هل دفعت واشنطن وحدها لبنان إلى التفاوض مع إسرائيل؟

إنه "العصر الأميركي" في الشرق الأوسط، الذي بدأ يقلب المعادلات

أ.ف.ب
أ.ف.ب
نازحون يقفون بجوار خيامهم على طول واجهة بيروت البحرية في 30 مارس 2026

هل دفعت واشنطن وحدها لبنان إلى التفاوض مع إسرائيل؟

دخل لبنان مرحلة تاريخية جديدة في حياته السياسية الخارجية والداخلية، باتخاذه قرار التفاوض مع إسرائيل بغرض إيجاد حل للمشاكل العالقة بينه وبينها. وبدلا من أن يكون لبنان آخر دولة توقع، فقد دخل بوابة البحث عن السلام مع الدولة العبرية. كان للبنان موقف "خشبي" على مدى الأعوام الماضية ومنذ النكبة الفلسطينية، وسجل الآن اختراقا كبيرا ومحوريا بالدخول إلى مفاوضات مع إسرائيل. وبذلك لن يكون آخر دولة بل في منتصف الطريق العربي نحو السلام، بعدما كان بدأه الكثير من الدول العربية قبله بعقود، ثم بسنوات، وفي مقدمتها مصر والأردن والبحرين والإمارات والمغرب وغيرها. أما الدول العربية التي ليس لديها بعد تجربة بالعلاقة مع إسرائيل فمن المتوقع أن تخوضها عاجلا أم آجلا.

إنه "العصر الأميركي" في الشرق الأوسط، الذي بدأ يقلب المعادلات. ويعمل الرئيس الأميركي على هذا التغيير عبر وسيلتين أساسيتين هما: وضع حد للنفوذ الإيراني في لبنان والمنطقة. وها هو يقول لمحطة "CBS" إن إيران وافقت على وقف تسليح وتمويل "حماس" و"حزب الله". ويعمد إلى معالجة الموضوع الإيراني برمته من خلال التفاوض بعد الحرب على إيران، والتي استمرت زهاء شهر ونصف الشهر. وأول تداعيات هذه المعالجة هو فصل لبنان عن إيران، وفصل التفاوض اللبناني عن التفاوض مع إيران التي كانت تتمتع بحيازتها وسيطرتها على لبنان كورقة في يدها، تفاوضا، ودفاعا أمنيا وعسكريا، وإطباقا على سياستي لبنان الداخلية والخارجية. وبالدخول إلى التفاوض هناك عزل للبنان وقراره السياسي عن القرار الإيراني.

يمر لبنان بمرحلة مفصلية ودقيقة، ويدرك الرئيس جوزيف عون ذلك أكثر من غيره وهو لن يفرط بأي حق ولن يتنازل عن أي مبدأ ولا يريد المس بالسيادة

والوسيلة الثانية التي يمر التغيير عبرها، هي فتح قنوات الاتصال اللبناني مع إسرائيل، ورعاية هذا الاتصال بدءا من اللقاء بين السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى معوض والسفير الإسرائيلي لدى واشنطن، وصولا إلى التفاوض الموسع. لبنان يمر بمرحلة مفصلية ودقيقة، ويدرك دقتها أكثر من غيره الرئيس جوزيف عون، الذي قال في خطابه إلى اللبنانيين مساء السابع عشر من أبريل/نيسان الحالي: "إن هناك انتقالا من العمل على وقف النار، إلى العمل على اتفاقات دائمة، تحفظ حقوق شعبنا، ووحدة أراضينا، وسيادة وطننا... نحن واثقون أننا سننقذ لبنان، وواثقون في الوقت نفسه، أننا سنكون عرضة لكل الهجمات لسبب بسيط، هو أننا استعدنا لبنان وقرار لبنان، للمرة الأولى بعد نحو نصف قرن. فنحن اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرر عن أنفسنا، لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبدا. بل عدنا دولة تملك قرارها، وترفعه عاليا، وتجسده فعلا وقولا، من أجل حياة شعبها وخير أبنائها لا غير... هذه المفاوضات ليست ضعفا، وليست تراجعا، وليست تنازلا، بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل. وخصوصا من رفضنا أن نموت من أجل أي كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني ولن تعني التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن". وقال أيضا: "لن أسمح بأن يموت بعد اليوم لبناني واحد، أو باستمرار النزف من أهلي وشعبي، من أجل مصالح نفوذ الآخرين، أو حسابات محاور القوى القريبة أو البعيدة. فبين الانتحار أو الازدهار، أنا وشعبنا مع الازدهار وضد الانتحار"… وأضاف: "أنا مستعد للذهاب حيثما كان لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي. مهمتي واحدة واضحة محددة: أن أنقذ هذا البلد وشعبه"...

