بُعيد إعلان الهدنة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران، بادر البرلمان العراقي إلى انتخاب نزار آميدي، القيادي في "الاتحاد الوطني الكردستاني"، رئيسا للجمهورية. رأى فيه كثير من المراقبين مؤشرا دالا على عودة النفوذ الإيراني إلى الواجهة، بعد سنوات من الجمود القسري الذي فرضته الضغوط الأميركية. وقد بلغ هذا النفوذ الأميركي حدّا وصفه أحد المعلقين بأنه بات قادرا على تعطيل انتخاب رئيس للوزراء بتغريدة واحدة، في إشارة إلى تراجع الإطار التنسيقي عن ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء إثر تعليق الرئيس ترمب على ذلك الترشيح.
ويذهب المطّلعون على الشأن العراقي إلى أن النفوذ الإيراني مرشّح للتصاعد، ولو بصورة نسبية وظرفية، بفعل ما أثبته النظام الإيراني من قدرة على الصمود ورفض السقوط، وما أبدته فصائله العراقية المتحالفة معه من حضور ميداني مؤثر، ألحق أضرارا جسيمة بالمناهضين لإيران في الداخل العراقي، دون أن تنجح أي مؤسسة دولة- حكومة كانت أم برلمانا- في ضبطها أو تجريد أفعالها من غطائها الشرعي الزائف.
وخلال أيام الحرب، نفّذت الفصائل المسلحة العراقية ما يزيد على 700 هجوم داخلي بالصواريخ والطائرات المسيّرة، استهدف نحو 500 منها إقليم كردستان، مخلّفة إصابات في البعثات الدبلوماسية والمؤسسات المدنية ومواقع قوات البيشمركة والشركات النفطية ومعسكرات الأحزاب الكردية الإيرانية. وامتدّت هذه الهجمات لتطال مصالح دبلوماسية وأمنية في سائر أرجاء العراق؛ ففي السادس عشر من مارس/آذار شُنّت عملية عنيفة استهدفت فندق الرشيد في بغداد الذي يحتضن ست بعثات دبلوماسية أجنبية، وبعدها بأيام قليلة أُغير جوا على مقر جهاز المخابرات الوطنية العراقية.
لم تتنصّل فصائل "الحشد الشعبي" والتنظيمات المسلحة الرديفة لها من صلتها بهذه الهجمات؛ بل ذهب فصيل "كتائب حزب الله"- أحد أكبر مكوّنات "الحشد"- إلى حدّ اتهام جهاز المخابرات الوطنية بالارتباط بالموساد الإسرائيلي عبر عناصره الكردية. في المقابل، آثرت الحكومة العراقية والجيش الصمت الميداني، مكتفيَين ببيانات شكلية تؤكد "حياد" العراق وتندّد بالانتهاكات دون أن تترتب عليها أية إجراءات رادعة. وقد ذهبت الولايات المتحدة أبعد من ذلك، متهمة الحكومة بتقديم الغطاء السياسي والأمني لهذه الفصائل.
أما القوى السياسية المعارضة لهذه الفصائل، فلم تتجاوز حدّ الاحتجاج اللفظي؛ إذ اكتفت حكومة إقليم كردستان وسائر الأطراف العراقية بإدانة ما جرى ومطالبة الحكومة الاتحادية بالتحرك، دون أن تُفلح في انتزاع موقف صريح من البرلمان أو من القوى السياسية الفاعلة.

