فيروس "هانتا"… هل يعيد مخاوف "كورونا"؟ وما حقيقة هذا التفشي؟

فيروس قاتل على متن سفينة سياحية

Al Majalla
Al Majalla

فيروس "هانتا"… هل يعيد مخاوف "كورونا"؟ وما حقيقة هذا التفشي؟

يتسع نطاق القلق الدولي المرتبط بتفشي فيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية "إم في هوديوس" بعدما أعلنت السلطات الصحية في فرنسا والولايات المتحدة وسويسرا تسجيل إصابات مؤكدة بين ركاب وطاقم السفينة الذين جرى إجلاؤهم خلال الأيام الماضية، بينما تستعد إسبانيا لاستكمال إعادة آخر الركاب المتبقين إلى بلدانهم بعد أسابيع من الأزمة الصحية التي تحولت إلى أحد أكثر حوادث التفشي إثارة للقلق في الرحلات البحرية خلال السنوات الأخيرة.

وأعلنت وزيرة الصحة الفرنسية، أن راكبة فرنسية أُجلِيت من السفينة بعدما ثبتت إصابتها بسلالة "الأنديز" من فيروس "هانتا"، مشيرة إلى أن حالتها الصحية تشهد تدهورا أثناء خضوعها للعزل الطبي في باريس. وأكدت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية إصابة مواطن أميركي كان ضمن 17 راكبا جرى نقلهم جوا من السفينة، بينما ظهرت أعراض خفيفة على راكب أميركي آخر يخضع حاليا للمراقبة الطبية، ونظمت أوستراليا رحلة خاصة لإجلاء عدد من الركاب، ونقلت هولندا 18 شخصا، ومن المقرر أن تغادر السفينة في اتجاه هولندا بعد إخلائها بالكامل من الركاب، على أن يبقى طاقم محدود يضم نحو 30 فردا على متنها لتنفيذ عمليات تطهير وتعقيم شاملة للسفينة بعد أسابيع من التفشي.

وفي سويسرا، أعلنت السلطات الصحية أن أحد أفراد طاقم السفينة، وهو مواطن سويسري، يخضع للحجر الصحي في هولندا بعد ثبوت إصابته بالفيروس، فيما التزم شخص آخر العزل الذاتي داخل سويسرا بعد الاشتباه بتعرضه للعدوى.

ما هو فيروس " هانتا"؟

فيروس "هانتا" ليس فيروسا واحدا كما يعتقد كثيرون، بل عائلة كاملة من الفيروسات الحيوانية المنشأ التي تنتقل أساسا من القوارض إلى البشر. وسُميت هذه الفيروسات نسبة إلى نهر "هانتان" في كوريا الجنوبية، حيث جرى التعرف إليها للمرة الأولى خلال خمسينيات القرن الماضي أثناء الحرب الكورية، عندما أصيب عدد من الجنود بحمى غامضة ومضاعفات خطيرة في الكلى.

وتعيش هذه الفيروسات داخل أنواع مختلفة من القوارض، خاصة الفئران والجرذان، دون أن تتسبب لها بأعراض واضحة، لكنها قد تتحول إلى تهديد خطير عندما تنتقل إلى الإنسان.

ويكمن الخطر الحقيقي في أن بعض سلالات هانتا تستطيع مهاجمة الرئتين أو الكلى بصورة شديدة، وقد تؤدي إلى الوفاة خلال فترة قصيرة إذا لم يحصل المريض على الرعاية الطبية المناسبة في الوقت المناسب.

CDC
البنية الدقيقة لعدد من الجسيمات الفيروسية، أو ما يعرف بـ"الفيريونات"، التابعة لفيروس "هانتا"

لماذا عاد فيروس "هانتا" إلى الواجهة العالمية الآن؟

عاد اسم فيروس "هانتا" بقوة إلى الأخبار العالمية بعد ظهور مجموعة حالات مرتبطة بسفينة الرحلات السياحية "إم في هونديوس" التي كانت تعبر المحيط الأطلسي. فخلال الرحلة، بدأت تظهر على بعض الركاب أعراض غامضة مثل الحمى والإرهاق وآلام العضلات، قبل أن تؤكد الفحوص إصابة عدد منهم بفيروس "هانتا"، مع تسجيل وفيات مرتبطة بالعدوى.

