هل تكرّس قمة ترمب وشي الخليج ساحة تعايش جيو-سياسي؟

حرب إيران تمنح بكين أوراق ضغط لكن التعاون مع واشنطن يوفّر مكاسب أكثر استقرارا

بيتي رينولدز
بيتي رينولدز

هل تكرّس قمة ترمب وشي الخليج ساحة تعايش جيو-سياسي؟

انتهت آخر مواجهة مباشرة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والصين بتراجعٍ أميركي مدو في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025. ففي تلك اللحظة، لجأت بكين إلى سلاح المعادن النادرة، ما دفع ترمب إلى التخلي عن أحدث هجوم في حربه التجارية وطلب هدنة لا تزال صامدة.

وفي ظل الجمود الميداني والدبلوماسي في حرب إيران أو كما يطلق عليها البعض حرب الخليج الثالثة، زار ترمب بكين حيث التقى الرئيس شي جينبينغ، في قمة هي السابعة بين الرجلين والثانية في ولاية ترمب الحالية.

ورغم أن واشنطن طلبت التأجيل الشهر الماضي، يرى مراقبون أن ترمب أحوج للقاء سعيا لإنجاز دولي ومكاسب تجارية قبل الانتخابات النصفية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني، الموعد المفترض لنهاية الهدنة.

سياسات هجومية

ومنذ اللقاء بين ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ في بوسان في كوريا الجنوبية، الذي أرسى الهدنة، تحرك الرئيس الأميركي بخطوات متتابعة لاستعادة زمام المبادرة من بكين، التي وجدت نفسها في أكثر من ساحة متقدمة بخطوة على إيقاعه.

اكتسبت القيادة الصينية خبرة أعمق في التعامل مع تكتيكات ترمب، وقدرة أكبر على استشراف ردوده

في هذا السياق، رأى مراقبون أن سياسات إدارة ترمب الهجومية في بنما وغرينلاند وصولا إلى حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز، تندرج ضمن مسار استراتيجي أوسع نحو الصين، عبر ثلاثة أهداف مترابطة: أولا، تعزيز قدرة واشنطن على التحكم بسوق الطاقة وحرمان الصين من النفط الرخيص. ثانيا، خفض الاعتماد الأميركي على المعادن النادرة الصينية الضرورية للصناعات المتقدمة، بما فيها الصناعات العسكرية. وثالثا، امتلاك أوراق ضغط على التجارة الصينية عبر التحكم بالمضائق البحرية التي تمثل نقاط اختناق رئيسة للتجارة الدولية.

رياح معاكسة 

وكان يمكن أن يكون هناك انقسام حول تقييم ما حققه ترمب خلال الأشهر الستة الماضية لولا حرب إيران، التي كشفت محدودية العمل العسكري والحصار الاقتصادي في تحقيق الأهداف الأميركية. في المقابل، أظهرت الصين استعدادا أعلى من المتوقع ليس فقط في مواجهة اضطرابات إمدادات الطاقة.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال اجتماع ثنائي في مطار غيمهاي الدولي، على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، في بوسان، كوريا الجنوبية، في 30 أكتوبر 2025

وفي الواقع، حققت الصين في الفترة نفسها عدة مكاسب عززت قدرتها على ردع أدوات الإكراه الأميركية الواسعة. فقد ساهمت العقوبات الأميركية في تطوير الصين بدائل محلية ناجحة في تقنيات أساسية، خصوصا الشرائح والذكاء الاصطناعي.

كما اكتسبت القيادة الصينية خبرة أعمق في التعامل مع تكتيكات ترمب، وقدرة أكبر على استشراف ردوده. في هذا السياق، لا يُقرأ شعار "تاكو" الشهير، الذي يعني: "ترمب دائما يجبن"، في الأوساط الصينية، بوصفه سخرية سياسية، بل يفسر بأن الرد الصيني القوي سيجبر ترمب على إعادة التفاوض لا التصعيد، ما يجعل بكين أكثر جرأة.

وفي نقطة قوة ثالثة وصفتها "وول ستريت جورنال" بأنها انطلاقة لعصر "العدوانية التنظيمية"، بدأت بكين أخيرا في تفعيل ترسانتها القانونية "ذات الأنياب" بوجه العقوبات. ويندرج في هذا السياق، إجهاض صفقة استحواذ "ميتا" على شركة "مانوس" الصينية الناشئة في الذكاء الاصطناعي، ودعوة الشركات الصينية لتحدي العقوبات الأميركية على مصافٍ نفطية تتعامل مع طهران.

