على إدارة علاقاتها مع الدول باستقلالية، وعدم وجود قواعد أميركية في سوريا بالتزامن مع علاقات شراكة وتحالف بين الدولتين، سيكون عاملا مهما في بث الثقة لدى الدول والشركات الاقتصادية الكبرى للدخول إلى سوريا

من ناحيتها، ترى دمشق في الانسحاب الأميركي من سوريا خطوة مهمة في طريق إنهاء ملفات عديدة، أبرزها قانونية الوجود الأجنبي في سوريا، إضافة إلى أن هذا الانسحاب هو ورقة قوة بيد سوريا، فاليوم دمشق قادرة على إدارة علاقاتها مع الدول باستقلالية، وعدم وجود قواعد أميركية في سوريا بالتزامن مع علاقات شراكة وتحالف بين الدولتين سيكون عاملا مهما في بث الثقة لدى الدول والشركات الاقتصادية الكبرى للدخول إلى سوريا، خصوصا إذا ما بدأت خطوات تفعيل عجلة القطار الاستراتيجي النفطي- الاقتصادي على الأراضي السورية.

font change

مقالات ذات صلة