السينما المصرية 2025 – 2026 والبحث عن سينما مستقلة

اتجاه شاب يحاول انتزاع مكانه في زمن التحديات

السينما المصرية 2025 – 2026 والبحث عن سينما مستقلة

شهدت السينما المصرية في موسم 2025 و2026 صعودا في الإيرادات هو الأكبر منذ سنوات، رغم انخفاض عدد الأفلام المعروضة عن العام الذي سبقها. ولكن من جهة أخرى شهدت ايضا عددا من التجارب المختلفة التي تستحق الاهتمام ويمكن النظر إليها كمحاولات للخروج من إطار السينما التقليدية السائدة من حيث الشكل أو المضمون، ليشكل هذا الموسم نموذجا كاشفا لحال صناعة سينما تتأرجح بين البحث عن النجاح الاستهلاكي والمنافسة على شباك التذاكر من جهة، وبين البحث عن نجاح جماهيري يكون جديرا ايضا بالاحتفاء النقدي والمشاركة في فعاليات سينمائية دولية. فأعمال متباينة مثل "الست" و"عائشة لا تستطيع الطيران" و"القصص" و"سيكو سيكو"، تعكس رؤى مختلفة عن الصناعة، كما ترسم مسارات محتملة للمستقبل في ظل فترة غاية في الارتباك واللايقين لا على الصعيد المحلي أو الإقليمي فحسب وإنما على الصعيد الدولي ايضا.

عالميا، أثرت جائحة "كوفيد" عام 2020 على الإنتاج السينمائي وخاصة في مصر التي كانت بالفعل تواجه أزمة في صناعة السينما بدأت قبل الجائحة.

ملصق "عائشة لا تستطيع الطيران"

ولكن شهد عام 2023 قفزة مهمة، من 24 فيلما في دور العرض عام 2022 وبإيرادات 500 مليون جنيه، إلى 42 فيلما عام 2023 بإيرادات 650 مليون جنيه، وهو ما استمر في 2024 بـ43 فيلما لكن بارتفاع ملحوظ في الإيرادات وصل إلى 970 مليون جنيه. أما العام 2025 فشهد انخفاضا في عدد الأفلام المعروضة داخل مصر وصل إلى 32 فيلما ولكن بإيرادات تجاوزت المليار و300 مليون جنيه مصري.

وقد اتسمت الأفلام المعروضة في الأعوام السابقة على 2025 باتباعها قوالب تجارية جاهزة لم تقدم شيئا مختلفا أو جديدا باستثناء قلة قليلة من الأفلام واجهت هي الأخرى استقبالا نقديا مختلطا.

مؤشرات نحو تغير أعمق يتم ببطء على مدار سنوات ويبحث عن مسارات أخرى لم تتبلور بعد

أما عام 2025 فاتسم أولا بعدد كبير من التجارب المختلفة يشكل ما يقترب من ثلث عدد الأفلام المعروضة داخل مصر وخارجها، واتسم ثانيا بصعود نجوم شباب جدد لأدوار البطولة، وثالثا بتقديم عدد كبير من المخرجين أول أعمالهم الروائية الطويلة، وأخيرا غلبة الإنتاج المشترك على القسم الأعظم من أفلام العام، مما يشير إلى نمط إنتاجي آخذ في التصاعد بقوة منذ سنوات ليحل محل الإنتاج المنفرد. تتمتع تلك السمات بأهمية كبيرة كونها تظهر في عام سينمائي واحد فقط، وخاصة عند النظر إلى الصورة الأعم التي تضم السينما التسجيلية والأفلام القصيرة والإنتاج الدرامي التلفزيوني للعام نفسه، والذي يتشارك تلك السمات مع صناعة السينما، فكلها مؤشرات نحو تغير أعمق يتم ببطء على مدار سنوات ويبحث عن مسارات أخرى لم تتبلور بعد.

