لبنان... "السلام" البعيد والرغبات الأميركية المعلّقة

ضمانة ترمب وهوامش نتنياهو وعزلة "حزب الله"

أ.ف.ب
أ.ف.ب
يتصاعد الدخان من المناطق المستهدفة في بلدة شوكين في محافظة النبطية جنوب لبنان، عقب غارة جوية في 26 أبريل 2026

لبنان... "السلام" البعيد والرغبات الأميركية المعلّقة

بدا خلال اليومين الماضيين أن الهدنة في لبنان قد انهارت أو هي على وشك الانهيار بفعل الهجمات الإسرائيلية المتصاعدة في الجنوب والبقاع، وخارج منطقة "الخط الأصفر" التي أقامتها تل أبيب على طول الحدود، وفي المقابل فإن "حزب الله" يردّ باستهداف تجمعات الجنود الإسرائيليين داخل الأراضي اللبنانية، كما يطلق مسيّراته "النوعية" نحو الشمال الإسرائيلي، وهو ما يرسم معادلة عسكرية جديدة، أو قواعد اشتباك جديدة، من ضمن الهدنة الهشة والمهددة بالانهيار في أي لحظة.

إلا أنّ ما كشفته "القناة 12" الإسرائيلية الاثنين عن أن دونالد ترمب أكد، في اتصال هاتفي مع بنيامين نتنياهو الأحد، ضرورة استمرار وقف إطلاق النار في لبنان، يؤكد أن الضمانة الأكبر لعدم العودة إلى وتيرة الحرب السابقة، أقله في المرحلة الراهنة، هي ترمب نفسه.

وهذا جدال مستمر في إسرائيل بين المستويين السياسي والعسكري، في وقت يضغط سكان "الشمال" لحسم المعركة ضد "حزب الله" وتحييد "الخطر" نهائيا. لكن عمليا فإن المستوى العسكري نفسه لم يتعامل مع جبهة لبنان كما لو أنها من دون مخاطر كبرى وتحديدا لجهة احتمال تحولها إلى حرب استنزاف تبعد الحسم وتحول "النصر المطلق" إلى مأزق استراتيجي لإسرائيل بالرغم من "إنجازاتها" التكتيكية، واستطرادا بات من المعلوم أنه لا يمكن الأخذ كثيرا بتصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عالية السقف إجمالا، أو بالحد الأدنى يفترض مقارنتها بالتصريحات والتسريبات الصادرة عن الجيش.

تحيّن إسرائيل الفرصة بين الهدنتين للتصعيد، يعيد الإضاءة على هامش التحرك المعطى لها من قبل إدارة دونالد ترمب، تحت سقف عدم جر إيران إلى رد، قد يعيد الحرب الإقليمية إلى المربع الأول


بيد أنه في مطلق الأحوال فإن تحيّن إسرائيل الفرصة بين الهدنتين للتصعيد، يعيد الإضاءة على هامش التحرك المعطى لها من قبل إدارة دونالد ترمب، تحت سقف عدم جر إيران إلى رد، قد يعيد الحرب الإقليمية إلى المربع الأول، وهو ما يختبر في المقابل قدرة إيران على الربط بين جبهتها والجبهة اللبنانية، في مقابل الدفع الأميركي والإسرائيلي إلى فصلهما، ناهيك بالموقف الرسمي اللبناني والذي لا يمكنه القبول بأن يكون ملف لبنان جزءا من المفاوضات الأميركية الإيرانية، وإن كان لهذه المفاوضات تأثير عليه. حتى أن السلطة اللبنانية تراخت، نسبيا، في الرد على رجل إيران القوي حاليا، رئيس البرلمان محمد قاليباف والذي قال إن "حزب الله" دخل الحرب دعما لإيران، وهو تصريح يذكر، من حيث فجاجته، بتصريحات لمسؤولين إيرانيين، خلال السنوات الماضية، قالوا فيها إن طهران باتت تسيطر على أربع عواصم عربية.

رويترز
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف خلال مؤتمر صحفي في طهران، إيران، في 27 نوفمبر 2024

إلا أن المفارقة أن تصريح قاليباف ينطوي على انكشاف للاستراتيجية الإيرانية من حيث انتقالها من الهجوم إلى الدفاع، فبعدما كان "فيلق القدس" يتوسع في المنطقة ويبني "إمبراطورية الميليشيات"، فإذا بـ"حزب الله" الآن يدخل المعركة ويعرّض نفسه لخسائر كبيرة دفاعا عن إيران، ذلك بعدما كان الموقف الإيراني خلال حرب الـ12 يوما في يونيو/حزيران الماضي، أن بمقدور طهران الدفاع عن نفسها من دون الحلفاء، إلا أنّ الوضع تغيّر الآن، وهذا متوقع بالنظر إلى حجم الحرب الراهنة.

