لبنان يصنع السلام ويتحدى "حزب الله"

إذا نجحت المفاوضات ليس في تطبيع العلاقات بين إسرائيل ولبنان، بل في إعادة قدر من الهدوء، فإن الحكومة اللبنانية ستكون قد حققت انتصارا رمزيا

أ.ب
أ.ب
صور لمقاتلي "حزب الله" الذين قتلوا في غارات جوية إسرائيلية خلال موكب جنازتهم في قرية كفرصير جنوب لبنان، في 21 أبريل 2026

لبنان يصنع السلام ويتحدى "حزب الله"

للمرة الأولى منذ عقود، جلس مسؤولون مدنيون إسرائيليون ولبنانيون وجها لوجه في واشنطن، لإجراء محادثات سلام. وتعد هذه المحادثات، التي عقدت في ظل حرب أوسع مع إيران، بوساطة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وبمهلة هدنة مدتها عشرة أيام منحها الرئيس دونالد ترمب، تاريخية بكل معنى الكلمة. وقد يسهم احتمال تطبيع العلاقات بين الدولتين في تثبيت الجبهة الشمالية لإسرائيل، التي عادت لتشتعل في الأسابيع الأخيرة، رغم ادعاءات إسرائيل السابقة بتحقيق النصر، وفي الوقت نفسه يتيح للبنان أخيرا الخروج من دوامة الأزمات والصراعات المتكررة في المنطقة.

لكن هذه المحادثات، حتى الآن، لا تزال غير مكتملة وهشة على المستوى البنيوي. وتكمن المفارقة الأساسية في أن الحكومة اللبنانية موجودة على طاولة المفاوضات، بينما يغيب "حزب الله" عنها. وفي لبنان، كانت هذه الفجوة بين الدولة وأقوى جهة مسلحة داخلها سببا في انهيار الاتفاقات السابقة، ووصفة متكررة للعنف.

رهان عون المحفوف بالمخاطر

إن استعداد الحكومة اللبنانية للدخول في محادثات مباشرة، هو التطور الأكثر إثارة للاهتمام، والأكثر أهمية أيضا.

كان الرئيس جوزيف عون، الذي انتخب في يناير/كانون الثاني 2026 بعد فراغ رئاسي استمر عامين، حاسما في توصيفه للأمر. فقد وصف "حزب الله" بأنه "فصيل مسلح" قوض مصالح لبنان وكلف مواطنيه حياتهم. كما أبدى رئيس الوزراء نواف سلام، الرئيس السابق لمحكمة العدل الدولية، والمدافع منذ زمن طويل عن السيادة، انفتاحه على أي صيغة تفاوض تنهي الحرب. وهذا ليس مجرد خطاب سياسي، بل يعكس إعادة تموضع حقيقية، وإن كانت هشة، لمركز الثقل السياسي في لبنان.

تدخل القيادة اللبنانية هذه المحادثات غير المسبوقة وهي تدرك تماما القيود التي تواجهها. وحتى لو وافقت على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، فلن تكون لديها قدرة كبيرة على الحد من أنشطة "حزب الله"

الدوافع قاتمة لكنها كاشفة. فلبنان لا يستطيع تحمل عقد آخر ضائع. فمنذ عام 2019، تعيش البلاد انهيارا اقتصاديا حادا، ومرت بانفجار مرفأ بيروت، وانهيار العملة، وتواجه اليوم حربا أودت بحياة الآلاف وشردت مليون شخص. كما أن التمويل الدولي لإعادة الإعمار، سواء من دول الخليج أو أوروبا أو صندوق النقد الدولي، بات مشروطا صراحة بإحراز تقدم نحو نزع سلاح "حزب الله" واستعادة سيادة الدولة. وتدرك القيادة اللبنانية الجديدة أن ثمن الاستمرار في توفير الغطاء للجناح العسكري لـ"حزب الله" هو استمرار تعرض لبنان للنزاعات والانهيار الاقتصادي.

