تجارب شعرية في غزة تتحدى الانفعالات السريعة و"الترند"

الكتابة في ظل اللحظة الرقمية

EYAD BABA / AFP
EYAD BABA / AFP
طفل فلسطيني يحمل كتابا بين أنقاض منزل في مخيم النصيرات، 29 أبريل 2025

تجارب شعرية في غزة تتحدى الانفعالات السريعة و"الترند"

تحت وطأة الحرب، تصبح الكتابة استجابة جماعية للصدمة، أو فعلا تعويضيا عن العجز. في حرب غزة، تكدست منصات التواصل بتدفق تعبيري غير مسبوق تنوع بين شذرات، ومقاطع قصيرة، وما يشبه القصائد. كانت اللغة تلهث خلف الحدث، تحاول توثيق المشاعر بتلقائية، وتنقل إحساس الامتثال لأشكال الرعب والفقد والجوع والتشتت التي خلفتها قسوة الحرب. الكثير مما كتب ويكتب، يرى نقاد وشعراء أنه يفقتر إلى اشتغال أدواتي لصنع قصيدة، مما أفرز مفارقة حادة بين نص الصدمة المندفع، ونص الأثر الذي يحاول الحفاظ على المعنى واستمرارية تداوله.

من اللافت أن المنصات الرقمية فرضت شروطها على الأدب، إذ كافأت الخوارزميات النص السريع، ذلك الذي يسهل تداوله واقتباسه. فصعدت نصوص تعتمد المباشرة الفجة، بجمل مكتنزة بالعاطفة الخام، سهلة الترجمة والعبور نحو "الترند". هذه النصوص ينصفها بعض آخر، فيرى أنها أدت وظيفتها كوثيقة بقاء وصرخة احتجاج آنية، وإن ظلت أسيرة اللحظة، وافتقدت الوسيط الجمالي الذي يمنحها الصمود داخل عالم الشعر. القلق الحقيقي الذي عبرت عنه أصوات خجولة خلال الحرب، يكمن في تهميش النص المشتغل عليه شعريا، ذلك الذي لا يرضى بأن يكون مجرد صدى للحدث.

في ظل هذا الصعود لنصوص بعينها، اختفت نصوص أخرى، قل تداولها، بفعل الاستسهال والتراخي من القائمين على منصات النشر والترجمة، وكذلك بفعل العلاقات الإنسانية بين من يكتب ومن ينشر. فهناك العديد من الشعراء في غزة لم تأخذ نصوصهم المكانة التي تستحقها في التوثيق والنقل حول مأساة الإنسان بغزة خلال الحرب.

هذا الواقع يطرح على الشعر أسئلة يتعلق بعضها بجدوى الكتابة نفسها، وبعضها الآخر بما إذا كان يمكن كتابة نص يتجاوز اللحظة الآنية ويبقى بالفعل كوثيقة على المأساة الإنسانية.

لصوص المعنى

تكتب الشاعرة سمية وادي، ضمن تقليد شعري رصين، فلا تزال تلتزم التفعيلة التي يعتبرها البعض قيدا، لكنها بالنسبة إليها ميزان جمالي للسيطرة على فوضى المشاعر. في قولها: "وهذا الموت يشبهني وأشبهه"، يتجلى توازن دقيق، الموت هنا ليس مشهدا خارجيا، بل إعادة تعريف للذات من الداخل. هي ترفض الارتكان للصدمة البصرية، وتذهب نحو بناء علاقة جديدة مع الفكرة.

المسألة الفلسطينية بحاجة لخطاب شعري متمكن، وهذا لن يتحقق بفعل عشوائي انفعالي، وإنما بنقل صورة شعرية متمرسة

 وفي موضع آخر، تقول: "كأن الكون حين يصب كأس الحزن/ من عيني يغرفه"، لتنقل الألم من حيزه الشخصي الضيق إلى نظام كوني شاسع، مستخدمة صورا واضحة لكنها محملة طبقات تطلب من القارئ جهدا معرفيا لا تمنحه الخوارزمية.

تقول وادي: 

"المدينة في المقبرة،

المشرحة داخل المشفى،

الملابس على الدماء،

يمشي الرجال يشيعون الموتى،

يشيعون أنفسهم بعد قليل..

لا خوف من الموت،

نخاف من هيئة الموت…

أشلاء، إعداما،

وحدنا،

أمام الكاميرا وريلز جديد!

يمشي الزمان كأنه حفرة،

تسقط فيها غزة مترا مترا".

