غالبا ما تسير الاستعراضات العسكرية في واحد من مسارين. ففي أزمنة الاستقرار الدولي، تغلب عليها الصبغة الاحتفالية، فتغدو منصة لإظهار الانفتاح، وتفعيل الدبلوماسية، وترسيخ صورة الوحدة الرمزية عبر حضور قادة أجانب. أما حين تتلبد أجواء السياسة الخارجية، فإن وظيفتها تتبدل، فتتحول إلى أداة لإبراز القوة العسكرية، والتلويح بما تملكه الدولة من موارد، وشد العصب الداخلي. وحتى وقت قريب، دأبت موسكو على عرض أحدث منظوماتها التسليحية بانتظام في "الساحة الحمراء".
منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تقلص حجم الاستعراضات على نحو لافت. ويعود ذلك إلى جملة عوامل، في مقدمتها انشغال جزء كبير من المعدات على الجبهات، والانتقادات الموجهة إلى عرض منظومات لا تشارك فعليا في القتال، أو لا تنتج بكميات كبيرة، فضلا عن استمرار خطر الغارات الجوية، التي تؤثر على شكل الفعاليات الجماهيرية. وفي عام 2026، يتوقع أن توقف خدمات الإنترنت عبر الهاتف المحمول والرسائل النصية القصيرة، وأن يقام الاستعراض بصيغة محدودة من دون معدات عسكرية. ويقول الكرملين إن "ستة قادة أجانب سيحضرون المناسبة"، وهو رقم أدنى مما سجل في عامي 2023 و2024. وفي المقابل، لم يحضر أي ضيف أجنبي في عام 2022، بينما شارك 27 زعيما في استعراض الذكرى الثمانين عام 2025.
في سياق تصعيد متجدد، فتحت موسكو قناة اتصال بين سيرغي لافروف وماركو روبيو، في خطوة نادرة على مستوى التواصل المباشر بينهما، ولا سيما أن محادثتهما السابقة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي تناولت فكرة عفى عليها الزمن، تمثلت في عقد لقاء بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب. ومع أن ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، توليا في الفترة الأخيرة إدارة الملف الروسي في واشنطن، فإن تطورات اللحظة الراهنة، فرضت حوارا عاجلا. وقد أتاحت التوترات التي سبقت 9 مايو/أيار مساحة لبحث الأزمة الأوكرانية، ومخاطر الانزلاق إلى تصعيد أوسع، بما في ذلك احتمال انخراط الولايات المتحدة.
يستثمر عدد من القوى السياسية رمزية 9 مايو/أيار، غير أن قراءاتها داخل روسيا تكاد تلتقي عند جوهر واحد. فالشيوعيون يركزون على دور الدولة والقيادة، بينما يضع الديمقراطيون تضحيات الشعب في الواجهة. ومع ذلك، تبقى البطولة وفداحة الحرب وأهمية النصر قواسم لا يختلف عليها أحد. وبهذا المعنى، يتحول التمسك بهذه الذاكرة المشتركة، إلى اختبار غير رسمي للشرعية السياسية، إذ يجد من يطعن فيها نفسه، عمليا، خارج المجال العام.

