أولوية في الاستراتيجية الأميركية... تجفيف منابع النفوذ الإيراني من المغرب إلى المشرق

لا يمكن عزل هذه الحرب في إيران عن سياقها الأوسع

REUTERS/Alex Brandon/Pool
REUTERS/Alex Brandon/Pool
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يصل لإلقاء خطاب إلى الأمة حول الحرب مع إيران في البيت الأبيض، واشنطن، 1 أبريل 2026

أولوية في الاستراتيجية الأميركية... تجفيف منابع النفوذ الإيراني من المغرب إلى المشرق

تقود الإدارة الأميركية، بالتنسيق مع الأمم المتحدة، جهوداً دبلوماسية مكثفة في سباق مع الزمن لإنهاء النزاع المغاربي قبل نهاية العام الجاري. ويرتكز هذا المسار على تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي 2797، الذي يُقرّ بمنح إقليم الصحراء حكماً ذاتياً تحت السيادة المغربية، مع تفكيك مخيمات تندوف وتمكين ساكنيها من العودة إلى بلادهم.

وتكشف مصادر أميركية مطلعة أن حلّ هذا النزاع الممتد لأكثر من نصف قرن بات يُصنَّف في واشنطن ضمن الأولويات الاستراتيجية، لا من باب المصالح المغاربية وحسب، بل لارتباطه المباشر بالأمن القومي الأميركي في ثلاث بيئات متشابكة: الشرق الأوسط، وأفريقيا، وجنوب البحر المتوسط. وتذهب هذه المصادر إلى أن استمرار النزاع يُهيئ بيئة خصبة لتمدد النفوذ الإيراني في المنطقة برمتها.

والأكثر دلالةً في هذا السياق، ما أشارت إليه المصادر ذاتها في حديثها مع "المجلة"، من تزامن لافت بين انطلاق مفاوضات الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية الرئيس ترمب، وانعقاد جلسات مجلس الأمن الدولي المخصصة لملف الصحراء. وقد احتضن مجلس الأمن جلستين مغلقتين في الرابع والعشرين والثلاثين من أبريل/نيسان الماضي، تمحورتا حول إنهاء هذا النزاع وتفكيك المخيمات، ونزع سلاح "جبهة البوليساريو" التي تتهمها أطراف أميركية بتلقي تدريبات وأسلحة عبر قنوات مرتبطة بـ"حزب الله"، وإن كانت هذه الاتهامات لم تُثبَت بأدلة موثقة حتى الآن.

وعلى الرغم من تباين ملفي المشرق العربي وشمال أفريقيا في تفاصيلهما وسياقاتهما، فإنهما يتقاطعان في إطار مفهوم أمني استراتيجي جديد تُرسي واشنطن دعائمه بصورة متسارعة. ويقوم هذا المفهوم على مبدأ محوري واحد: حصر التعامل والتفاوض مع الدول والحكومات الشرعية، وإقصاء الفاعلين من غير الدول- سواء كانوا فصائل مسلحة ذات طابع ديني أم حركات تستند إلى شرعية سياسية مزعومة خارج الأطر المؤسسية المعترف بها دوليا- من معادلة التسويات الكبرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى إيران بوصفها طرفا داعما لـ"حزب الله"، مما يعني- وفق هذه القراءة- أن الساحة اللبنانية باتت ورقةً في معادلة إقليمية أشمل، لا تخدم بالضرورة المصالح اللبنانية الخالصة.

أما في ما يخص ملف الصحراء الغربية، فقد تردّدت في بعض الأوساط التحليلية تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين طهران و"جبهة البوليساريو"، في ضوء توترات تاريخية معروفة بين إيران والمغرب، لا سيما ما يرتبط منها بمرحلة ما بعد الثورة الإيرانية.

وفي المحصلة، يبدو أن واشنطن تُؤثر التعامل مباشرةً مع الرباط والجزائر بوصفهما الطرفين الأصيلين في هذا النزاع الممتد، الذي تتشابك فيه إرهاصات الحرب الباردة مع حسابات النفوذ الإقليمي بين جارتين متنافستين. وهو مسار يعكس قناعةً أميركية بأن أي تسوية دائمة لا يمكن أن تمر إلا عبر الأطراف المعنية مباشرة، بعيدا عن أجندات القوى الخارجية أياً كانت.

وتدرك عواصم أوروبية أن "استقرار لبنان، وتسوية نزاع الصحراء المغربية، من شأنه إضعاف النفوذ الإيراني في مجموع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا". وترى باريس أن تقوية الدولة الشرعية في لبنان وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، وعودة الدور الاقتصادي والسياسي والسياحي لبلاد الأرز لما كان عليه قبل 1983، يجعل الشرق الأوسط أكثر أمنا واستقرارا وازدهارا". وفي المغرب العربي يفتح تسوية ملف الصحراء الأمل في إعادة إحياء المشروع الاندماجي التاريخي لأجيال متعاقبة.