منحت حرب إيران بكين أوراق ضغط. فبالدرجة الأولى، سلطت الضوء على كونها القوة العظمى الوحيدة التي لا تخوض حربا، وعززت صورتها كقوة عظمى مسؤولة تدفع باتجاه حلول سلمية

هذه التطورات، زادت من الضغوط التي قد تُقيّد هامش حركة ترمب خلال القمة، وتمنح شي في المقابل مرونة أوسع في تحديد ما يمكن تقديمه من تنازلات تكتيكية. كما عززت قدرة بكين على رفع كلفة أي مطالب أميركية، ومنحتها هامشا أكبر لطرح مطالب في قضايا حساسة مثل تايوان. وقد عززت محاولات إدارة ترمب المكشوفة للحصول على مساعدة صينية للخروج من مأزق إيران هذا التوجه. 

الخليج على سلم الأولويات

ويدفع ذلك إلى تساؤلات حول موقع الخليج في جدول أعمال قمة شي وترمب. ويقول تانغ تشي تشاو، وهو باحث أول في معهد دراسات غرب آسيا وأفريقيا، ومدير قسم الدراسات السياسية في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، لـ"المجلة" إن قضية الشرق الأوسط بشكل عام ستنتقل من موقعها الهامشي السابق لتصبح أحد الموضوعات الرئيسة في المحادثات بين شي وترمب.

ويضيف تانغ وهو كذلك نائب رئيس وأمين عام الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط: "مع ذلك، وتحت أي ظرف، لن تتحول إلى محور اللقاء الصيني-الأميركي، ولا ينبغي أن تكون ضمن الأجندة الأساسية لترمب".

 وتميز لين جينغ، الباحثة الزميلة في معهد الشرق الأوسط في الجامعة الوطنية في سنغافورة، بين الأولويات الهيكلية طويلة الأمد، وبين إدارة الأزمات الحادة.

وتوضح لـ"المجلة" أن العلاقات الاقتصادية الثنائية وفك الارتباط التكنولوجي وقضية تايوان، تظل في جوهرها الركائز الأساسية غير القابلة للنقاش في الأجندة الاستراتيجية لبكين، وهي تمثل الخطوط البنيوية الناظمة للعلاقة بين الولايات المتحدة والصين.

مع ذلك، ترى لين أن أزمة الخليج، ستحضر في النقاشات مع تركيز على منع انتقالها إلى تداعيات أوسع مثل أسعار النفط وسلاسل الإمداد.

أ.ف.ب
قمة مجلس التعاون الخليجي والصين في العاصمة السعودية الرياض، في 9 ديسمبر 2022

أما الكاتب السياسي والباحث الصيني تشاو تشي جيون فيذهب الى مقاربة أكثر هجومية، ويعتقد أنه لا خيار أمام الرجلين سوى التطرق إلى الأزمة التي أضرت بمصالحهما. ويوضح لـ"المجلة" أن "الفشل الاستراتيجي الأميركي" في تحقيق الأهداف في إيران أضر بشكل مباشر بمصالح الصين في هرمز الذي يعد شريانا حيويا لأمنها الطاقي، في المقابل، فإن محاولة طهران فرض رسوم عبور باليوان الصيني، هددت بشكل مباشر هيمنة "البترودولار" الأميركي. 

الأمن أو الاقتصاد؟

في الأساس ومن منظور صيني، لم تكن بكين مرتاحة إلى اقتحام منطقة الخليج جدول أعمال قمة كانت تسعى إلى تحقيق ثلاثة مكاسب رئيسة منها، هي تخفيف القيود الأميركية على التكنولوجيا والاستثمار، وتعديل موقف واشنطن من قضية تايوان، وتوسيع التعاون الاقتصادي بشروط أكثر توازنا. 

لكن على غير المتوقع، منحت حرب إيران بكين أوراق ضغط. فبالدرجة الأولى، سلطت الضوء على كونها القوة العظمى الوحيدة التي لا تخوض حربا، وعززت صورتها كقوة عظمى مسؤولة تدفع باتجاه حلول سلمية تحترم المصالح الأساسية وجوهر القانون الدولي.