أ.ب
صور لمقاتلي "حزب الله" بجانب لوحة إعلانية كبيرة تصور الحرب في الشرق الأوسط عقب الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، خلال مرور موكب جنائزي في قرية كفرصير جنوب لبنان، 21 أبريل 2026

ويعمل لبنان الآن على التحضير للمرحلة الأولى من التفاوض مع إسرائيل. وهي لبحث المسائل العالقة. لذلك يعد لبنان ورقة سيطرحها على طاولة التفاوض. الورقة لم تنتهِ بعد. لكن مسؤولا لبنانيا رفيع المستوى، وقريبا من الرئيس عون أوضح لـ"المجلة" أن "الورقة ستتضمن أربع نقاط أساسية هي: تثبيت وقف إطلاق النار من خلال وقف الأعمال العدائية نهائيا. وعودة الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية. والانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الأراضي اللبنانية التي احتلتها إسرائيل بعد حرب سنة 2024 وبعد حرب 2026، وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود المعترف بها دوليا. وتصحيح الخط الأزرق لكي يصبح متطابقا مع الحدود البرية المعترف بها دوليا".

اللقاء مستبعد مع نتنياهو

وقال المسؤول إن المهم هو التوصل إلى نتيجة في المرحلة الأولى، قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية، وهي بحث الواقع بين لبنان وإسرائيل. واستبعد، أن يتم لقاء في البيت الأبيض يضم عون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، برعاية ووجود الرئيس ترمب. ويفترض اجتياز المرحلة الأولى من التفاوض، ومن ثم البحث بأمور أخرى لاحقا. على أن ذلك لا يمنع زيارة لعون إلى واشنطن.

التخريب على وقف النار يعني التخريب على المفاوضات، و"حزب الله" انكسرت شوكته لذلك يرفع السقف دون حدود، وسلوكه دفع أكثر في اتجاه التفاوض

ولن يكون التفاوض بين لبنان وإسرائيل سهلا بطبيعة الحال. لكن لبنان يستفيد من فرصتين يريد أن يقلبهما لصالحه. وهذا الأمر لن يكون متاحا دائما. أولى الفرصتين وجود ترمب بسياسته الخارجية واستراتيجيته الكبرى تجاه منطقة الشرق الأوسط، ومن بين ذلك لبنان. إنه التغيير الذي يعمل له ترمب تحت عناوين متعددة، في مقدّمها: الدولة وسلطتها تعلو فوق سلطة الميليشيا. وحصر نفوذ إيران داخل حدودها، ومنع انفلاش هذا النفوذ في المنطقة، وجعل لبنان عظيما من جديد. إنه انقلاب حقيقي في موازين القوى، وفي المعادلات التي كانت سائدة عبر عقود من الزمن.

وثانية الفرص، هي في أن ترمب يعمل على تحقيق مقولة الولايات المتحدة المتعلقة بسياستها في لبنان وهي، دعم سيادة الدولة على كامل أراضيها، ودعم استقلال لبنان ودعم جيشه الذي يوفر الاستقرار فيه. ويرى سفير سابق في واشنطن، فضّل عدم ذكر اسمه، أن ترمب اقترب جدا في أدائه، حيال هذه الأهداف، أكثر من أي وقت مضى، من أي رئيس أميركي سابق. حتى إنه يأخذ لبنان على عاتقه لانتشاله من المعوقات التي تقف حجر عثرة، أمام السيادة والاستقلال والاستقرار.

