بعد ستة مواسم من المسلسل البريطاني الشهير "بيكي بلايندرز"، الذي انتهى عرضه في 2022، يأتي الفيلم الذي يحمل العنوان ذاته، مع إضافة عبارة "الرجل الخالد"، لا كاستكمال للمسلسل، الذي حقق نجاحا، ولا لاختزال أحداثه في عمل سينمائي، بل لرواية الفصل الأخير في حياة الشخصية المعنية بالعبارة السابقة، وهي تومي شيلبي (كيليان مورفي).
الفيلم، المعروض على منصة "نتفليكس" يتخلى عمدا عن دينامية المسلسل، حيث كانت الحبكة تقود الإيقاع، لصالح معالجة سينمائية أكثر انكماشا وتأملا. السينما هنا لا تستخدم لتوسيع العالم، بل لتعميقه، لا لتكثيف الحدث، بل لكشف ما يتوارى خلفه: الشروخ النفسية، وثقل الذاكرة، واستحالة الخلاص. هذا التحول يأتي انطلاقا من الوعي بطبيعة الوسيط، ومدفوعا برؤية كاتب العمل ستيفن نايت، مبتكر السلسلة، الذي يكتب بمزاج مختلف، خارج شروط التلفزيون.
ضريبة القوة
في هذا المعنى يأتي الفيلم كنوع من المحاكمة لعالم العصابات الصاخب، إذ يعيد النظر فيه، ويضيء جوانبه المعتمة، في اتجاه مغاير عن المسلسل، فتتراجع الحبكة المعقدة وسرعة الإيقاع لصالح فهم الحالة النفسية، وتتحول الشاشة إلى مساحة تأمل في ضريبة القوة، وفي العنف حين يرتد على صاحبه كلعنة أبدية، ومن هنا جاءت عبارة "الرجل الخالد"، وهي للمفارقة لا ترمز الى الانتصار على الموت بقدر ما توحي بالعجز عن الانتهاء، وعن التطهر من أعباء الذاكرة.
ما بدا في المسلسل نجاحا تمثل في توطيد النفوذ وتراكم المال، يعاد تقديمه هنا بوصفه بداية لانهيار مؤجل
في هذا الفهم، يضع مخرج الفيلم البريطاني توم هاربر، الذي شارك في إخراج حلقات من المسلسل، بطله تومي شيلبي (كيليان مورفي) في مواجهة نتائج خياراته، دون أن يقوى على التخلص من إرث شديد الوطأة. يظهر توماس شيلبي في الفيلم منهكا، بشعر أبيض وملامح مطفأة، يعيش معزولا في قصر ريفي متداع، محاطا بأشباح الماضي، وقبور الأسلاف المتناثرة تحت السماء الكئيبة، ويكتب مذكراته كاستعارة عن الندم وطلب الغفران، ليغدو الفيلم، والحال كذلك، أقل انشغالا بما سيحدث، وأكثر انشغالا بما حدث، في انتقال مدروس من دراما الفعل إلى دراما الوعي، إن جاز الوصف.
"بيكي بلايندرز: الرجل الخالد"، كيليان مورفي في دور تومي
لكن حتى هذه العزلة المتقشفة تبدو بعيدة المنال، إذ تحاك في العالم الخارجي مؤامرة نازية لتقويض الاقتصاد البريطاني، بالتعاون مع ابنه ديوك (باري كيوغان)، زعيم العصابة الجديد، عبر خطة سرية أطلقها النازيون لتزوير كميات هائلة من الجنيه الإسترليني بهدف ضرب اقتصاد بريطانيا التي تتعرض للقصف النازي مع بداية أحداث الفيلم عام 1940.
"بيكي بلايندرز: الرجل الخالد": باري كيوغان في دور ديوك
يجد توماس شيلبي نفسه عاجزا عن تطبيق قواعده الصارمة القديمة، فالفوضى هذه المرة أكبر من أي خطة وضعها سابقا، وما بدا في المسلسل نجاحا تمثل في توطيد النفوذ وتراكم المال، يعاد تقديمه هنا بوصفه بداية لانهيار مؤجل. حتى عالم العصابات نفسه لم يعد مجرد ساحة صراع محلية، يعرف توماس شيلبي دهاليزها بدقة، إنما هو جزء من سياق أوسع، يتقاطع مع تحولات تاريخية كبرى مثل صعود الزعيم النازي أدولف هتلر، ليتحول العنف من أداة فردية مقتصرة على عصابة "بيكي بلايندرز"، التي كانت تنشط بالفعل في مدينة برمينغهام، إلى منظومة أيديولوجية متكاملة ستدمر القارة، كما هو معروف.
هذا الصدام بين دهاء الرجل وجنون الحرب الكبرى، وضع الشخصية في زاوية ضيقة، وجعل من الصراع الخارجي انعكاسا لانهياره الشخصي، الذي تجسد في مشاهده وحواراته مع شقيقته آيدا (صوفي راندل).
محاكمة
هذا يقود الى جوهر الفيلم، أي محاكمة ما اقترفته "بيكي بلايندرز"، العصابة التي صنعت مجد بطله، ثم تركته يواجه نتائجها وحيدا. فتومي شيلبي ليس شخصية كاريزمية متنفذة في هذا السياق، بل نتاج لمسار عنيف انتهى إلى الاحباط، فحتى خصمه الجديد في الفيلم، جون بيكيت (تيم روث)، يظهر كشخصية أحادية البعد تفتقر إلى التعقيد الذي ميز خصوم المسلسل.
