"اليمين الدرزي الجديد"... بين وهم الحماية وضياع البوصلة

في الرد على قراءات سياسية تقترح للدروز دورا مناقضا لتاريخهم

 أ ف ب
أ ف ب
جدارية يظهر عليها رسمان للزعيم اللبناني الدرزي كمال جنبلاط وللزعيم السوري الدرزي سلطان باشا الاطرش في بلدة بيت جن في الجليل الاعلى في 16 نوفمبر

"اليمين الدرزي الجديد"... بين وهم الحماية وضياع البوصلة

في كل مرحلة مفصلية من تاريخ هذا الشرق، لا تُطرح الأسئلة الكبرى على الدول فحسب، بل على الجماعات أيضا. غير أن الفارق اليوم يكمن في أن التحولات الإقليمية الكبيرة والمتسارعة لا تحتمل قراءة سطحية أو سرديات عاطفية.

نحن أمام شرق أوسط يتغير بسرعة غير مسبوقة، حيث تتبدل التحالفات، وتتقاطع المصالح، وتُعاد صياغة موازين القوى. وفي مثل هذا السياق، يستعيد المثل الشعبي البسيط معناه العميق: "عند اختلاف الدول، احفظ رأسك".

 أ ف ب
مسلحون دروز في مدينة السويداء بعد انسحاب القوات الحكومية منها في 17 يوليو 2025

غير أن "حفظ الرأس" لا يعني فقدان البوصلة، ولا التحول إلى مشاريع عابرة للحدود، ولا التخلي عن الهوية. بل يعني، ببساطة، اعتماد خيار الحياد الذكي، مع التمسك بالثوابت الرئيسة: الانتماء إلى الأرض– أي الجغرافيا. والحفاظ على الإرث- أي التاريخ والدور.

الدور التاريخي للدروز: جغرافيا صنعت السياسة

لم يكن الدور التاريخي للدروز يوما نتاج نزعة انعزالية أو مشروع خاص، بل كان انعكاسا مباشرا لموقعهم الجغرافي في قلب التفاعلات الكبرى. من جبل لبنان إلى جبل العرب، كانوا دائما جزءا من الفضاء العربي الواسع، يتفاعلون معه ويؤثرون فيه.

هذا الانتماء لم يكن يوما انغلاقياً أو أيديولوجياً ضيقاً، بل أقرب إلى ما وصفه كمال جنبلاط بـ"العروبة الحرة المنفتحة"؛ عروبة ترفض الذوبان في "السجن العربي الكبير"، أي الارتهان للأنظمة، دون أن تتخلى في الوقت نفسه عن البعد الحضاري والإنساني للمذهب التوحيدي.

هذا الإرث ليس طارئا، بل يعود إلى جذور الدعوة نفسها التي بدأت في زمن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، حيث كان دعاة حمزة بن علي ينتمون إلى كبرى القبائل العربية، مثل: أبو إبراهيم إسماعيل بن محمد بن حامد التميمي، وأبو عبد الله محمد بن وهب القرشي، وأبو الخير سلامة بن عبد الوهاب السامري، إضافة إلى القائد السياسي والعسكري البارز الشيخ بهاء الدين الطائي السموقي. أي إنهم ينتمون إلى كبرى القبائل العربية (بني تميم، قريش، السوامرة، بني طي). والدروز أنفسهم يعودون بنسبهم الى قبائل كالبحتريين والتنوخيين والأرسلانيين والحمدانيين على سبيل المثال.

ومنذ ذلك الحين، تشكّل الوعي الدرزي على مزيج من الانتماء العربي، والخصوصية الروحية، والبرغماتية السياسية.

بين الحقيقة والتضليل: هل خاض الدروز مغامرات؟

خلافا لما يروج له البعض، لم يكن الدروز يوما أهل مغامرات عسكرية أو مشاريع توسعية أو أداة لمشاريع تقسيمية. تاريخهم الحديث يثبت أنهم لم ينخرطوا في القتال إلا عندما كان وجودهم مهددا بشكل مباشر.

في ثمانينات القرن الماضي، جاءت معارك الجبل في لبنان في سياق صراع وجودي ولتثبيت حرية وانتماء لبنان العربي. وفي عام 2008، انتهت المواجهة العسكرية السريعة مع "حزب الله" بإعادة التموضع السياسي نحو الوسطية، في ظل الانقسام السياسي الحاد آنذاك بين معسكري 8 و14 مارس/آذار، في خطوة عكست برغماتية واضحة وبعدا عن الصدامات العسكرية.