وأثار هذا الحادث اهتماما دوليا واسعا لأن السلالة المكتشفة يُعتقد أنها "فيروس الأنديز" وهي السلالة الوحيدة المعروفة حتى الآن بقدرتها على الانتقال المحدود بين البشر، وإن كان ذلك يحدث بصعوبة شديدة ويحتاج إلى مخالطة قريبة ومطولة.

لماذا تراقب منظمة الصحة العالمية فيروس "هانتا" بحذر؟

لأن بعض سلالاته شديدة الخطورة وقد تؤدي إلى الوفاة بنسب مرتفعة، خصوصا السلالات المرتبطة بمتلازمة "هانتا" الرئوية في الأميركتين وتصل معدلات الوفاة فيها إلى نحو 40 أو حتى 50٪ من المصابين.

كما أن وجود سلالة مثل "فيروس الأنديز" القادرة على الانتقال المحدود بين البشر يفرض على السلطات الصحية متابعة أي تفش جديد بدقة، حتى لو كانت احتمالات الانتشار العالمي لا تزال منخفضة للغاية.

هل فيروس "هانتا" يشبه فيروس "كورونا"؟

رغم المقارنات التي ظهرت بعد حادث السفينة السياحية، فإن فيروس "هانتا" يختلف جذريا عن فيروس "كورونا". فـ"كوفيد-19" كان ينتشر بسهولة كبيرة عبر الهواء ومن خلال المخالطة العابرة أحيانا، بينما لا ينتقل "هانتا" بهذه السهولة.

فمعظم أنواع فيروس "هانتا" لا تنتقل أصلا بين البشر، بل تنتقل من القوارض فقط. وحتى سلالة "الأنديز"، التي يمكن أن تنتقل بين الأشخاص، تحتاج عادة إلى مخالطة قريبة ومستمرة مع شخص مصاب تظهر عليه الأعراض بالفعل.

AFP
وصلت السفينة التي تفشى على متنها فيروس "هانتا"، إلى الميناء الصناعي في غراناديلا دي أبونا بجزيرة تينيريفي ضمن جزر الكناري الإسبانية

كيف ينتقل فيروس "هانتا" إلى البشر؟

ينتقل فيروس "هانتا" غالبا عبر القوارض المصابة، خاصة الفئران والجرذان. ويوجد الفيروس في بول هذه الحيوانات وفضلاتها ولعابها، وعندما تجف الفضلات قد تتحول إلى جزيئات دقيقة تختلط بالهواء.

وعندما يستنشق الإنسان هذا الهواء الملوث، يمكن أن تنتقل العدوى إليه. ولهذا يرتبط كثير من الإصابات بدخول أماكن مغلقة أو مهجورة تحتوي على فضلات القوارض، مثل المخازن أو الحظائر أو البيوت الريفية القديمة.

كما قد تنتقل العدوى من خلال لمس السطوح الملوثة ثم لمس الأنف أو الفم، أو عبر عضات القوارض في بعض الحالات الأقل شيوعا.

لماذا أثار تفشي فيروس "هانتا" على متن سفينة سياحية القلق في إسبانيا؟

أثار التفشي حالة من القلق في إسبانيا كونها الوجهة النهائية لرسو السفينة المنكوبة. ودفع ذلك منظمة الصحة العالمية إلى إرسال مديرها تيدروس أدهانوم غيبريسوس إلى إسبانيا لمتابعة الأزمة والإشراف على عمليات الفحص والعزل.