خارجيا يمكن ملاحظة التبدل في الموقف الفرنسي تجاه "حزب الله"، ولاسيما بعد مقتل جندين فرنسيين من قوات حفظ السلام في جنوب لبنان اتهمت باريس "الحزب" بقتلهما


ولا ريب في أن الوضع اللبناني ولاسيما لجهة اندفاع إسرائيل المتواصل للهجوم ضد "حزب الله" وتعميق احتلالها وتدميرها للقرى الحدودية، تنم عن ضعف قدرة إيران، في اللحظة الراهنة، على فرض شروطها على واشنطن وتل أبيب ليس من حيث شمول المفاوضات لبنان وهذا أمر واقع حتى الآن، بل لناحية حدود هذا الشمول؛ وهذه ثغرة تستفيد منها إسرائيل ما وسعها ذلك، أخذا في الاعتبار التحكم الأميركي بالسياق الإجمالي للمواجهة الإقليمية ومن ضمنها جبهة لبنان. ولم يكن قليل الدلالة في هذا السياق أن ترمب وبعد أن قال عقب إعلان هدنة العشرة أيام إن إسرائيل لن تضرب لبنان مجددا- وهو ما أثار لغطا وتساؤلات في إسرائيل- عاد وقال عقب تمديد الهدنة إن لإسرائيل حق الدفاع عن النفس، مع ما يعنيه هذا الحق أميركياً من توسعة لـ"حرية الحركة" الإسرائيلية. ومن الواضح أن نتنياهو يحاول الآن أن يصوغ هذه المعادلة بأقصى درجات الوضوح مع الإدارة الأميركية، وهذا ما يفسر تصريحه الاثنين بأن "لدينا حرية عمل لإحباط تهديدات فورية وأخرى في طور التكوين في لبنان".

رويترز
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وسفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر وسفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض في مقر وزارة الخارجية بواشنطن العاصمة، خلال المفاوضات المباشرة بين اسرائيل ولبنان في 14 أبريل 2026

وما يجب أخذه في الاعتبار هنا أيضا أن إحدى الاستراتيجيات الإسرائيلية الرئيسة في عهد ترمب هي المواءمة بين الالتزام بقراراته الأساسية مثل وقف إطلاق النار في غزة ولبنان وإيران، وبين محاولة الإفادة من أكبر قدر من الهامش الذي يوفره لها تحت سقف عدم تعطيل تلك القرارات. وهذه معادلة جهنمية إذا جاز التعبير، من حيث إنه لا ضمانة في وجه الاندفاعة الإسرائيلية سواء في غزة أو لبنان أو حتى في إيران (لناحية شطب عباس عراقجي وقاليباف من لائحة الاغتيالات مثلا أو تحييد منشآت الطاقة)، وفي الوقت نفسه فإن ترمب هو أكثر الرؤساء الأميركيين دعما لإسرائيل وتحديدا لحكومة بنيامين نتنياهو، إلى حد أن أحد العناوين الرئيسة للصراع السياسي داخل الولايات المتحدة وداخل حركة "ماغا" راهنا، هو حجم التأثير الإسرائيلي في خيارات دونالد ترمب.

لكن الفارق بين "حماس" و"حزب الله" في ما يخص ترمب، أن "حماس" نجحت في فتح خط مباشر معه، مما ساهم في مرحلة معينة، بمرونة أميركية تجاه مطالبها أو شروطها، وهو ما لم يتوفر لـ"حزب الله"، بل على العكس تماما فإن الموقف الأميركي الراهن منه هو في أقصى التشدد، مما يجعله مضطرا، بواقع الحال، للبحث عن منافذ سياسية داخلية وخارجية لتخفيف الضغوط عنه، إلا أنه وللمفارقة يسلك مسارا معاكسا، أو يتأرجح بين سلوك مسار الانفتاح والانغلاق، هذا إذا كانت مساراته لا تزال "ذاتية" بالنظر إلى حجم التأثير الإيراني في قراراته وعلى نحو غير مسبوق كما دل عليه مؤخرا تصريح قاليباف الذي ما كان يمكن توقعه لو كان الأمين العام السابق لـ"الحزب" حسن نصرالله لا يزال على قيد الحياة وعلى رأس منصبه.