رويترز
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وسفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر وسفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض في مقر وزارة الخارجية بواشنطن العاصمة، خلال المفاوضات المباشرة بين اسرائيل ولبنان في 14 أبريل 2026

لا شك أن الذين يعملون على خط مراقبة استراتيجية واشنطن في المنطقة، يدركون جيدا أن هذه الاستراتيجية بحسب دبلوماسيين بارزين، تقوم أولا على حماية أمن إسرائيل. لبنان يدرك ذلك. لكنه أيضا يدرك أهمية أن يتمكن من حماية مصالحه وثوابته في قيام دولة فعلية، في سياق التطور الجديد في المنطقة، خصوصا إذا جاء برعاية أميركية مباشرة، أخذت في الاعتبار حساسية لبنان تجاه اندفاعات في غير محلها. وتفهم الإدارة الأميركية، أن السلطة اللبنانية، لا يمكنها التخلي عن شبر واحد من الأراضي اللبنانية، ولا يمكنها أن تضيّع أيا من الثوابت التي بُني عليها "اتفاق الطائف"، و"المبادرة العربية للسلام". وفي الوقت نفسه، أكد لبنان شجاعته في اتخاذ خطوة كبيرة بالجلوس إلى طاولة التفاوض مع إسرائيل. أمن إسرائيل يقوم على إزالة التهديد الأمني لها من ناحية لبنان، ومن ناحية إيران. الأمر الذي قاد نتنياهو إلى القول مرارا إن بلاده غيرت وجه الشرق الأوسط.

وتتجه الأنظار بعد بيان وقف النار بين لبنان وإسرائيل برعاية واشنطن الذي دخل حيز التنفيذ ليل الخميس 16 أبريل/نيسان 2026، إلى احتمالات "التخريب" على وقف النار. والجهتان، إسرائيل و"حزب الله"، تجدان رغبة في استكمال الحرب. إسرائيل بدأت بالقصف، واستكملت  "الخط الأصفر" الذي يضم 55 بلدة جنوبية على حدودها، لتحديد حزامها الأمني. والحزب يهدد من جديد ويتوعد، واتُهم بأنه وراء استهداف الجنود الفرنسيين في قوات حفظ السلام (اليونفيل) ومقتل أحدهم. ويعني "التخريب" على وقف النار تخريبا على التحضيرات للتفاوض، بحسب دبلوماسيين. إسرائيل وفق ما قاله أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة نورث كارولينا البروفيسور خضر زعرور لـ"المجلة": "أوقفت النار بضغط هائل من ترمب لكنها لا تتردد في تعكير صفو هذا الاتفاق، متى أرادت. ولن تتوانى عن مبدأ التفاوض تحت النار. أما (حزب الله) فاستفاد من تصعيد إيران في مضيق هرمز، السبت الماضي، لتصعيد مواقفه في لبنان، وضد وقف النار. فالتحقيق جارٍ حول استهداف الكتيبة الفرنسية في الجنوب. لكن التهديدات واضحة. انكسرت  شوكة (حزب الله)، لذلك يرفع السقف دون حدود. الأمر الذي يدل على عمق تأثره بذلك. إن الأيام العشرة لتنفيذ اتفاق وقف النار بالغة الأهمية في مسار التحضير للتفاوض. وخلالها من المفترض أن تحصل تطورات كبيرة. مع توقع التمديد لوقف النار لأيام أخرى".

عندما أوقف ترمب إسرائيل، أعطى جرعة قوية جدا للحكومة اللبنانية، التي بات بإمكانها القول إن الدبلوماسية جاءت بنتيجة لم تأتِ بها الحرب

أما الدولة فتعتبر أن مواقف "الحزب"، هي مواقف إيرانية ودعا عون إلى "لبننتها" (جعلها لبنانية). لكن هل الولايات المتحدة وحدها هي من أثر على لبنان للتفاوض مع إسرائيل؟ أم إن "حزب الله" وسلوكه هو من رمى لبنان على التفاوض ودفعه بطريقة غير مباشرة إلى هذا المكان؟

يقول البروفيسور زعرور إن "حزب الله" ساهم في الذهاب إلى التفاوض من خلال سياسته وقراراته، وفرضه ضغوطا كبيرة على الدولة. و"جاءت لـ(الحزب) فرص كثيرة لتسليم السلاح لكنه أضاعها. ما زاد الضغوط على لبنان من كافة الدول الكبرى نتيجة سلوكه كفصيل مسلح غير قانوني وغير شرعي. وهدف إلى السيطرة على قرارات الدولة منذ عام 2000. ولا يزال يعاند في تسليم سلاحه للدولة حتى الآن. والآن هو يقوم بردة فعل قاسية تجاه الدولة ورئيسها، ولجأ إلى مزيد من المواقف الأكثر تصلبا، لأنه أدرك أن التطورات ستنزلق من يده. وأي إضعاف للعملية التفاوضية، هي إضعاف للدولة، والتي لن يقبل بها الراعي الأميركي".