وفرضت السلطات الإسبانية إجراءات احترازية مشددة شملت عزل الحالات المشتبه فيها وإجراء تحاليل موسعة للركاب وأفراد الطاقم، مع تشديد الرقابة الصحية في الميناء.

وارتبط القلق الإسباني بعوامل متداخلة. فالسفينة كانت راسية بالقرب من جزر الكناري، وهي واحدة من أكثر الوجهات السياحية ازدحاما في أوروبا، مما أثار مخاوف من احتمال انتقال العدوى إلى العاملين في الموانئ أو الطواقم الطبية أو حتى الركاب الذين نزلوا من السفينة قبل اكتشاف الحالات. كما أعادت الأزمة إلى أذهان كثيرين في إسبانيا وأوروبا ذكريات الفوضى التي صاحبت جائحة "كوفيد-19"، عندما تحولت بعض السفن السياحية إلى بؤر مغلقة للعدوى.

لماذا ترتبط الإصابة غالبا بالأماكن المغلقة؟

لأن الفيروس يعتمد في انتقاله على الجزيئات الدقيقة المتطايرة من البول أو الفضلات الجافة للقوارض. وفي الأماكن المغلقة السيئة التهوية، تتراكم هذه الجزيئات في الهواء، ما يزيد احتمال استنشاقها.

ولهذا كثيرا ما ترتبط العدوى بتنظيف مخازن قديمة أو أكواخ مهجورة أو أماكن ظلت مغلقة لفترات طويلة، خصوصا في المناطق الريفية أو الزراعية.

ويحذر الخبراء دائما من تنظيف فضلات القوارض بالمكنسة أو الكنس الجاف، لأن ذلك قد ينشر الفيروس في الهواء بشكل أكبر.

ما هي سلالة "الأنديز" ولماذا تثير القلق؟

فيروس "الأنديز" هو أشهر سلالات "هانتا" وأكثرها إثارة للقلق، لأنه السلالة الوحيدة المعروفة حاليا التي تستطيع الانتقال بين البشر، وإن كان ذلك يحدث بشكل محدود ونادر.

تنتشر هذه السلالة بشكل رئيس في الأرجنتين وتشيلي، وقد ارتبطت في السابق بتفشيات محدودة داخل العائلات أو بين الأشخاص الذين كانت تجمعهم مخالطة وثيقة لفترات طويلة.

وفي عام 2018، شهدت الأرجنتين تفشيا لفيروس "الأنديز" جرى تتبعه إلى حفلة اجتماعية، حيث يُعتقد أن شخصا واحدا نقل العدوى إلى عشرات الأشخاص دون أن يعلم، وتوفى عدد منهم لاحقا.

ورغم أن التفشي ظل محدودا، فإنه كان دليلا واضحا على أن انتقال العدوى بين البشر ممكن بالفعل في بعض الظروف.

ما الأعراض الأولى لفيروس "هانتا"؟

تبدأ العدوى عادة بأعراض عامة تشبه الإنفلونزا، وهو ما يجعل تشخيص المرض صعبا في مراحله المبكرة. ويشعر المصاب غالبا بحمى مفاجئة وإرهاق شديد وآلام عضلية، خاصة في الظهر والفخذين والكتفين.

وقد تظهر أعراض أخرى مثل الصداع والقشعريرة والغثيان والقيء وآلام البطن والإسهال. وتستمر هذه المرحلة أياما عدة قبل أن تتطور الحالة بصورة أكثر خطورة لدى بعض المرضى.

وهذا التشابه مع أمراض شائعة مثل الإنفلونزا أو "كوفيد-19" يجعل كثيرا من الحالات تُكتشف متأخرة نسبيا.

ما هي متلازمة "هانتا" الرئوية؟

أخطر أشكال المرض في الأميركتين، وتحدث عندما يهاجم الفيروس الرئتين والأوعية الدموية المحيطة بهما.