في مقابل ذلك، وإذا أردنا الحديث عن "المغامرات السياسية والعسكرية" وأثرها على الجماعة، فمن الأجدر النظر إلى نماذج أخرى في المنطقة. فخلال العقدين الماضيين، تورّط "حزب الله" على سبيل المثال في ثلاث حروب إقليمية تحت شعارات مختلفة: دعما لنظام الأسد في سوريا، ونصرة لغزة، وإسنادا لإيران.

جنوب سوريا 2025: التخلي عن الإرث التاريخي

ما جرى في جنوب سوريا صيف عام 2025، وبعيدا عن التوصيف والمسؤولية، يشكّل مثالا واضحا على خطورة الانحراف عن النهج التاريخي للموحدين. فعوض الدخول في تسوية سياسية تاريخية في لحظة مفصلية شديدة الحساسية، اختار بعض القيادات الدرزية– وباعترافها– الانخراط في مشروع إسرائيلي غير واضح المعالم. النتيجة كانت كارثية على الدروز: خسائر بشرية كبيرة، احتلال قرى، تهجير واسع، سقوط مبدأ حماية الجماعة... والأهم: ضرب للصورة الوطنية الجامعة التي جهد الدروز في بنائها عبر عقود.

أما الأخطر من ذلك فهو تدمير الإرث التاريخي الكبير لدروز سوريا... واختزاله بتجربة تشبه إلى حدّ كبير ما كان يُعرف بـ"جيش لبنان الجنوبي"، أي دور حرس الحدود الذي حمى المستوطنات الإسرائيلية أواخر القرن الماضي، وما سيحمله ذلك من تداعيات أخلاقية وسياسية في المستقبل.

القومية الدرزية: مشروع لضرب الهوية الحضارية التاريخية الأصيلة

تزامنت هذه الأحداث مع محاولة منهجية من قبل دولة إسرائيل للتأسيس لما يُسمى "القومية الدرزية".

كما تقاطعت مع "نهضة درزية مزعومة" برزت بشكل خاص من خلال ناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، لم تنبع من تطور طبيعي داخل المجتمع، بل كانت الجزء المكمّل لمشروع سياسي يسعى إلى توظيف الواقع الجغرافي للدروز– خصوصا في جنوب سوريا وجبل الشيخ– خدمة لأجندات تفاوضية إسرائيلية مرحلية.

فكرة إخضاع الدروز لـ"فحوصات وطنية" ليست مسألة تاريخية أصلا. فموقعهم في بلاد الشام كان، تاريخيا، موقعا متقدما ومؤثرا وجزءا من النخب الحاكمة

المفارقة أن هذا الطرح يتناقض جذريا مع تاريخ الدروز، الذين يعرفون عن أنفسهم أنهم مذهب إسلامي ولم يكونوا قومية أبدا، ولم يسعوا يوما إلى بناء كيان منفصل عن محيطهم الوطني الطبيعي، بل كانوا دائما جزءا من نسيج أوسع، يتفاعلون معه دون أن يذوبوا فيه. أما العلاقات العابرة للحدود فهي في قاموسهم علاقات ذات بعدٍ روحي اجتماعي لا أكثر ولا أقل.

اليمين الدرزي الجديد: المظلومية كمدخل لسردية مختلقة


هنا نصل إلى ما يصح تسميته بـ"اليمين الدرزي الجديد". فبعض الأصوات الأكاديمية والثقافية بدأت في صياغة سردية يقوم على ثلاث ركائز: الدروز ضحية دائمة لـ"اختبار الوطنية"، والدروز أقلية مضطهدة من الأكثريات، والدروز بحاجة إلى الحماية الخارجية. فأين ومتى طُلب من الدروز تقديم شهادة في الوطنية؟ وأين ومتى طالب الدروز بحماية خارجية؟ وهنا لا نتحدث عن التحالفات أو أشكال الدعم السياسي، كما حصل في مراحل سابقة مع الاتحاد السوفياتي.
لكن فكرة إخضاع الدروز لـ"فحوصات وطنية" ليست مسألة تاريخية أصلا. فموقعهم في بلاد الشام كان، تاريخيا، موقعا متقدما ومؤثرا وجزءا من النخب الحاكمة، ولم يتراجع إلا مع صعود المشروع الاستعماري منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى مطلع القرن العشرين. هذا المشروع هو الذي قسّم الدروز بين أربع دول، وفرض واقع الجولان، وأنتج الاختلالات البنيوية التي يعانون منها اليوم في مجتمعاتهم المختلفة. لذلك، لم يكن خيار الدروز تاريخيا لوم المجتمعات التي يعيشون فيها، ولا تبني سرديات ثقافوية سطحية كما يفعل بعض "الاستشراقيين الجدد" ومنظّري اليمين، بل مواجهة السبب الحقيقي للأزمة: النظام الاستعماري نفسه الذي أعاد تشكيل المنطقة منذ عشرينات القرن الماضي.

