قبل نحو سبعين عاما، كتب محمد عبد الوهاب أن الجمهور في بلده مصر يجد "الموسيقى الرفيعة بمقاييسها العالية" ـ ويقصد أساسا الموسيقى الغربية السمفونية ـ متناثرة في الأفلام السينمائية، فتنفذ إلى ذهنه و"قد لا ينتبه إليها ولكنها تترك في قرارة نفسه أثرا لا يمحى يصبح جزءا من طبيعته"، فإذا تيسرت حاله أمكنه أن يستمع إلى المجموعات الموسيقية ـ ويقصد الأوركسترا ـ "فصارت إذن الموسيقى الغربية كالموسيقى الشرقية جزءا من تراث الشعب لا تنتظر غير الملحنين والمؤلفين" (محمد عبد الوهاب، تصدير كتاب "كيف تتذوق الموسيقى" للمؤلف الموسيقي الأميركي آرون كوبلاند وترجمة محمد رشاد بدران، مطبعة مصر، 1957).
كان عبد الوهاب، الذي تحل اليوم الذكرى الخامسة والثلاثون لوفاته، آنذاك قد جاوز الخمسين بالتأكيد، رغم اختلاف الآراء في تقدير ميلاده، أوائل القرن الماضي، وتربع على سدة الملحنين معتزلا الغناء في الحفلات ومكتفيا ببعض التسجيلات. أي أنه كان آنذاك يتكلم من موقع من أنجز قدرا كبيرا من مسيرته المهنية الموسيقية بنجاح باهر، وإن كانت الأيام لا تزال تخبئ له فرص تعاون كثيرة مع كبار، لا سيما أم كلثوم. فأهمية هذا التصدير إنه يكشف لنا رؤية عبد الوهاب نفسه لموسيقاه وتجربته.
وإذا تذكرنا أن عبد الوهاب كان، على ما يروي في مكان آخر، يدرس مع العظيم الآخر محمد القصبجي عزف العود وتفكيك القطع الغربية بأن يجربا عزف خطوطها المختلفة معا، وأنه، في المشهد المسرحي الذي مثل فيه بروفا لتسجيل "من غير ليه" حيث يقاطعه المذيع مفيد فوزي كان يدندن على العود، منذهلا من الجمال الموسيقي، سيريناده لشوبرت، فإن بالإمكان فهم الأثر الكبير الذي تركته الموسيقى الغربية الأوركسترالية على كبير الملحنين العرب.
يكشف هذا التصدير بداية عن نظرة خاصة بعبد الوهاب لمسألة الهوية، فحين يقول إن الموسيقى الغربية باتت جزءا من تراث الشعب (العربي) لأنه يستمع إليها في الأفلام والاسطوانات (وقد نضيف اليوم المسلسلات و"نتفليكس" ومقاطع الـ"تيك توك"...الخ) فهذا يعني أن هذا التراث ليس مقفلا على "الموروث".
كل ما أسمعه يصير ملكي
التراث هنا، كما يبدو من جملة عبد الوهاب، هو المادة الأولية التي تنتظر الملحنين والمؤلفين كي ينشئوا، انطلاقا منها، أعمالهم الجديدة. إنه بمعنى ما "الهوية" العميقة التي ينطلقون منها كي يتفردوا ويضيفوا ويعيدوا تشكيلها. لكن هذين التراث والهوية، ليسا مغلقين ولا جامدين. كل ما أسمعه، يصير ملكي، يقول عبد الوهاب، ناقلا معيار النجاح من "التقليد" وإعادة تأويل القديم، إلى انتاج جديد معاصر، والمعاصرة هنا هي الاستفادة من المسموع الجديد الذي أتاحته الوسائط الحديثة (بدءا من المسرح والأوبرا، وصولا إلى التسجيلات على المنصات المختلفة).



