المجر- أوروبا... دلالات هزيمة فيكتور أوربان ودروسها الجيوسياسية

شكل التغيير في المجر إنذارا شديد اللهجة للشعبويين الأوروبيين

رويترز
رويترز
رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان في "جمعية الوطنيين الكبرى" للجماعات القومية من أوروبا، في بودابست، المجر، في 23 مارس 2026

المجر- أوروبا... دلالات هزيمة فيكتور أوربان ودروسها الجيوسياسية

أنهى الزلزال الانتخابي الذي هز العاصمة المجرية بودابست في الثاني عشر من أبريل/نيسان، ستة عشر عاما من حكم فيكتور أوربان، أحد أبرز رموز النزعة اليمينية المحافظة في أوروبا والعالم.

سلطت انتخابات المجر الضوء على "تقارب جيوسياسي نادر"، إذ تدخلت كل من الولايات المتحدة وروسيا في دعم بقاء أوربان في السلطة، بينما كان الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا في موقع معاكس تماما. ما هي إذن الدلالات والدروس الجيوسياسية لهذا التحول أوروبياً وعالمياً؟

معاني نهاية حكم فيكتور أوربان

أسفرت الانتخابات التشريعية في المجر، عن انتقال السلطة في بودابست، بعد فوز المعارضة الكاسح والمثير، ونال حزب "تيسا" برئاسة بيتر ماغيار 140 مقعدا من أصل 199 في الجمعية الوطنية. وكان اللافت ارتفاع نسبة المشاركة إلى 79.5 في المئة وهي الأعلى في البلاد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وتميزت بحشد شبابي قوي، ويعني ذلك أن الشعب المجري منح ماغيار تفويضا واضحا للتغيير.

تتعدد أسباب هزيمة فيكتور أوربان، ومن بينها تآكل السلطة والفشل الاقتصادي والسيطرة على وسائل الإعلام والمؤسسات وإضعاف القانون وتقليص استقلال القضاء والحريات، ونجاح بيتر ماغيار في توحيد جميع فصائل المعارضة خلفه، واستفادته من الإقبال الكبير على التصويت.

وقد لعبت العوامل الاقتصادية دورا مؤثرا في إعادة تشكيل سلوك الناخب، في ظل تباطؤ اقتصادي وتزايد الضغوط المعيشية، بالتوازي مع تصاعد الاتهامات بترسخ شبكات فساد مترابطة.

من أجل الالتفاف على حصاده الداخلي السيئ، ركز فيكتور أوربان على السياسة الخارجية في حملته الانتخابية، وإدانته المستمرة لمن سماهم الأعداء ومنهم المنظمات غير الحكومية والجامعات الليبرالية، والاتحاد الأوروبي، وتأكيده على الدفاع عن السيادة. لكن ذلك لم يحل دون هزيمته الساحقة.

بالنسبة للاتحاد الأوروبي، تعد نتيجة الانتخابات نبأ سارا، فقد كانت المجر في عهد أوربان نقطة توتر مزمنة فيما يتعلق بفرض العقوبات، وبأوكرانيا، إضافة إلى الخلافات بشأن سيادة القانون

وتعتبر نتيجة الانتخابات المجرية "استثنائية"، إذ أُزيح زعيمٌ يرمز إلى "الديمقراطية غير الليبرالية"، وهذا النموذج السلمي لانتقال السلطة يمثل نقلة نوعية بعد عقد من بروز مناهضة الليبرالية والشعبوية. بيد أن درب تصفية آثار المرحلة السابقة ستعتريها صعاب جمة، مع الشك في وضع حد للموجات المتطرفة في المشهد الأوروبي.

تراجع أقصى اليمين في المشهد الأوروبي 

فقد فيكتور أوربان لمسته الشعبوية، بعدما ابتعد عن هموم ناخبيه، وجسدت هزيمته رفضا تاريخيا لنموذج سياسي وطيد نجح في دمج السلطة السياسية مع السيطرة المؤسسية وفق سردية وطنية قوية. ومثلت هزيمته تحذيرا للشعبويين في أوروبا ودليلا على أن الأنظمة الراسخة يمكن إسقاطها عندما تطغى الأوضاع الاقتصادية على الخطابات الكبرى.

هكذا شكل التغيير في المجر إنذارا شديد اللهجة للشعبويين الأوروبيين، ولا يمكن تجاهل الدلالات الأوروبية الأوسع لهذه التطورات. فعلى مدار الأسابيع الأخيرة، توالت خسارة جورجيا ميلوني لاستفتاء في إيطاليا متعلق بإصلاح القضاء، في إشارة نادرة إلى إمكانية كسر هيمنتها السياسية، والتراجع لأقصى اليمين في الانتخابات البلدية في فرنسا (مارس/آذار الماضي) التي أسفرت عن تحقيق "حزب التجمع الوطني" اليميني المتطرف، تقدما في المدن الصغيرة، ولكنه عجز عن الوصول إلى المدن الكبرى.