ومع ذلك، تدرك القيادة اللبنانية أيضا حدود موقعها. فعلى الرغم من الخطاب السياسي، ورغم نجاح الحملة الإسرائيلية نسبيا في عام 2024، لا يزال "حزب الله" الطرف الأقوى في لبنان، بل أقوى من الدولة نفسها، بما في ذلك القوات المسلحة اللبنانية، أي الجيش اللبناني الصغير نسبيا. وعلى الرغم من أن الحكومة اتخذت خطوة غير مسبوقة بإدانة أنشطة "حزب الله" العسكرية علنا، بل وإعلان عدم قانونيتها، فإنها لا تملك قدرة حقيقية على تقييد أنشطة "الحزب". فما زال "حزب الله" يمتلك عددا أكبر من المقاتلين وتجهيزا أفضل من الجيش اللبناني، فيما يفرض التوازن السياسي والطائفي الداخلي مزيدا من القيود على تحرك الدولة. ويدرك الرئيس جوزيف عون، وهو قائد سابق للجيش اللبناني، هذه الحقيقة أكثر من غيره. فهو يعلم أن إصدار أوامر بشن حملة واسعة ضد "حزب الله" قد ينقلب عليه بسهولة، إذ قد ترفض بعض وحدات الجيش الامتثال، ما يجعل من أي مواجهة هزيمة قبل أن تبدأ.

رويترز
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وسفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر وسفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض في مقر وزارة الخارجية بواشنطن العاصمة، خلال المفاوضات المباشرة بين اسرائيل ولبنان في 14 أبريل 2026

وبمعنى آخر، تدخل القيادة اللبنانية هذه المحادثات غير المسبوقة وهي تدرك تماما القيود التي تواجهها. وحتى لو وافقت على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، فلن تكون لديها- على الأقل في الوقت الراهن- قدرة كبيرة على الحد من أنشطة "حزب الله"، خصوصا إذا اختار "الحزب" رفض هذا الترتيب بالكامل. وأكثر من ذلك، إذا تحرك الرئيس ورئيس الوزراء بطريقة تهدد مباشرة القدرات العسكرية لـ"الحزب" أو تتجاوز أحد خطوطه الحمراء، فقد يعرضان نفسيهما لانتقام مباشر. ولا يزال اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005، الذي أدين لاحقا عناصر من "حزب الله" بارتكابه غيابيا أمام المحكمة الخاصة بلبنان، لا يزال تذكيرا صارخا بأن "الحزب" مستعد للتخلص حتى من كبار مسؤولي الدولة عندما يعتبرهم عقبة أمامه.

الحسابات القصيرة والطويلة الأمد

في ضوء هذه المخاطر، واحتمالات النجاح المحدودة، يبرز السؤال الحقيقي: لماذا يبدو الرئيس جوزيف عون مستعدا لخوض هذا الرهان؟

أتاح المشهد الإقليمي فرصة محفوفة بالمخاطر للحكومة اللبنانية لإرضاء الجميع، ولو مؤقتا، عبر الموافقة على إجراء محادثات مع إسرائيل

الجواب ذو شقين: أحدهما قصير الأمد، والآخر طويل الأمد. فعلى المدى القصير، تمثل محادثات التطبيع مخرجا من الأزمة التي نشأت بعد الإعلان عن وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران. فعلى الرغم من الاتفاق، أصرت إسرائيل، وبدا أن واشنطن وافقتها الرأي، على أن لبنان غير مشمول بالهدنة، وواصلت عملياتها فيه. وفي المقابل، أصرت إيران على أن لبنان جزء من الاتفاق، وحذرت في البداية من أنها لن تشارك في المحادثات إذا لم يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان، قبل أن تتجاهل لاحقا هذا الخط الأحمر وتشارك رغم ذلك في محادثات إسلام آباد. وعلى الرغم من أن لبنان كان ساحة ثانوية في المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، فإنه تحول إلى مصدر إزعاج متزايد في تلك المحادثات، وواصل التعرض للعنف بينما حصلت المنطقة على فترة قصيرة من الهدوء.

لذلك، شكلت المحادثات المباشرة التي ترعاها الولايات المتحدة وسيلة سريعة لكسب رضا واشنطن، ودفع الرئيس ترمب، الذي يحب الصفقات الجيدة بقدر حبه لفرصة جيدة لالتقاط الصور، إلى الضغط على إسرائيل لوقف القتال. وكان التوقيت مناسبا، فمع أن "حزب الله" عارض المحادثات وهدد حتى بتنظيم احتجاجات ضدها، كانت إيران في الواقع مستعدة لتقبل الأمر الواقع من أجل دفع المحادثات إلى الأمام. صحيح أن الفجوة بين إيران والولايات المتحدة واسعة، لكن من المرجح أيضا أن الطرفين يريان أن استئناف القتال الآن سيكون سيناريو خاسرا للجميع.