ومن زاوية إقليمية، هزّت الحرب ثقة دول الخليج العربية بواشنطن من ناحية الضمانات الأمنية، وهو ما يعني حسب تشاو أن هذه الدول قد تتجه نحو الشرق بحثا عن ركيزة أمنية جديدة، مستشهدا بزيارة ولي عهد أبوظبي الشهر الماضي إلى بكين.

في المقابل، تلفت لين إلى أن الصراع أجبر واشنطن على تحويل أصول استراتيجية بعيدا عن المحيطين الهندي والهادئ، وهو ما يمنح شي أوراق ضغط في التجارة وتايوان. بدورها، أشارت "نيويورك تايمز" إلى أن استنزاف حرب إيران لمخزونات الذخائر الأميركية يسهم في تآكل أوراق ترمب.

ولا يمكن النظر الى كل ذلك على أنه مكاسب صينية مطلقة، فقد قيد السلوك الإيراني العدواني تجاه دول الخليج العربية قدرة الصين على تعميق المأزق الأميركي أو توظيفه لتحقيق أقصى قدر من المكاسب.

دعمت بكين وساطة حليفتها باكستان، وحرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين طهران والرياض انطلاقا من دورها في رعاية اتفاق المصالحة بينهما

وتولي الصين أهمية كبرى لأمن الخليج، ليس فقط بحكم شراكتها الاقتصادية العميقة والمتشعبة مع دول مجلس التعاون، بل أيضا لأن هذه الدول تُعدّ موردا عالميا رئيسا للطاقة والمواد الكيماوية والأسمدة. وبالتالي، فإن أي اهتزاز في استقرارها ينعكس على الاقتصاد العالمي بأسره، وفق تعبير تانغ.

من ناحية أخرى، يبدو موقف الصين واضحا وصريحا في رفض عرقلة إيران للملاحة في مضيق هرمز، وبصورة أوسع رفض تحويل المضائق البحرية إلى أدوات ضغط في الصراعات الجيوسياسية. كما أن بكين لا تنظر بعين الارتياح إلى أي سابقة تتعلق بفرض رسوم عبور في المضائق البحرية، لما قد يترتب عليها من ارتفاع في كلفة الشحن والتجارة الدولية.

وكشف هذا التوازن السلبي بين محدودية الحرب الأميركية ومحدودية هامش الحركة الصيني، تحولا في ميزان الحاجة المتبادلة بين واشنطن وبكين.

وفي هذا السياق، تجنّبت الإدارة الأميركية إلى حدٍّ كبير توجيه اتهامات لبكين بدعم طهران عسكريا، في وقت استدعى ترمب بنفسه الحضور الأمني الصيني بالمنطقة من خلال مطالبة الصين بإرسال سفنها الحربية لفرض وضمان حرية الملاحة في هرمز.

AFP
تصور بياني لحركة الملاحة البحرية في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان خلال الفترة من 18 إلى 20 أبريل، وذلك وسط هدنة هشة بين الولايات المتحدة وإيران

في المقابل، دعمت بكين وساطة حليفتها باكستان، وحرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين طهران والرياض انطلاقا من دورها في رعاية اتفاق المصالحة بينهما.     

وبصرف النظر عمّا إذا كان ذلك يعكس "تناغم الضرورة" بين بكين وواشنطن أو تقاطعا ظرفيا للمصالح، فقد لعبت الصين أدوارا مؤثرة في ثلاث محطات رئيسة خلال الحرب: أولا، مرّرت القرار 2817 في مجلس الأمن الذي يدين عدوان إيران على دول الخليج، وثانيا، دفعت طهران إلى هدنة 8 أبريل/نيسان التي جنّبت المنطقة استهدافا واسعا لمنشآت الطاقة والمياه والبنية النفطية، وثالثا، شاركت بنشاط في جهود ساهمت في إقناع ترمب بتأجيل "مشروع الحرية" الرامي إلى فتح مضيق هرمز بالقوة، والعودة إلى المسار الدبلوماسي.