فبعد الأيام الأولى من الحمى والإرهاق، يبدأ المريض في المعاناة من سعال وضيق شديد في التنفس، ثم تتراكم السوائل داخل الرئتين بسرعة، مما يؤدي إلى فشل تنفسي خطير قد يتطور خلال ساعات فقط.

وفي هذه المرحلة، يحتاج المريض غالبا إلى العناية المركزة، وقد يتطلب الأمر استخدام أجهزة التنفس الصناعي.

REUTERS
أنابيب اختبار تحمل ملصقا بعبارة "إيجابي لفيروس هانتا"

ما الحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية؟

هذا الشكل من المرض يظهر أكثر في آسيا وأوروبا، ويؤثر بشكل رئيس في الكلى والأوعية الدموية. وتبدأ الأعراض أيضا بحمى وآلام عضلية وصداع، قبل أن تتطور إلى انخفاض خطير في ضغط الدم واضطرابات نزفية وفشل كلوي.

وقد يلاحظ الأطباء ظهور دم في البول أو البراز، كما قد يتوقف إنتاج البول لدى بعض المرضى في الحالات الشديدة. وعندها يصبح غسيل الكلى ضروريا لإنقاذ الحياة.

ورغم أن نسبة الوفاة في هذا الشكل أقل عادة من المتلازمة الرئوية، فإنه لا يزال مرضا خطيرا يحتاج إلى تدخل طبي عاجل.

كم تستغرق فترة حضانة فيروس "هانتا"؟

طويلة نسبيا مقارنة ببعض الفيروسات الأخرى. ففي بعض الحالات تظهر الأعراض بعد أسبوع واحد فقط من التعرض، بينما قد تستغرق أحيانا ستة أو حتى ثمانية أسابيع.

وهذا الأمر يجعل تتبع مصدر العدوى أكثر تعقيدا، لأن الشخص قد لا يتذكر بسهولة تعرضه السابق للقوارض أو دخوله مكانا ملوثا قبل أسابيع.

هل يوجد علاج مباشر لفيروس "هانتا"؟

حتى الآن، لا يوجد علاج معتمد قادر على القضاء مباشرة على فيروس "هانتا"، كما لا يوجد لقاح عالمي فعال ضد جميع سلالاته.

ولهذا يعتمد العلاج على دعم الجسم ومساعدة الأعضاء المتضررة حتى يتمكن الجهاز المناعي من مقاومة العدوى.

وتشمل الرعاية الطبية إعطاء الأوكسيجين للمساعدة في التنفس، واستخدام أجهزة التنفس الصناعي في الحالات الحرجة، وغسيل الكلى عند حدوث فشل كلوي، بالإضافة إلى المراقبة الدقيقة داخل وحدات العناية المركزة.

كما لا يوجد أي لقاحات معتمدة عالميا لذلك الفيروس.

هل توجد أدوية مضادة للفيروس؟

في بعض حالات الحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية، استخدم الأطباء دواء مضادا للفيروسات يُعرف باسم "ريبافيرين" وأظهر بعض الدراسات أنه قد يساعد في تقليل شدة المرض إذا استُخدم مبكرا.

لكن تأثيره ليس حاسما في جميع الحالات، ولا يزال البحث مستمرا لتطوير علاجات أكثر فعالية.

هل يمكن أن يتحول فيروس "هانتا" إلى جائحة عالمية؟

حتى الآن، يرى الخبراء أن احتمالات حدوث ذلك منخفضة للغاية، لأن الفيروس لا ينتشر بسهولة بين البشر مثل "كورونا" أو الإنفلونزا.

لكن القلق العلمي يتركز حول احتمال ظهور طفرات جديدة أو تغيرات بيئية قد تؤثر في طريقة انتقاله مستقبلا. ولهذا تواصل منظمة الصحة العالمية مراقبة أي تفشيات جديدة بدقة، خصوصا تلك المرتبطة بسلالة "الأنديز".

font change

مقالات ذات صلة