أ.ف.ب
رفع صورة لزعيم حزب الله حسن نصرالله من قبل أنصار حزب الله خلال مسيرة تضامنية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل في الضاحية الجنوبية لبيروت، في 25 أبريل 2026

فخارجيا يمكن ملاحظة التبدل في الموقف الفرنسي تجاه "حزب الله"، ولاسيما بعد مقتل جندين فرنسيين من قوات حفظ السلام في جنوب لبنان اتهمت باريس "الحزب" بقتلهما، في وقت أن فرنسا كانت طيلة الفترة الماضية أقرب الغرب إليه، والمفارقة أن أقصى لحظات ابتعاد "حزب الله" عن فرنسا وابتعادها عنه، تتزامن مع أكبر تصميم إسرائيلي على إبعاد باريس عن الملف اللبناني. إلا أن غالب الظن أن بعض القنوات العربية تبقى مفتوحة بشكل أو بآخر أمام "الحزب"، أو بأقل تقدير فهي لم تقفل في وجهه، مع فارق أن الانفتاح العربي، وتحديدا السعودي على نبيه بري، يأتي راهنا في ظل أوضح تمايز لبري عن موقف "حزب الله"، وإن كان يداري هذا التمايز، لكن من الواضح أنه لا ينفك عنه. ومن ذلك أن بري كان سيشارك خلال الساعات المقبلة في اجتماع ثلاثي يضمه إلى الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام لبحث المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، التي سجل بري اعتراضا منخفض السقف ضدها، مقارنة بـ"الحزب"، وذلك في عز الخصومة بين الأخير والرئيسين عون وسلام إلى حد تبادل تهم الخيانة، لكن الاجتماع أجل في اللحظة الأخيرة بما يعكس مداراة بري لموقف "حزب الله"، وقد أصبح قياس هذه المداراة وذلك التمايز تمرين متواصل خلال هذه الحرب.

هكذا تدوم الإقامة اللبنانية بين خطوط النار وقنوات التفاوض، فالهدنة ليست هدنة، أما المفاوضات فطريق طويل مليء بالأفخاخ والمطبات، بينما جدول الأعمال لا يزال يتراوح بين أصغر العناوين أي الهدنة، وأكبرها أي السلام


ويمكن الذهاب أبعد هنا للحديث عن عزلة داخلية وخارجية لـ"حزب الله"، إلا من بعض النوافذ، وهو أمر لا يمكن "الحزب" المكابرة عليه أو الاستخفاف بنتائجه عليه، وإن كان تعامله معه حتى الآن لا ينم عن حيوية سياسية داخل مراكز القرار فيه، علما أن الحرب الراهنة هي بمثابة أول اختبار سياسي للأمين العام الجديد نعيم قاسم والذي لا يبدو أنه سيجتازه بنجاح بالنظر إلى مواجهته الضغوط بمزيد من التحدي لا بمزيد من المناورة؛ وهو ما بدأ يطرح تساؤلات في بيروت عن مستقبل "الحزب" في ظل ولاية قاسم وعما إذا كان يعاني من أزمة زعامة أو قيادة بالقياس إلى مرحلة نصرالله.

ولعل حركة ومواقف وليد جنبلاط بدفع و"مباركة" من نبيه بري هي في جزء منها محاولة لتخفيف عزلة "الحزب" وتنفيس شيء من احتقانه، في ظل مخاوف حقيقية من انفلات الصراع في لبنان إلى توترات أمنية، قد لا تظل لبنانية بحتة بالنظر إلى التداخل الكبير بين الوضعين السوري واللبناني. من هنا يمكن فهم زيارة جنبلاط إلى دمشق ولقائه الرئيس الشرع في هذا التوقيت بالذات. على ذلك وبمعزل عن تأثيرات الظرف الإقليمي والدولي الراهن في مستقبل الأزمة اللبنانية فمن الواضح أن نبيه بري لا يريد أن ينهي حياته السياسية على وقع أناشيد الحرب الأهلية وصوت الرصاص يصل إليه من نافذة غرفته في عين التينة ببيروت.

أ.ف.ب
تقوم وحدة فرنسية من قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) بدورية في المنطقة، بينما يعود السكان النازحون إلى منازلهم في منطقة القاسمية جنوب لبنان، في 18 أبريل 2026

هكذا تدوم الإقامة اللبنانية بين خطوط النار وقنوات التفاوض، فالهدنة ليست هدنة، أما المفاوضات فطريق طويل مليء بالأفخاخ والمطبات، بينما جدول الأعمال لا يزال يتراوح بين أصغر العناوين أي الهدنة، وأكبرها أي السلام. لكن بين الأمرين بون شاسع ووقت طويل قد يدوم سنوات، فهل يكون لبنان، وبعكس ما يوحى به راهنا، آخر بلد عربي يوقع اتفاق سلام مع إسرائيل كما كان يقول السياسي اللبناني الراحل ريمون إده؟

قبل ذلك لا بد من التوقف عند تصريح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الاثنين، والذي قال فيه إن بلاده تعمل على نظام يتيح لوحدات مختارة داخل الجيش اللبناني الحصول على التدريب والقدرات اللازمة لمواجهة "حزب الله". حتى الآن يستبعد أن يكون هذا الطرح الأميركي قد تجاوز دوائر الدراسات النظرية والتطبيقية داخل البنتاغون، لكنه مع ذلك يعيد طرح السؤال عن الفارق بين ما تريده واشنطن في لبنان وما يمكنها تحقيقه فيه.

font change

مقالات ذات صلة