رويترز
موقع غارة جوية إسرائيلية نُفذت في 8 أبريل، في كورنيش المزرعة ببيروت، لبنان، 19 أبريل 2026

وفي إسرائيل، بدا أن بنيامين نتنياهو يؤيد استمرار القتال في لبنان، باعتباره وسيلة لمواصلة إضعاف "حزب الله"، والضغط على إيران، وربما حتى إفشال محادثات إسلام آباد. لكن الزعيم الإسرائيلي واجه ترمب الغاضب، الذي يدرك أنه إذا انهارت المحادثات، فسيتعين عليه في مرحلة ما الوفاء بوعده بتصعيد الحرب، وهو ما قد يعني إرسال قوات برية، بكلفة أكبر من الدم الأميركي، وربما من الأصوات الأميركية في الانتخابات المقبلة. وفي غياب وقف إطلاق النار، تمثل الحل الذي طرحه المسؤولون الإسرائيليون في احتمال إنشاء منطقة عازلة جديدة في لبنان، ما قد يورط إسرائيل في احتلال أكثر ديمومة لشريط ضيق من جنوب لبنان. وقد جربت إسرائيل هذا النهج من قبل، لكنه ارتد عليها بصورة كارثية، إذ عزز مكانة "حزب الله" داخل لبنان، وأدى في نهاية المطاف إلى الانسحاب عام 2000.

وفي هذه الأثناء، أتاح المشهد الإقليمي فرصة محفوفة بالمخاطر للحكومة اللبنانية لإرضاء الجميع، ولو مؤقتا، عبر الموافقة على إجراء محادثات مع إسرائيل. وكانت القيادة اللبنانية ذكية بما يكفي لاقتناص هذه الفرصة، وتصرفت بذلك بما ينسجم مع دورها في حماية مصالح اللبنانيين، لا مصالح "حزب الله" أو إيران.

بينما جر "حزب الله" لبنان إلى حرب إقليمية أوسع، خدمةً في المقام الأول لمصالح إيران، كانت الدولة هي التي وضعت حدا للصراع عبر الدبلوماسية

لكنّ لهذه المحادثات أيضا بعدا طويل الأمد. فإذا نجحت، ليس في تطبيع العلاقات بين إسرائيل ولبنان، بل في إعادة قدر من الهدوء، فإن الحكومة اللبنانية ستكون قد حققت انتصارا رمزيا، لكنه ليس ضئيلا. فقد قامت رواية "حزب الله" دائما على أن "سلاحه" هو الضمانة الأساسية لردع التوغلات الإسرائيلية، وبالتالي عنصر جوهري في سيادة لبنان. ويقدم "الحزب" نفسه أيضا بوصفه "المُدافع" عن لبنان. لكن هذه الرواية تعرضت خلال العامين الماضيين لاهتزازات متكررة، سواء بسبب عجز "الحزب" عن ردع التوغل الإسرائيلي وفرض انسحاب إسرائيلي كامل من لبنان، أو بسبب قراره مؤخرا الانخراط في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران رغم أن لبنان لم يكن طرفا مباشرا فيها.

ومن خلال الدخول في عملية تطبيع محفوفة بالمخاطر لكنها محسوبة، تملك الحكومة اللبنانية فرصة لإعادة صياغة هذه الرواية بما ينسجم أكثر مع الواقع. ويمكنها أن تقول إنه بينما جر "حزب الله" لبنان إلى حرب إقليمية أوسع، خدمةً في المقام الأول لمصالح إيران، كانت الدولة هي التي وضعت حدا للصراع عبر الدبلوماسية. فبينما يدفع "حزب الله" لبنان إلى الحرب، ينبغي للدولة أن تقوده إلى الخروج منها.

قد لا تنجح هذه الاستراتيجية، وقد تحتاج أي مكاسب إلى وقت حتى تتبلور. وحتى الآن، لا يزال ميزان الاحتمالات يميل إلى تجدد الصراع أكثر من السلام الدائم. ومع ذلك، فإن الحكومة، إذا نجحت في تقديم نفسها باعتبارها التعبير الحقيقي عن السيادة اللبنانية المستعادة، فقد تتمكن من تهيئة الظروف السياسية والاجتماعية لمواجهة مستقبلية مع "حزب الله" بشروط أكثر ملاءمة. وإذا جاءت تلك اللحظة، فقد يكون بوسعها الاعتماد على امتثال الجيش اللبناني للأوامر، وعلى اقتناع شريحة واسعة من اللبنانيين بأن نزع سلاح "الحزب" ليس طريقا إلى الفتنة الأهلية، بل السبيل الوحيد لمنع حرب أخرى.

font change

مقالات ذات صلة