 أ ف ب
دروز ينتظرون قرب السياج الحدودي عند بلدة مجدل شمس في الجولان السوري المحتل، للعودة الى سوريا بعد انسحاب قوات دمشق من السويدا في 17 يوليو

هذا الخطاب، الذي يحاول دعاته صبغه بالواقعية، يتقاطع بشكل لا يقبل الشك مع "القومية الدرزية" المُختلقة التي بدأت الدوائر الإسرائيلية بالترويج لها بالتزامن مع سقوط نظام الأسد وخطابات القادة الإسرائيليين الداعية لحماية دروز سوريا... إضافة إلى "النهضة الدرزية الإعلامية".

من يملك الجرأة الفكرية والسياسية، عليه أن يعلن موقفه بوضوح. فمن يريد أن يكون جزءا من المشروع الذي تقوده إسرائيل، فليقل ذلك صراحة

وليس صدفة أن هذا الخطاب يعود كل فترة بلغة مهادِنة تجاه إسرائيل، متلطيا خلف شعارات السلام. ما يُطلب فعليا من الدروز هنا هو إعادة إنتاجهم كأقلية منزوعـة الإرادة، تبحث عن الحماية تحت مظلة الأجنبي، لا كفاعل تاريخي يمتلك قراره ويواجه شروطه.
إذن، المصدر واحد، وإذا عرف السبب بطل العجب.

خطورة هذا الخطاب أنه ينزلق بسرعة نحو تبرير خيارات سياسية خطيرة، وضعت بعض الدروز في مواجهة مع إرثهم التاريخي أولا، ومع محيطهم العربي والإسلامي ثانيا. فبدلا من أن يكون خيارهم "المنطقي" معارضا لنظام سياسي قائم قد يتغير في المستقبل، وضعوا أنفسهم في خيار "انتحاري" معادٍ لمحيطٍ بشري يمتد من دمشق إلى إسلام آباد، وهو محيط لن يتبدل أو يتغير.

المواجهة بين إرثٍ الماضي وخياراتٍ مرفوضة

لا أحد ينكر حق أي فرد أو مجموعة في اختيار موقعها السياسي، لكن هذا الحق لا يلغي المسؤولية التاريخية. فالدروز، عبر تاريخهم، لم يبنوا مكانتهم على وهم الحماية الخارجية، بل على توازن دقيق بين الانفتاح والحذر، وبين الانتماء والاستقلالية، إضافة إلى ما يُعرف بـ"حروب الضرورة".
إن الرهان على قوة خارجية لحماية جماعة صغيرة في شرقٍ متقلب ليس خيارا استراتيجيا، بل مغامرة مكلفة، وضياع لبوصلة الحسابات الدقيقة في اللحظات المصيرية. والتاريخ، القريب والبعيد، مليء بالأمثلة.
أما الحقيقة، فقد تكون بسيطة: من يملك الجرأة الفكرية والسياسية، عليه أن يعلن موقفه بوضوح. فمن يريد أن يكون جزءا من المشروع الذي تقوده إسرائيل، فليقل ذلك صراحة، بدلا من تغليفه بـ"مظلومية مختلقة" أو "تحرر من سلطة أبوية وهمية"، وليتحمل تبعاته.
في المقابل، للأكثرية كامل الحق في مواجهة هذا المشروع، وفي التمسك بالإرث التاريخي والسياسي والنضالي الذي كان، على الدوام، مصدر استقرار وحماية وفخر. وهو إرثٌ لم يُبنَ على رهانات خاطئة، بل على فهم عميق لمعادلات القوة، إرث يقوم على الانتماء إلى الأرض، والانخراط في الفضاء العربي الأوسع، دون الوقوع في فخ الشعارات الوهمية أو المشاريع الفاشلة.
هذا الإرث لن يعتذر عنه الدروز، ولن يتخلّوا عنه.

font change

مقالات ذات صلة