الأعمال الأولى: مخرجون وأبطال

من ضمن تلك التجارب المختلفة، افتتح عام 2025 بفيلم "البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو"، من بطولة النجم الشاب عصام عمر ومن تأليف محمد الحسيني والمخرج خالد منصور في تجربته الإخراجية الأولى، تدور أحداثه حول حسن (عصام عمر) الذي يعيش في ظروف اجتماعية ومادية خانقة بمدينة القاهرة ويعاني شيئا من الاغتراب، وتقوده الأحداث إلى السعي من أجل تهريب كلبه وصديقه رامبو، وانقاذه من الموت. حمل الفيلم إشارات عديدة كتحية لما عرف باسم سينما الواقعية الجديدة المصرية في الثمانينيات، كما لاقى استقبالا نقديا معقولا وتفاعلا جماهيريا عند قطاعات معينة من الشباب. شارك الفيلم في مهرجان فينيسيا الدولي الـ 81 فنال عرضه الأول خارج مصر في 4 سبتمبر/ أيلول 2024 في قسم "أوريزونتي اكسترا"، كما حصل على جائزة لجنة التحكيم من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، بالإضافة إلى تنويه خاص من لجنة تحكيم مهرجان قرطاج في دورته الخامسة والثلاثين في العام 2024 أيضا.

ملصق "البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو"

في يناير/ كانون الثاني، جاء فيلم "سنووايت" وهو الفيلم الروائي الطويل الأول لمخرجته تغريد عبد المقصود كتجربة نادرة في السينما المصرية، إذ يتناول قصار القامة ومعاناتهم اليومية وأحلامهم الطبيعية التي تتصادم مع التمييز المجتمعي. فبطلة الفيلم إيمان (مريم شريف) تحلم بالزواج ممن يحبها لشخصها هي، بلا أي اعتبارات أخرى. لذلك تخفي حقيقة طولها عن أحد الشباب الذين تتعرف إليهم من خلال تطبيق رقمي للزواج. نالت مريم شريف جائزة افضل ممثلة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي اثناء عرضه في التاسع من ديسمبر/ كانون الأول 2024، وبالرغم من عرضه في الخامس عشر من يناير/كانون الثاني 2025 في مصر، إلا أنه لم ينل حظه من البقاء بالقدر الكافي في دور العرض المحدودة التي عرضته بالرغم من اهتمام قطاع من جمهور السينما به. إلا أن حسابات التوزيع والعرض الخاصة بالأفلام الأجنبية والأميركية تحديدا ربما كانت من العوامل الرئيسة لعدم استمراره بالقدر الكافي.

ملصق "سنووايت"

يمثل كل من "رامبو" و"سنووايت" أفلاما معبرة عن اغتراب شخصياتها كل بطريقته وسعيهم للخلاص من قيود وجدوا أنفسهم فيها بدون إرادتهم، وهي الثيمة التي نراها ايضا في الأعمال الأقرب الى السينما البديلة وبصيغة أكثر وضوحا وعنفا وربما أكثر قتامة، وسنأتي إليها عند الحديث عن السينما البديلة.

ملصق "سيكو سيكو"

من الأعمال التي حققت نجاحا جماهيريا ساحقا عند عرضها في أواخر مارس/ آذار 2025، قدم المخرج عمر المهندس فيلم "سيكو سيكو" من تأليف محمد الدباح، في تجربته الروائية الأولى أيضا، بعد النجاح الكبير لمسلسله "بالطو" في عام 2023، أول أدوار البطولة لعصام عمر ومريم الجندي. الفيلم من بطولة عصام عمر (يحيى) وطه دسوقي (سليم) في دور ابنَي عم، بشخصيتين وخلفيتين متنافرتين، إذ يحصلان على ميراث عمهما المتوفى، الذي سرعان ما يتبين أنه عبارة عن شحنة مخدرات، فيجبران على محاولة التصرف بها، مما يقودهما إلى العديد من المفارقات الكوميدية وإلى تكوين صداقة بينهما مع الوقت.

استشعر بعض نجوم شباك السينما المصرية تلك الموجة الآخذة في التصاعد فسعوا تدريجيا إلى محاولات لتغيير جلدهم بدرجات مختلفة

عمل آخر كان مبشرا إلى حد كبير، فيلم "كولونيا" الذي عرض في 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، من تأليف وإخراج محمد صيام، كأولى تجاربه الروائية الطويلة، ومن بطولة أحمد مالك والنجم الفلسطيني كامل الباشا، وتدور أحداثه حول لقاء اب وابنه في ليلة طويلة مشحونة بخلافات الماضي التي لا يلبثان أن يحاولا تجاوزها معا. ثيمة أخرى هي العلاقات العائلية المركبة وخاصة بين الأبناء والآباء وتركتهم الثقيلة تجمع بين الفيلمين، وكثيمة الاغتراب، سنراها تتكرر في أفلام أخرى.