تجدر الإشارة إلى أنه خلال الفترة السابقة، وصلت القوى اليمينية المتشددة في ثلاث دول إلى السلطة: المجر بقيادة فيكتور أوربان (منذ عام 2010)، وبولندا بقيادة "حزب القانون والعدالة" (في السلطة بين عامي 2015 و2023)، وإيطاليا بقيادة جورجيا ميلوني (في السلطة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2022). 

رويترز
رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان، وزعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان ونائب رئيس الوزراء ووزير النقل الإيطالي ماتيو سالفيني، وزعيم حزب "فلامس بيلانغ" البلجيكي توم فان غريكين، في بودابست في 23 مارس

وبالرغم من صعود أقصى اليمين في عدة بلدان من ألمانيا إلى شمال أوروبا، نصل إلى منعطف مع التحول المجري وتبقى ميلوني وحيدة في الميدان بعد خسارة اليمين المتطرف في بولندا. 

تبعا لذلك، هلل الكثيرون بأنهم إزاء "ربيع بودابست" حقيقي، مع ذلك، يجب توخي الحذر من ثقل هذا الوصف "التاريخي"، ولا ينبغي توقع الكثير في وقت قصير. فقد علمتنا التجارب الأوروبية أنه لا يمكن لانتخابات واحدة أن تعيد الديمقراطية الليبرالية فورا، لأن هذه النوبات القومية الشعبوية ليست مجرد فترات عابرة؛ بل تترك ندوبا عميقة تستغرق سنوات للشفاء. يُبين المثال البولندي أن هذه العملية ستتطلب وقتا أطول، تبعا للنتائج المتباينة في انتخابات 2023، وبقاء الحزب المتطرف: "حزب القانون والعدالة" (PiS) قوة سياسية مؤثرة في البرلمان. 

ارتدادات حدث بودابست على الاتحاد الأوروبي 

لقد ساد الارتياح في الاتحاد الأوروبي لأن "المجر اختارت أوروبا" بعد هزيمة أوربان. بالنسبة للاتحاد الأوروبي، تعد نتيجة الانتخابات نبأ سارا، فقد كانت المجر في عهد أوربان نقطة توتر مزمنة فيما يتعلق بفرض العقوبات، وبأوكرانيا، إضافة إلى الخلافات بشأن سيادة القانون. ومن المرجح أن تكون الحكومة الجديدة أقل عرقلة، وأكثر اهتماما بإصلاح العلاقات مع بروكسل. 

إعادة انتخاب أوربان كانت ستشكل دفعا قويا لـ"حزب التجمع الوطني" الفرنسي وكذلك للأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، كما أنها كانت ستعزز الأممية الشعبوية اليمينية التي يقودها ترمب

وستتغير طبيعة العلاقة بين بودابست ومؤسسات الاتحاد الأوروبي بعدما تحولت ملفات مثل سيادة القانون، واستقلال القضاء، وسياسات الهجرة، إلى نقاط احتكاك مزمنة أنتجت عزلة مجرية نسبية داخل المنظومة الأوروبية على الرغم من استمرار العضوية.

ويرى المراقبون أن بروكسل استخدمت أدوات ضغط اقتصادية، من بينها تجميد مليارات اليوروهات، لدفع المجر نحو تغيير قيادتها السياسية واستبدالها بقيادة أكثر انسجاما مع توجهات "الاتحاد"، ويذهب البعض للاعتقاد إلى أن هذا التحول لا يتعلق فقط بالمجر، بل يعكس مسارا أوسع داخل الاتحاد الأوروبي يهدف إلى تقليص مبدأ الإجماع بين الدول الأعضاء، واستبداله بنظام التصويت بالأغلبية المؤهلة، خصوصا في ملفات السياسة الخارجية.

تجدر الإشارة إلى أن سلوك أوربان لم يكن "تمردا أوروبيا" فقط، بل "نموذج سيادة مرنة". إلا أن تصاعد الاستقطاب الدولي، وخاصة بعد الحرب في أوكرانيا، قلص من قابلية استمرار هذا النموذج، وجعل الكلفة أعلى من السابق.

انتكاسة للترمبية في القارة العجوز 

راهنت إدارة ترمب على نظام فيكتور أوربان واعتبرته "أولوية استراتيجية"، خاصة أن رئيس الوزراء المجري السابق كان مصدر إلهام أيديولوجي لحركة "لنجعل أميركا عظيمة مجددا". 

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان في البيت الأبيض بواشنطن، في 7 نوفمبر 2025

مع مرور الوقت، أصبح أوربان حصان طروادة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يسعى لضرب الحصون الأوروبية من الداخل عبر دعم تيارات اليمين المتطرف، ويثابر على ذلك منذ ولايته الأولى عبر دعم "البريكسيت" البريطانية وكل ما من شأنه إضعاف أو تفكيك الاتحاد الأوروبي. 