أ.ف.ب

يبدو أن واشنطن تُؤثر التعامل مباشرةً مع الرباط والجزائر بوصفهما الطرفين الأصيلين في هذا النزاع الممتد، الذي تتشابك فيه إرهاصات الحرب الباردة مع حسابات النفوذ الإقليمي بين جارتين متنافستين



ملفات إقليمية معقدة

وتُشير مصادر مطلعة إلى أن التوصل إلى تسوية للنزاع في شمال أفريقيا، الذي أتمّ نصف قرن دون حسم، من شأنه أن يُخفف الأعباء عن الإدارة الأميركية في ملفات إقليمية أعقد، في مقدمتها تقليص النفوذ الميداني لـ"حزب الله"، وإتاحة المجال لدور لبناني أكثر استقلالية في منظومة الشرق الأوسط الجديد التي ترسم واشنطن ملامحها.

وفي هذا الإطار، حذّر السيناتور الجمهوري تيد كروز من أن تنامي شبكة العلاقات الإيرانية مع الفصائل المسلحة في دول الساحل وشمال أفريقيا قد يُفضي إلى تحويل المنطقة إلى بيئة حاضنة لنماذج مسلحة مماثلة لنموذج الحوثيين في اليمن. ويرى كروز أن هزيمة إيران استراتيجياً تستلزم أولاً تفكيك امتداداتها الإقليمية، وتحييد دول الممانعة التقليدية في محيطها، ومن بينها الجزائر.

وتعكس التطورات الميدانية الأخيرة في منطقة الساحل حجم الرهانات المتشابكة على هذه الجغرافيا؛ إذ شهدت شمال مالي خلال الأيام الماضية مواجهات عنيفة بين قوات الجيش المالي من جهة، وتحالف ميليشياوي يضم "حركة أزواد" الانفصالية وعناصر من "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" من جهة أخرى، خلّفت مئات القتلى، وأسفرت عن سيطرة هذه الفصائل على مدن وقرى في الشمال، وذلك في أعقاب انسحاب قوات "فاغنر" الروسية من المنطقة.

ولا يمكن عزل هذه الحرب عن سياقها الأوسع؛ فالمنطقة باتت مسرحاً لصراع بالوكالة تتقاطع فيه أجندات قوى دولية وإقليمية متعددة، عينها على الثروات المعدنية ومصادر الطاقة وطرق التجارة الاستراتيجية. وهو ما يجعل الأمن في الساحل مرتبطاً عضوياً بمعادلات أبعد مدىً، تمتد من ضفاف المتوسط الأوروبي الحريص على تأمين ممرات الطاقة والهجرة، إلى واشنطن الساعية إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة بأسرها.

أ.ف.ب
وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة وهو يستقبل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية، ستيفان دي ميستورا، في العاصمة الرباط، بيان صادر عن وزارة الخارجية المغربية في 5 يوليو 2022

 

معادلات معقدة تمتد من ضفاف المتوسط الأوروبي الحريص على تأمين ممرات الطاقة والهجرة، إلى واشنطن الساعية إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة بأسرها



وأنهى نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو جولةً إلى شمال أفريقيا قادته إلى الجزائر والمغرب خلال الفترة الممتدة بين السابع والعشرين من أبريل/نيسان والأول من مايو/أيار، أجرى خلالها محادثات مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ومسؤولين مغاربة رفيعي المستوى، وتصدّرت جدول أعمالها قضايا الصحراء والأمن الإقليمي وآفاق التعاون الاقتصادي.

وفي الرباط، أكد لاندو أن النزاع "طال أمده ولا يمكن الانتظار أكثر"، مجدداً الموقف الأميركي القاضي بأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يُمثل الأساس الوحيد لأي تسوية. وقد دشّن المسؤول الأميركي قنصلية جديدة في الدار البيضاء حضرها المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، في مؤشر على توجه أميركي نحو تعزيز الاستثمار في المغرب، لا سيما في إقليم الصحراء الذي يزخر بإمكانات استثنائية في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والمعادن والسياحة.

وتزامنت الجولة مع إعلان انضمام المغرب رسمياً إلى اتفاقيات أرتيميس للاستكشاف الفضائي السلمي بقيادة ناسا، وإطلاق نسخة جديدة من مناورات "الأسد الأفريقي" العسكرية التي تضم قوات حليفة للولايات المتحدة من بينها إسرائيل.


التزمت وسائل الإعلام الجزائرية الصمت إزاء زيارة لاندو إلى الرباط، وهو أمر كان متوقعا


في المقابل، التزمت وسائل الإعلام الجزائرية الصمت إزاء زيارة لاندو إلى الرباط، وهو أمر كان متوقعا. غير أن الرئيس تبون أدلى بتصريح لافت حين أشار إلى أن "هناك قراراً أممياً يشق طريقه دون عراقيل"، في ما اعتبره المراقبون تحولاً في الخطاب الرسمي الجزائري وإقراراً ضمنياً بمرجعية القرار 2797.