ملصق "الدشّاش"

تدل هذه التجارب بغض النظر عن التقييمات النقدية المختلفة لها، على تشكل اتجاه شاب يحاول انتزاع مكانه في قلب صناعة السينما، حاملا معه موضوعات تعكس رؤاه وهمومه واهتماماته. اتجاه وجد نقطة انطلاقه في عام 2025 بعد سنوات عديدة من المحاولات بدأت بالدراما التلفزيونية ومنها تشكلت قاعدة جماهيرية تتسع تدريجيا. ربما استشعر بعض نجوم شباك السينما المصرية تلك الموجة الآخذة في التصاعد فسعوا تدريجيا إلى محاولات لتغيير جلدهم بدرجات مختلفة. فعلى سبيل المثل، عاد محمد سعد إلى السينما بدور مختلف في فيلم "الدشاش" الذي جاء في قالب درامي، بخلاف نمط الأفلام الكوميدية التي تعود جمهوره عليها، بينما شارك أحمد السقا مع أحمد فهمي في فيلم "أحمد وأحمد" الذي يميل إلى الكوميديا، بخلاف أفلام "الأكشن" التي اشتهر بها السقا طوال مسيرته، عدا بعض الاستثنائات القليلة. أمير كرارة قدم فيلم "أكشن" خفيفا، "الشاطر"، مشاركا مصطفى غريب نجم الكوميديا الصاعد بقوة. عدا ذلك، لم تأت بقية أفلام النجوم بجديد على الساحة السينمائية، بل استمرت في إعادة إنتاج مساحتها الآمنة.

ملصق "ضي"

فيلمان لمخرج واحد

أما المخرج كريم الشناوي، فبعد نجاحاته المتتالية في الدراما التلفزيونية بدءا من "خلي بالك من زيزي" عام 2021، و"الهرشة السابعة" عام 2023، و"لام شمسية" عام 2025، فنافس بفيلمين، "ضي: سيرة أهل الضي" من تأليف هيثم دبور وبطولة بدر محمد ومحمد ممدوح، ويدور حول طفل نوبي ألبينو، يسعى إلى تحقيق حلمه في الغناء متسلحا بصوته الجميل ونتتبعه في رحلته الحافلة بالمفارقات من أسوان الى القاهرة لتحقيق حلمه.

ملصق "خلي بالك من زيزي"

عرض الفيلم في الخامس من ديسمبر/كانون الأول عام 2024 بينما نال عرضه الأول في مصر في الثالث من سبتمبر/ أيلول عام 2025. وكما في "سنو وايت"، يعاني البطلان من التمييز ويسعيان إلى تحقيق أحلامهما معتمدين على ما يمتلكانه من خصال في مواجهة العقبات الاجتماعية التي تواجههما.

ملصق "السادة الأفاضل"

أما الفيلم الثاني الذي حقق نجاحا كبيرا وأثار جدلا فهو فيلم "السادة الأفاضل" الذي عرض في 21 أكتوبر،تشرين الأول عام 2025. الفيلم من تأليف مصطفى صقر ومحمد عز الدين  - صاحبي الأعمال الكوميدية الناجحة مثل "الكبير أوي" و"الحرب العالمية الثالثة" و"بنك الحظ" و"نيللي وشريهان" - وعبد الرحمن جاويش – الذي شارك في كتابة مسلسلات "الصفارة" و"النص" لأحمد أمين و"متحف الدحيح" لأحمد الغندور وغيرهم -  وجمع بين نجوم كبار مثل محمد ممدوح وأشرف عبد الباقي وانتصار ومحمد شاهين وبيومي فؤاد، ونجوم شباب مثل طه دسوقي وعلي صبحي وميشال ميلاد. تدور أحداثه خارج القاهرة في الريف وتبدأ بوفاة الأب جلال أبو الفضل (بيومي فؤاد)، وسرعان ما يتكشف الفساد في جميع الشخصيات، فابناء جلال يجدون أنفسهم في القلب من عملية تجارة آثار – مصدر ثروة جلال غير المعلن – وإخوة جلال يحاولون استغلال الظروف لنيل النصيب الأكبر من المال بطرق مختلفة، ويحاول الشباب استغلال انشغال الناس بالعزاء لسرقة خزنة البريد في المبنى المقابل لبيت عائلة ابو الفضل، وتتعقد الأمور أكثر فأكثر في قالب يغلب عليه شيء من العبث.