وبعيدا عن شخص أوربان، يتعلق الرهان أيضا بالمستقبل السياسي لأوروبا وديمقراطياتها، إذ إن إعادة انتخاب أوربان كانت ستشكل دفعا قويا لـ"حزب التجمع الوطني" الفرنسي وكذلك للأحزاب اليمينية المتطرفة في باقي الدول الأوروبية، كما أنها كانت ستعزز الأممية الشعبوية اليمينية التي يقودها ترمب وجماعته. ووصل الأمر بالسيناتور الجمهوري ميتش ماكونيل إلى استغراب "التأثير الشديد" الذي مارسته السياسة المجرية على مدى عقد من الزمن على بعض دوائر اليمين الأميركي، التي ترى في البلاد التي يحكمها فيكتور أوربان "واحة من التقاليد في صحراء أوروبا ما بعد الحداثة المريضة والليبرالية المنحلة".

أظهر الناخبون المجريون أن الديمقراطية ما زالت حية ونابضة في أوروبا الوسطى. لكن من الصعب القول إن التهديدات التي تواجه الديمقراطية المجرية قد زالت

في هذا السياق، أتى فوز ماغيار ليمثل صفعة مدوية لواشنطن، وتبين أن تدخل إدارة ترمب أتى بنتائج عكسية. وعلى نحو أوسع، فإنه قوض فكرة سادت في أوساط مقربة من ترمب مفادها أن تعزيز التيارات السيادية في أوروبا سوف يضعف الاتحاد الأوروبي من الداخل ويجعل القارة أكثر قابلية للتأثر. بل إن ما حدث في المجر يشير إلى العكس.

وتكرس هذه الانتكاسة التباعد بين ضفتي الأطلسي، والذي تفاقم خلال "حرب إيران الثانية" وحلت نتائج انتخابات المجر بعد ذلك لتمنح كبار اللاعبين الأوروبيين الفرصة للغمز من قناة ترمب. 

الانعكاس على روسيا وحرب أوكرانيا 

وأتى التحول السياسي في المجر ضمن سياق دولي شديد التوتر يتسم بحربي إيران وأوكرانيا وتصاعد الاستقطاب داخل أوروبا، وهذا ما يمنح تطورات المشهد في بودابست بعدا يتجاوز الداخل ويصبح جزءا من اختبار أشمل لموقع الدول المتوسطة داخل التوازنات الدولية. وبدا البعد الجيوسياسي واضحا في المبارزة المجرية الداخلية، خاصة أن حكومة أوربان أعلنت ولاءها لموسكو وحولت المجر إلى موقع استثمار كبير للصين. أما بالنسبة للحرب في أوكرانيا، فقد انتهجت بودابست في عهد أوربان موقفا مختلفا عن الاتحاد الأوروبي من خلال دعم روسيا علنا، مع التردد في فرض عقوبات، والحفاظ على اعتمادها على الطاقة الآتية منها، ورفض تقديم أي دعم عسكري لكييف.

رويترز
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان خلال اجتماع في موسكو، روسيا، في 28 نوفمبر 2025

ولوحظ أن رد فعل الكرملين الأولي على فوز بيتر ماغيار كان حذرا، حيث صرح المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف بأن نتائج الانتخابات لا ينبغي أن تؤثر على الصراع الروسي-الأوكراني، وقال بلهجة دبلوماسية: "لقد اتخذت المجر خيارها، وروسيا تحترمه". ومع ذلك، فإن رحيل فيكتور أوربان سيقلل من هامش المناورة المتاح لموسكو تجاه الغرب، إذ سيتعين على روسيا التعامل مع الاتحاد الأوروبي الموحد، الأمر الذي سيعزز من اعتمادها على الصين، التي لا تزال تتبنى نهجا برغماتيا، مستغلة عزلة روسيا أوروبياً. والأرجح أن توازن بكين بين صلتها مع روسيا كمورد للمواد الخام بالنسبة لها، ودوام تجارتها مع أوروبا. 

ويمكن أيضا التساؤل مع وصول ماغيار عن مستقبل خط أنابيب "دروجبا" النفطي، الذي له تأثير كبير على الاقتصاد المجري، وكذلك مصير محطة "باكس-2" للطاقة النووية، التي بنتها شركة "روساتوم" الروسية. 

في الخلاصة، أظهر الناخبون المجريون أن الديمقراطية ما زالت حية ونابضة في أوروبا الوسطى. لكن من الصعب القول إن التهديدات التي تواجه الديمقراطية المجرية قد زالت.

وبالرغم من أهمية التغيير المجري وانعكاساته الجيوسياسية السلبية على الترمبية وعلى روسيا، فليس بالضرورة أن يكون تغييرا راسخا ودائما إذا لم يقترن بنجاحات اقتصادية واحتضان أوروبي. 

لقد تعززت مكانة الاتحاد الأوروبي بشكل غير مباشر من خلال إزاحة أوربان. لكن نتائجها قد تكون عكسية، إذا مهدت الطريق لتوسيع سلطة بيروقراطية أوروبية مركزية. وفي الإجمال لا يمكن توقع مستقبل التجربة المجرية من دون الإحاطة على المدى المتوسط بتفاعل العوامل الداخلية والأوروبية والجيوسياسية.

font change