ويرى المحللون أن التحرك الدبلوماسي الأميركي بتوجيه من ترامب وروبيو يستهدف إعادة تفعيل العلاقات بين الرباط والجزائر المقطوعة منذ 2021، مع الحرص على إبقاء قنوات التواصل مع الجزائر مفتوحة في حال أبدت استعداداً للتخلي عن محور الممانعة. وقد سبق للأمم المتحدة والولايات المتحدة أن جمعتا الأطراف الأربعة ثلاث مرات مطلع العام الجاري، في أول اجتماعات من نوعها منذ سبع سنوات.

وفي الجلسة المغلقة الأخيرة لمجلس الأمن، أعرب المبعوث الأممي دي ميستورا عن تفاؤله بوجود "زخم حقيقي وفرصة لحل هذا النزاع" قبل أكتوبر/تشرين الأول المقبل. وخلاصة ما رصدته الصحافة الإسبانية والفرنسية تتمحور حول معادلة واحدة: نجاح واشنطن في إرساء الاستقرار بشمال أفريقيا بات شرطاً مسبقاً لأي تسوية ناجحة في الشرق الأوسط.

جلسات مغلقة لتسريع حل نزاع شمال أفريقيا

عقد مجلس الأمن الدولي في نيويورك جلسات استماع مغلقة حول نزاع الصحراء وآليات تفعيل قرار الحكم الذاتي الصادر في أكتوبر الماضي، استمع خلالها إلى تقرير سياسي من المبعوث الأممي دي ميستورا، وإحاطة ميدانية من رئيس "بعثة مينورسو". وكشفت مصادر مطلعة لـ"المجلة" أن النقاش يتمحور حول إعادة النظر في مهام البعثة المنشأة عام 1991، بما يُمكّنها من المشاركة في تنزيل القرار الأممي، لا سيما في ما يخص إحصاء اللاجئين وتفكيك مخيماتهم. وتمارس واشنطن ضغوطاً سياسية ومالية للانتقال من المقاربة التقنية إلى الحسم السياسي النهائي.

وعلى هامش "منتدى أنطاليا" بتركيا، أبلغ مستشار الرئيس ترمب للشرق الأوسط، السفير مسعد بولس، وزيرَ الخارجية الجزائري أحمد عطاف برغبة واشنطن في تفكيك مخيمات تندوف، مقدماً في المقابل عروضاً استثمارية في قطاع النفط والغاز. ولم تُبدِ الجزائر رفضاً لهذا المقترح، في ضوء طموحها للتحول إلى قطب إقليمي للطاقة والخروج من ضائقتها الاقتصادية.

غير أن الجزائر تجد نفسها أمام معادلة داخلية بالغة الحساسية، إذ تسعى إلى التوفيق بين تحالفاتها التاريخية من جهة، وانفتاحها على واشنطن من جهة أخرى، في ظل برود علاقتها مع موسكو جراء تمدد "الفيلق الأفريقي" على حدودها الجنوبية مع مالي. وتشير المعطيات إلى أن فريق الرئيس تبون يميل نحو التقارب مع الإدارة الأميركية، والتخلي تدريجياً عن دعم الفصائل المسلحة، في مقابل ضمانات اقتصادية وأمنية تُعزز موقعه الإقليمي.

على الصعيد التشريعي الأميركي، كشف السيناتور الجمهوري تيد كروز خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ عن مخاوف جدية إزاء ما وصفه بـ"دور إيراني متنامٍ في المنطقة المغاربية"، مشيراً إلى احتمال تحول المنطقة إلى بيئة حاضنة لنماذج مسلحة مماثلة لنموذج الحوثيين. وانضم إليه السيناتوران توم كوتون وريك سكوت في تبني مشروع قانون يطالب بتصنيف "جبهة البوليساريو" منظمةً إرهابية، وإن كانت هذه الاتهامات لم تُدعَّم حتى الآن بأدلة موثقة على مستوى رسمي معترف به.

وفي السياق ذاته، أشارت مونيكا ياكوبسون، المسؤولة في مكتب مكافحة الإرهاب بالخارجية الأميركية، إلى "مخاوف حقيقية" من استغلال إيران الهشاشة الأمنية في المناطق التي تنشط فيها "الجبهة"، لقربها من ممرات التهريب في منطقة الساحل. فيما أفاد المجلس الأطلسي بأن الدعم المُشار إليه تجاوز الجانب اللوجستي ليشمل تزويد مقاتلين بطائرات مسيّرة وصواريخ وبرامج تدريبية، وهو ما نقلته صحيفة "واشنطن بوست" أيضاً في تقرير يتحدث عن إشراف عناصر من "حزب الله" على تدريب مقاتلين من "البوليساريو" قبل سقوط نظام الأسد.

والقاسم المشترك في هذه القراءات أن إيران تسعى، في ظل الضغط المتصاعد على أذرعها في الشرق الأوسط، إلى بناء حضور بديل في شمال وغرب أفريقيا يُهدد مصالح واشنطن وحلفائها، بما في ذلك أمن الملاحة التجارية في مضيق جبل طارق والضفة الجنوبية للمتوسط.

font change