أما الشاعر محمد الزقزوق، فيصل  إلى منطقة المواجهة مع "سارقي المعنى". في نصه، تبرز محاولة جادة لحماية الضحية من التشييء، لمنعها من  التحول إلى مجرد أيقونة للاستهلاك الخطابي. يقول: "لست الصياد ولا البندقية، أنا قلب الضحية".

SAID KHATIB / AFP
الفنانة الفلسطينية علاء محمود الزناتي تعرض أعمالها بأسلوب الكويلينغ في منزلها في مخيم خان يونس، 2 مارس 2021

فمن الراسخ أن المسألة الفلسطينية في حاجة لخطاب شعري متمكن، وهذا لن يتحقق  بفعل عشوائي انفعالي، وإنما بنقل صورة شعرية متمرسة، مجبولة بأدوات الشعر وحرفيته. 

وفي وقت يصر الزقزوق على التمسك بمربع الإنسانية الأول، بعيدا من أدوات العنف. يقدم خطابا شعريا محبوكا، لغويا وإيقاعيا، ومحملا موسيقاه الخاصة. فحين يصرخ: "أيتها الحوانيت التي فر منها الصوت واللغة"، فهو يضع إصبعه على ذروة الاغتراب، حين يعجز الكلام عن ملاحقة الفراغ الذي يتركه الموت. ويتحقق المراد الشعري بفعل خبرته في الكتابة وليس فقط في نقل المعنى. 

وفي مفارقة حادة يقول: "في يدي كانت السكاكر، والأسوار، والقيود". هذا التكثيف الذي يجمع بين براءة السكاكر وقسوة القيد، يمنح النص صمودا جماليا، فهو يدين "الأفاقين" الذين سلبوا الضحية خصوصية وجعها وأعلوا باسمها "نشيدا" يرقصون حوله.

كتب الزقزوق أيضا:

"كل يوم،

يختفي وجه

من تلك الوجوه التي أصادفها:

وجه بائع الخضر،

بائع السجائر،

المرأة التي في الجوار...

أين يذهبون؟

ينسلون من الحياة

كما تنسل القطارات من المحطات،

بلا وداع، بلا صوت،

أجلس كل مساء 

في وحدة صمتهم وأقول: 

ماذا افعل بهذا القلب 

وكل الصور التي فيه أكلتها الحرب؟".

إعادة تدوير الألم

​ينطلق  الشاعر رائد إشنيوره من زاوية نفسية، يكتب أثر الحدث لا الحدث نفسه. جملته: "الممر الوحيد المتبقي بيني وبين العالم هو الصداع"، تذيب الحدود بين الجسد والخارج. الألم هنا هو وسيلة الإدراك الوحيدة. وحين يفكك رمزية النزوح بقوله: "الخيمة فكرة هشة، تحاول إقناع الريح بأنها جدار"، يكشف عن بنية "المؤقت" الذي يسكننا.

يحول إشنيورة الانفعال العابر إلى فكرة صلبة تتحرك داخل النص، مانحا القارئ حالة لا مشهدا

لا يتوقف إشنيورة عند رصد الألم، بل يذهب نحو تأثيث الفراغ الذي يتركه الفقد. ويعمل بتجريب شعري من أجل إبراز المفارقات بطريقة ذكية.

Ebrahim Hajjaj / REUTERS
المؤثر الفلسطيني من ذوي الإعاقة السمعية باسم الهبل يوثق الحرب بلغة الإشارة في مدينة غزة، 5 أغسطس 2025

 في جملته: "كل ما نجوت منه، صار يسكنك"، يقلب موازين النجاة التقليدية. النجاة هنا ليست خروجا من الدائرة، بل هي عملية تفنيد للكارثة. النص يشتغل على "النجاة" بوصفها عبئا، حيث تتحول الأمكنة المدمرة والوجوه الغائبة إلى سكان دائمين في وعي الناجي. رائد يمارس نوعا من "إعادة  ترتيب الهشاشة"، دون تعقيد أو ابتذال. إذ يحول الانفعال العابر إلى فكرة صلبة تتحرك داخل النص، مانحا القارئ حالة لا مشهدا، وهو ما يجعل قصيدته عصية على النسيان السريع، لأنها لا تكتفي بوصف الحطام، بقدر ما تعيد بناءه داخل الذاكرة كوجع مقيم.

مما كتب إشنيوره: 

"أجلس على حافة الضوء، أراقب نفسي تتفتت

أرى الحرب التي استقرت في دمي للأبد

ثم أسمع قلبي يقول لي بصوت متعب يشبه بكاء آخر الغيم:

كل ما نجوت منه، صار يسكنك.