تركة الآباء الثقيلة والعلاقات العائلية المركبة وفساد المجتمع واعتياده الجريمة، كلها ثيمات تكررت في أكثر من عمل 

تركة الآباء الثقيلة والعلاقات العائلية المركبة وفساد المجتمع واعتياده الجريمة، كلها ثيمات تكررت في أكثر من عمل كما رأينا، وإن كان يضاف الى "السادة الأفاضل" وجوده في موقع صراع اجتماعي من نوع آخر يزداد حدة منذ سنوات، صراع بين البورجوازية والطبقة الوسطى العليا من جهة، وبين الطبقات الشعبية والريفية خصوصا من جهة أخرى، والتنافر إلى حد العداء بين نمطي حياتهم ورؤاهم للمجتمع المصري.

الاقتراب من السينما البديلة

يمكن القول إن عملين روائيين فقط من العام 2025 هما الأكثر اقترابا من روح السينما البديلة وتقنياتها. أولهما وأكثرهما إثارة للجدل "عائشة لا تستطيع الطيران". الفيلم هو أولى التجارب الروائية الطويلة لمخرجه مراد مصطفى الذي اشترك في تأليفه مع محمد عبد القادر وسوسن يوسف، وعرض في مهرجان "كان" في العشرين من مايو/ أيار 2025  ضمن قسم "نظرة ما"، وحصل على جائزة "فبريسكي" لأفضل فيلم من مهرجان يريفان السينمائي الدولي بأرمينيا. وبالرغم من عدم نزوله دور العرض المصرية بعد، إلا أن تسريب نسخة منه عبر الإنترنت كان كفيلا بإثارة جدل واسع حول الفيلم على منصات التواصل الاجتماعي وفي المقالات النقدية، إذ اتهم الفيلم بالابتعاد عن الواقع المعيش في مصر والظروف المأسوية التي يتعرض لها اللاجئون فعلا من خلال تقديم صورة أقرب الى الأفلام الأجنبية المفرطة في العنف، وهو جدل شارك فيه المخرج نفسه بعبارات حادة ردا على منتقديه. يتناول الفيلم حياة عائشة (بوليانا سيمونا) اللاجئة الصومالية التي تعمل ممرضة وتعيش على هامش مدينة القاهرة في مجتمع اللاجئين الأفارقة الذي يمتاز بالقهر وصراع العصابات المتحكمة في مصائرهم, وفي القلب من هذا المجتمع عائشة التي تتعرض لكل أشكال القهر والعنف فتجد نفسها محبوسة في دائرة جهنمية تحاول الخروج منها.

ملصق "المستعمرة"

أما الفيلم الآخر فهو "المستعمرة" من تأليف وإخراج محمد رشاد في أولى تجاربه الروائية الطويلة، مستعينا بوجوه جديدة لبطولة الفيلم، وعرض للمرة الاولى في 14 فبراير/شباط عام 2025 ضمن قسم "وجهات نظر" في مهرجان برلين السينمائي الدولي بألمانيا. يدور الفيلم حول الأخوين حسام (أدهم شكر) ومارو (زياد إسلام) اللذين يعيشان على هامش المجتمع السكندري في ،ما يطلق عليه "المستعمرة"، وهو اسم يطلق على إحدى مناطق إقامة العمال الصناعيين إبان الاحتلال الإنكليزي، ويوافقان على عدم رفع دعوى قضائية ضد المصنع حيث توفى والدهما العامل فيه في مقابل أن يحلا محله، إلا أن الأحداث تثير الاسئلة حول ما إذا كانت وفاة الوالد حادثا عرضيا فعلا. حصل الفيلم على جائزة النجمة البرونزية من مهرجان الجونة السينمائي في دورته الثامنة، كما حصل على جائزة الوهر الفضي من مهرجان وهران للفيلم العربي.

بين "عائشة" و"المستعمرة" تتنوع صنوف العنف وطرق التعبير عنها، بين الإفراط في تصويره في "عائشة" والصمت المتأمل في "المستعمرة"، وفي الحالتين تختفي الموسيقى تماما من شريط الصوت السينمائي لتحل محلها أصوات المكان والناس، فلا موسيقى في حياة العمال على هامش مجتمعات المدن الكبرى بل واقع يغلف وجودهم بأصواته.