كل ما بناه تومي يتحول تدريجيا إلى عبء، وكل انتصار سابق يعاد تفسيره كخسارة
في الفيلم يتداعى ذلك العالم الذي نراه من خلال فوهة مسدس ووميض بدلة مرتبة وقبعة أنيقة، ليظهر وجه أكثر ظلمة، وأكثر صدقا. فمن أزقة برمينغهام إلى ظلال أوروبا المضطربة، تتسلل الحكاية هذه المرة إلى مناطق لم يجرؤ العمل على طرقها سابقا، حيث تختلط السياسة بالعائلة، والمال بالوهم، وكل ما بناه تومي يتحول تدريجيا إلى عبء، وكل انتصار سابق يعاد تفسيره كخسارة مؤجلة.
"بيكي بلايندرز: الرجل الخالد"، ريبيكا فيرغسون في دور كاولو إلى جانب كيليان مورفي في دور تومي
وسط هذا التشابك، يظهر الابن ديوك شيلبي كانحراف عن الأصل أكثر من كونه امتدادا له. ليس وارثا، بل تشويه لفكرة الوراثة ذاتها: فوضوي، عدمي، بلا مركز أخلاقي. الصراع بين الأب والابن يستثمر رمزيا: مواجهة بين وعي متأخر، وعدمية مبكرة، بين من فهم متأخرا، ومن لا يسعى للفهم أصلا.
في قلب هذا البناء الدرامي، يقدم كيليان مورفي واحدا من أكثر أدواره تعقيدا ونضجا، إلى جانب دوره المميز في فيلم "أوبنهايمر" لكريستوفر نولان. أداؤه هنا لا يعتمد على الانفجار أو الخطابة، بل على الاقتصاد الحاد: نظرة طويلة، صمت ثقيل، حركة بالكاد تلاحظ. هذا الأداء لا يبني الشخصية بقدر ما يكشفها، حتى نصل إلى جوهر هش، وروح تتداعى. تومي شيلبي لم يعد زعيما بقدر ما أصبح أثرا لما كان عليه.
"بيكي بلايندرز: الرجل الخالد". كيليان مورفي في دور تومي
هندسة الكآبة
الإخراج يتبنى لغة بصرية يمكن وصفها بـ"هندسة الكآبة". الكاميرا لا تلاحق الحدث، بل تراقبه من مسافة محسوبة، وكأنها تخشى التورط. اللقطات طويلة، الإيقاع بطيء، والضوء شحيح. كل شيء يبدو كأنه يختنق ببطء. لا وجود للفخامة البصرية التي ميزت المسلسل، بل هناك خشونة متعمدة، تعيد العالم إلى حالته الأولى: قاس، بارد، وغير قابل للترويض. الفيلم الذي أدار تصويره جورج ستيل، عكس مناخات بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية حيث الحرائق والانفجارات والركام والطين، عبر ديكورات جاكلين أبراهامز التي أعادت خلق إنكلترا زمن القصف الألماني، ليبدو العمل "قذرا بشكل فخم"، وفق وصف أحد النقاد.
وتأتي بعض المشاهد كمفاتيح قراءة، وليس مجرد لحظات درامية، من أبرزها مشهد حظيرة الخنازير الموحلة، الذي يمكن اعتباره تكثيفا بصريا لفكرة الفيلم بأكملها. فوجود تومي في هذا الفضاء والعراك الذي نشب مع ابنه لا يوحي بالسيطرة، بقدر ما يرمز الى انه أصبح جزءا من هذا الانحدار الذي صنعه بنفسه.
عند مقارنة الفيلم بالمسلسل، لا يمكن الحديث عن تفوق أحدهما على الآخر بقدر ما يمكن الحديث عن اختلاف في الجوهر. فالمسلسل كان قائما على الحركة: تحالفات، صراعات، صعود وسقوط، بينما الفيلم قائم على الثبات: ثبات الانهيار، واستمرار التآكل. في المسلسل، كان الحدث يقود الشخصية، أما هنا فالشخصية هي التي تعيد تشكيل الحدث، أو تعيقه. الحوار كان أداة أساسية، أما الآن فقد أصبح الصمت اللغة الأكثر صدقا.
"بيكي بلايندرز: الرجل الخالد"، كيليان مورفي لي دور تومي، وريبيكا فيرغسون في دور كاولو/زيلدا
هذه المقاربة لا تخلو من مخاطرة، فالجمهور الذي تشكلت علاقته بالعمل عبر التشويق وإيقاعه السريع، قد يجد نفسه أمام تجربة ترفض هذا الإيقاع. لكن هذه المجازفة هي بالضبط ما يمنح الفيلم قيمته: إنه لا يعيد إنتاج ما نجح، بل يفككه.
في المسلسل، كان الحدث يقود الشخصية، أما هنا فالشخصية هي التي تعيد تشكيل الحدث، أو تعيقه
"بيكي بيلاندرز" ليس فيلم عن العصابات بالمعنى التقليدي، ولا يمثل خاتمة مريحة لمسلسل ناجح. إنه تجربة سينمائية تسعى إلى طرح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات. قد يرهق بعض المشاهدين بإيقاعه البطيء، وإجوائه الكئيبة، وقد يربكهم بتجريده، لكنه في المقابل يمنحهم فرصة نادرة: أن يشاهدوا شخصية أسطورية وهي تتفكك أمامهم، لا بفعل عدو خارجي، بل تحت وطأة ذاتها.