فأبتسم ..

ابتسامة صغيرة جدا

كأنني أضع وردة على قبر

أعرف أني صاحبه!".

الخروج عن المتوقع

​أما الشاعر المكرس عثمان حسين، فينشغل بسؤال الزمن داخل الكارثة. الوقت في نص عثمان فقد وظيفته الطبيعية: "الأيام تدفع بعضها، تتدافع ككائنات ممسوخة لا ظلال لها". هو يكتب عن تلاشي المستساغ، عن المفاتيح التي فقدت أبوابها، وعن "جثة الوقت" الملقاة في الطريق. هذا الاشتغال يتطلب كتابة أبطأ، تأملا يغوص في تحولات الإدراك البشري حين يفقد المكان ثباته. ذلك البطء هو ما يجعل للشعر مكانا في العالم، دون قيد زمني. 

OMAR AL-QATTAA / AFP
طفلة فلسطينية نازحة تكتب داخل ملجأ في مجمّع كنيسة العائلة المقدسة في مدينة غزة، 3 ديسمبر 2025

ويذهب عثمان حسين إلى منطقة أكثر قسوة في تعامله مع الموجودات، حيث تفقد الأشياء ألفتها وتتحول إلى كتل من الفراغ. في قوله: "أحمل في حقيبتي مفاتيح بلا أبواب"، تبرز مأساة المعنى الذي فقد وظيفته. عثمان لا يكتفي بوصف النزوح كفعل فيزيائي، بل يصفه كفعل تجريدي يفرغ الإنسان من صلته بالمكان.

يكتب عثمان حسين:

"الخيمة مأواي و فسحتي، مفتاحها حبل مربوط في قدمي حبيبتي، و أنا أروض شوارع الخيام كي تتقبل خطاي، أشحنها بذكريات جديدة معجونة بحزن جديد".

​ كسر التوقع الفكري

لعل من وظائف الشعر، إحداث الصدمة، وقتل ثبات الأشياء، وتدوير وجودها. في إطار ذلك ​يذهب الشاعر سائد السويركي نحو طرح تساؤلات قلقة، تهدم اليقينيات السهلة. قوله: "لا نحب الحياة لأننا لا نعرفها"، يمثل صدمة معرفية، تشكيكا في تجربة لم تكتمل أصلا. هو يكتب بنبرة فكرية واضحة، تفكك الرموز التقليدية لتعيد بناءها. الشجرة التي كانت وطنا، دمرها "حمقى يلعبون بالكبريت". سائد لا يسعى للتهدئة، نصوصه تحرض على مساءلة القيم ذاتها: "على الأرض ما يستحق الموت". هنا يقلب ما هو حتمي إلى ما هو قابل للمساءلة، في مشهد عكسي لما كتبه محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". 

يبقى السؤال معلقا، حين تصمت الحرب، أي لغة ستكون قادرة على حمل ثقل كل هذا الخراب؟

يأتي شعر السويركي نقديا للحالة العامة، يفرز ما هو مختلط، ليقدم طرحا فكريا يطرق خزان ما هو متداول. تلك الرغبة في قلب مكونات الغرفة هي محاولة لإيجاد باب للخروج، في وقت تحولت البلاد إلى سجن كبير.

كتب السويركي: 

"وأرى يا أمي فيما يرى الميت أننا غرباء، لا غزة التي تعرفين ستعرفين، ولا البسطاء يفترشون مصاطب ظلهم للغناء، فقط أرى فيما يرى الميت صف أشجار في مقبرة الشهداء، وغريبة أعدت سرير موتها على عجل قبل أن نفهم كيف ولماذا".

Omar AL-QATTAA / AFP
خيام لنازحين قرب ميناء مدينة غزة قبل الغروب، 26 مارس 2026

يبقى الرهان الحقيقي كامنا في الاشتغال على الشعر لا مجرد الاشتغال بالشعور. المأساة ليست في النوع، بين قصيدة النثر أو تفعيلة، بل في استسهال اللغة وتحويلها إلى أداة انفعالية آنية. النصوص التي بنيت على خبرة ووعي باللغة، مثل تجارب الشعراء أعلاه، وغيرهم من شعراء غزة المتمرسين، هي التي تمتلك القدرة على البقاء كأثر فني وتاريخي، بينما تذوي النصوص السريعة مع انطفاء وهج اللحظة الرقمية. يبقى السؤال معلقا، حين تصمت الحرب، أي لغة ستكون قادرة على حمل ثقل كل هذا الخراب؟

font change