أ.ب
نازحون يعبرون سيراً على الأقدام فوق جسر مدمر أثناء عودتهم إلى قراهم عقب وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل، في قرية طير فلسي بالقرب من مدينة صور، جنوب لبنان، الأحد 19 أبريل 2026

ويدل تصعيد "حزب الله" أيضا، على أن هناك خيطا رفيعا، لا يزال يربط المسار اللبناني بالمسار الإيراني، على الرغم من نجاح السلطة اللبنانية في الذهاب بعيدا في فصل المسارين برعاية أميركية. ونجاح الفصل التام بينهما سيعود إلى النتائج النهائية للتفاوض الأميركي-الإيراني. كما سيعود إلى الطريقة التي سيعتمدها ترمب مع "حزب الله"، وهو قال إنه "سيتعامل مع هذه المسألة". ويقول المحلل السياسي في الشؤون الأميركية وشؤون الشرق الأوسط من واشنطن، سعيد بستاني، لـ"المجلة"، إن "الأمور ذاهبة إلى التمديد لوقف إطلاق النار لأن ترمب لم يعد يريد الحرب. وستحصل ضغوط على الحكومة اللبنانية لنزع السلاح، أو أقله لتقييد هذا السلاح. ومع الضغوط سيتم عرض تسهيلات على سبيل الإعمار والمساعدات. وكلها تدخل في إطار حل مشكلة (حزب الله)، لأنه لا مساعدات دون نزع السلاح. ثم سيكون هناك دور أميركي مباشر. هذه المرة لن يعتمد الأميركيون على الأمم المتحدة".

وأوضح أن "ترمب تجاوز الأطر التقليدية والأممية مثل القرار 1701، وذهب مباشرة لصالح اتفاق أمني وإشراف أميركي فني وعسكري. كما أنه اعتمد دبلوماسية الصدمة. ولعب على نوع من الضغوط المتوازية، للدفع بالمفاوضات التي أُعلن عنها، وهي لم تحصل بعد، بطريقة سريعة. فاستغل الضغط الإسرائيلي، وقدم عرضا سياسيا مغريا للبنان، يتضمن مساعدات وإعادة إعمار وغيره. ثم عندما شعر أن في لبنان قبولا للتفاوض، ضغط على إسرائيل وأوقف الحرب. كذلك، من جهة هناك محاولة فصل (حزب الله) عن التوافق الإقليمي الذي يحصل مع إيران، كمقدمة لإضعاف النفوذ الإيراني بلبنان. بالمقابل حاولت إيران أن تُشمل لبنان بالاتفاق للحفاظ على تمددها ونفوذها بالمنطقة. نحن نرى العمل على الملف النووي، لكن قريبا جدا ولدى الانتهاء منه، ستتم مناقشة أذرع إيران والصواريخ الباليستية. وفي الوقت نفسه منع ترمب إسرائيل من التصعيد، لأنه إذا لم يوقف إسرائيل لا يمكنه نزع الذريعة من (الحزب) إزاء التصعيد".

وأضاف: "عندما أوقف ترمب إسرائيل، أعطى جرعة قوية جدا للحكومة اللبنانية، التي بات بإمكانها القول إن الدبلوماسية جاءت بنتيجة لم تأتِ بها الحرب. وهذا الموضوع يقدمه ترمب كصفقة سياسية-دبلوماسية تلقى دعما قويا منه. وهذا يطلق عملية لسحب السلاح، بالتزامن مع التفاوض مع إيران. وعلى الدولة إيجاد طريقة لذلك". واعتبر أن "خلفيات التفاوض ليست سياسية وأمنية فحسب، بل ستكون لها أبعاد اقتصادية متصلة بالغاز والنفط".

font change

مقالات ذات صلة