صفقة كبرى؟

وعمليا سعى ترمب لتحييد الصين عن دعم إيران عسكريا ودفع بكين لضبط سلوك إيران العسكري لتجنب مغامرات عسكرية، وتوظيف نفوذها في فرض ضوابط على طهران وتحديد "خطوط حمراء" حول سقف ما يمكن قبوله أميركيا وإقليميا وما يُعد تجاوزا للمقبول. وقد عبّر ترمب نفسه ومسؤولون في إدارته عن رغبة أميركية في أن تسعى بكين لإقناع طهران بتقديم تنازلات تفاوضية تفضي إلى اتفاق يجنب الجميع استئناف الحرب.

بصرف النظر عن مدى نجاح القمة في الإعلان عن مبادرة واضحة لإنهاء الحرب، أو في رسم خطوط عريضة لتنسيق أميركي–صيني يقود إلى تسوية، فإن دول الخليج تبدو مؤهلة لتوفير مساحة متزايدة للتعاون بين واشنطن وبكين

أما إيران فتأمل أن تتمكن بكين من إقناع ترمب بالتخلي عما تصفه بمنطق الإملاءات في المفاوضات. وقد فتح كل ذلك الباب أمام الحديث عن صفقة كبرى خلال قمة بكين.    

ويتوقع تانغ أن يطلب ترمب من شي "بعض الأمور لمساعدته على الخروج من مأزق هرمز"، لكنه يرجح أن تواصل الصين الالتزام بمواقفها المبدئية التي حكمت موقفها من الأزمة منذ البداية.  

ولا يستبعد تشاو أن تربط بكين موقفها من الحرب الإيرانية بمكاسب تجارية، بمعنى أن شكل وحجم تعاونها المحتمل مع واشنطن في حل قضية الخليج، سيكون مربوطا بما تحققه في المفاوضات التجارية.

أما لين فترجح أن تكتفي بكين بمواصلة توظيف موقعها الفريد كشريك تجاري رئيس لكل من دول مجلس التعاون وإيران، لتؤدي دور المُثبّت الدبلوماسي والاقتصادي لأي تفاهم.

رويترز
حاويات في ميناء خليفة بأبوظبي بعد توسعته، أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة، 11 ديسمبر 2019

ووسط حديث عن مبادرة صينية جديدة تسهم في ردم الثغرات أمام اتفاق إطاري ينهي الحرب، وانفتاح صيني على تمرير قرار أميركي–خليجي جديد بخصوص هرمز في مجلس الأمن لا سيما في ظل التوافق على رفض فرض رسوم على المرور في المضيق، يستبعد الخبراء أن تلجأ بكين إلى خطوات من شأنها تقويض صورتها كشريك موثوق، فضلا عن المخاطرة بهز تموضعها الحالي الذي ضمن لها مكاسب شبه مجانية.

التعايش

بصرف النظر عن مدى نجاح القمة في الإعلان عن مبادرة واضحة لإنهاء الحرب، أو في رسم خطوط عريضة لتنسيق أميركي–صيني يقود إلى تسوية، فإن دول الخليج تبدو مؤهلة لتوفير مساحة متزايدة للتعاون بين واشنطن وبكين، لا سيما في ظل حديث متنامٍ عن مرحلة انفراج دولي (détente) قد تُشبه، في بعض ملامحها، تلك التي سادت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي.

ويؤكد تشاو أن المنطقة ستظل ساحة تنافس محتدم، مع إمكانيات متزايدة للتنسيق. غير أن العامل الحاسم، وفقه، يبقى في تبنّي دول مجلس التعاون لـ"الدبلوماسية ثنائية المسار"، عبر الاستمرار في التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع توسيع الشراكة الاقتصادية مع الصين.

ومع توجه دول المجلس نحو مزيد من الاستقلال الاستراتيجي وتسريع مسارات تحولها الاقتصادي بعد هزة هرمز، قد تتحول المنطقة إلى مساحة "تعايش جيوسياسي تنافسي" هشّ، ومشروط بإدارة دقيقة للتوازنات بين بكين وواشنطن، اللتين تعيدان رسم ملامح النظام الدولي وفق رؤيتين متناقضتين. وفي المحصلة، لا تبدو دول الخليج أمام خيار الانحياز، بل أمام معادلة إدارة تناقضات قوتين عظميين داخل فضاء واحد تتسع فيه المنافسة بقدر ما تضيق فيه هوامش الحسم.

font change

مقالات ذات صلة