ملصق "الست"

أشباح الماضي

في 2025، وبالرغم من انشغال غالبية الأعمال بالحاضر وأسئلته وهواجسه، لم تتخل أشباح الماضي عن التمسك بحقها في الظهور. من ضمنها جاءت تجربة فيلم "الست" – المعروض في السادس من ديسمبر/كانون الاول - الذي يتناول حياة أم كلثوم، كحدث انتظره جمهور السينما لما رافقه من دعاية وتكلفة إنتاجية ضخمة جمعت فريقا من نجوم التمثيل في مصر، من بطولة النجمة منى زكي في دور أم كلثوم، وتحت قيادة الثنائي مروان حامد وأحمد مراد في التعاون السابع لهما منذ بدايته في "الفيل الأزرق".

تستحق الإشادة أيضا التجارب التسجيلية التي لم تخل من مطاردة أشباح الماضي هي الأخرى من خلال التجارب الذاتية لصناع تلك الأفلام

انطلاقا من لحظة سقوط أم كلثوم ثم وقوفها من جديد على مسرح الأولمبيا بفرنسا ضمن حفلاتها لدعم المجهود الحربي بعد هزيمة 1967، يحاول الفيلم تناول سيرتها من وجهة نظر مختلفة تركز على حياتها الشخصية ومخاوفها وسبر أغوار ما نجده خلف ذلك القناع الأيقوني المعروف باسم "كوكب الشرق"، من إنسانة عادية تعاني من الوحدة والخوف. وعلى الرغم من حشد الإمكانات للفيلم, إلا أن رد الفعل النقدي والجماهيري جاء مختلطا بين الاعجاب بالفيلم وعدم الرضا عن مستواه، في مفارقة يتحدى بها شبح أم كلثوم الأيقونة مرة أخرى إمكان التعامل معها كشخصية درامية مباشرة.

ملصق "القصص"

أما فيلم "القصص" من تأليف وإخراج أبو بكر شوقي فجاء ليتوج عام 2025 المثير، إذ فاز بجائزة التانيت الذهبي في الدورة الـ 36 من مهرجان أيام قرطاج السينمائية في ديسمبر/كانون الأول الماضي، والذي تزامن ايضا مع فوز الفيلم المصري "مشاكل داخلية 32 ب" لمخرجه محمد طاهر بجائزة التانيت الذهبي للفيلم القصير، وسيشارك بدوره في مهرجان ترايبيكا السينمائي في نيويورك ضمن مسابقة الأفلام الروائية القصيرة في الأسابيع الأولى من شهر يونيو/ حزيران لهذا العام.

يعد فيلم "القصص" المصري الرابع الذي يفوز بتلك الجائزة بعد "الاختيار" ليوسف شاهين عام 1970، و"ميكروفون" لأحمد عبد الله السيد عام 2010، و"ريش" لعمر الزهيري عام 2021. الفيلم من بطولة أمير المصري ونيللي كريم واحمد كمال، تدور احداثه بعد هزيمة 1967 حول شاب مصري يطمح إلى أن يكون عازف بيانو ويبدأ في مراسلة فتاة نمساوية فتتشكل من خلال مراسلاتهما لوحة لعوالمهما المعقدة والمتشابكة، في بانوراما للمجتمع المصري تمتد حتى فترة الثمانينيات. في كلا الفيلمين، يجثم شبح آخر كبير، هو شبح هزيمة 1967 التي لا تزال تحيا بيننا وتلقي بظلالها على تجاربنا المعيشة.

ملصق "أبو زعبل 89"

تستحق الإشادة أيضا التجارب التسجيلية التي لم تخل من مطاردة أشباح الماضي هي الأخرى من خلال التجارب الذاتية لصناع تلك الأفلام. فمن ضمن تلك التجارب التي نالت احتفاء بها في الدوائر المهتمة، فيلم "ابو زعبل 89" لبسام مرتضى، الذي يستعيد اعتقال والده على خلفية تضامنه مع إضراب مصنع الحديد والصلب عام 1989، ومن خلال تقنيات ووسائط مختلفة للحكي وتقفي الذاكرة، يتحرك مرتضى داخل تلك الشبكة المركبة من العلاقات الأسرية والاجتماعية الأوسع. عرض الفيلم داخل مصر في مايو/أيار 2025. وداخل تلك الشبكة نفسها، فيلم "الحياة بعد سهام" لنمير عبد المسيح الذي يحاول هو الآخر اكتشاف ذاته ومن حوله من خلال علاقته بأمه الراحلة ومحاولة صنع فيلم جديد معها مقتفيا ذاكرة مترابطة الخيوط.

 

ملصق "برشامة"

2026 والبحث عن سينما مستقلة

شهد عام 2026، حتى الآن، أفلاما لا تخرج كثيرا عن السياقات السابقة، أبرزها "برشامة" من إخراج خالد دياب وبطولة هشام ماجد وريهام عبد الغفور، ويدور في قالب كوميدي حول طلاب ثانوية عامة تجمعهم محاولة للغش الجماعي وانطلاق أحداث فوضوية تتشابه إلى حد ما مع المسار الذي اتخذه "السادة الأفاضل" لكريم الشناوي.

يأتي فيلم "سفاح التجمع" المأخوذ عن قصة حقيقية في قالب من الإثارة من بطولة أحمد الفيشاوي ومن تأليف وإخراج محمد صلاح العزب في أولى تجاربه الإخراجية، و"فاميلي بيزنس" لمحمد سعد ومن إخراج وائل إحسان في حبكة مشابهة إلى حد ما لفيلم parasite  الكوري الشهير إنتاج 2019، ومن المترقب عرض فيلم "أسد" من بطولة محمد رمضان وإخراج خالد دياب الذي تدور أحداثه حول عبد يسعى للتحرر في مصر القرن التاسع عشر.

لا تزال المصرية المحلية والإقليمية متعطشة لأفلام وتجارب ذات اتجاهات مختلفة، لا تتناسب مع عدد الأفلام المطروحة ونمطها السائد

بالرغم من أي انتقادات يمكن أن توجه الى الأفلام التي تناولناها، تبقى تلك التجارب مهمة وواعدة بنقاش أعمق وتفاعل كبير حول مستقبل صناعة السينما وماهية السينما البديلة، والأشكال ووجهات النظر السينمائية التي يمكنها التعبير عن الواقع المعيش وقضاياه، وكيفية الخروج من نطاق النظرة التجارية التقليدية، وأيضا ضرورة وجود الحركات النقدية المصاحبة لتلك الموجة السينمائية الآخذة في التبلور.

يأتي السؤال أيضا حول إمكان السينما المستقلة ومداها. فمع تصاعد وارتباك القيود البيروقراطية والمادية على التصوير الخارجي في القاهرة وغيرها، وزيادة نسبة الأعمال ذات الإنتاج المشترك والمصحوبة بالضرورة بمعايير الممولين والجهات المانحة، هل يتبقى مجال لسينما مستقلة حقا لتكون رافدا ثقافيا وفنيا وجماهيريا بديلا وبجهود شبه ذاتية؟ وماذا عن آليات التوزيع والعرض في ظل تصاعد نفوذ المنصات وانحسار دور العرض في سينمات المولات والجيوب القليلة المتاحة للسينمات ودور العرض ذات الطابع الفني المهتم بالسينما البديلة مثل "زاوية" و"كريم" وغيرهما؟ وفي ظل تنامي قدرات الذكاء الاصطناعي، كيف يمكن تلك الجهود المنافسة وبأي شكل؟

لا تزال المصرية المحلية والإقليمية متعطشة لأفلام وتجارب ذات اتجاهات مختلفة، لا تتناسب مع عدد الأفلام المطروحة ونمطها السائد. فثقافة المشاهدة تتشكل أيضا بطبيعة الأماكن الحاضنة لدور العرض وبأسعار التذاكر، من سينما المولات إلى المنصات الرقمية إلى مواقع الأفلام المقرصنة وصولا إلى دور العرض البديلة، كل منها يختلف، وكل منها له جمهوره تماما، كنظيرتها دور العرض الجماهيرية المنقرضة تقريبا. في كل الأحوال، تشير الجهود المختلفة  سواء في الأفلام التي تعرضنا لها أو في مجال الأفلام القصيرة، إلى بحث حثيث ممتد لسنين عن سينما بديلة أو مستقلة، تستطيع التعبير عن واقعها بجرأة، حاملة معها رؤى بصرية وإبداعية مختلفة.

font change

مقالات ذات صلة