يفرض التأمل في الممارسة الفنية المعاصرة الانتباه إلى انقلاب عميق في موقع المادة داخل العمل، وذلك منذ منعطف الفن الجديد مع "نافورة" دوشان، حيث لم تعد الكتلة المادية أو السطح أو التشكيل -كما في بنائه الكلاسيكي- غاية في ذاته، وإنما غدت كلها وسيطا أنطولوجيا يتيح معاينة الفكرة في تجليها الحسي أو شبه الحسي، فتتراجع قيمة الحضور المادي لصالح بنية مفاهيمية تشكل جوهر التجربة الإستتيقية. ينشأ عن هذا التحول انفصال نسبي بين ما يرى وما يفكر فيه، حيث يشتغل العمل على إنتاج توتر بين المرئي والمفكر به، فيصير الإدراك الحسي مدخلا نحو بناء تصور ذهني يتجاوز حدود الشيء المعروض. وتتحول المادة إلى أداة تفعيل، أي إلى محفز إدراكي يفتح إمكانات التأويل، وتغدو الفكرة هي الحقل الذي تتحدد داخله قيمة العمل وفاعليته.
إعادة تعريف
يندرج هذا التحول ضمن أفق أوسع يتصل بإعادة تعريف ماهية العمل الفني ذاته، حيث يغدو العمل بنية مركبة تتداخل فيها عناصر مادية ولا مادية، وتتوزع عبر وسائط متعددة (ملموسة أو رقمية)، فيتخذ أشكالا متحولة تبعا للسياق والوسيط. تتأسس هذه البنية على تصور يعتبر أن العمل لا يقيم في مادته، وإنما في شبكة العلاقات التي تنتجه وتعيد إنتاجه، فتغدو الفكرة مركز الثقل، وتتحول المادة إلى تجل عابر أو إلى صيغة ممكنة من صيغ الظهور. يسمح هذا التصور بانفتاح العمل على احتمالات لا حصر لها، حيث يمكن الفكرة الواحدة أن تتجسد في أكثر من هيئة، أو أن تظل في حالة تعليق دون تجسد كامل، مكتفية بإشارات أو تعليمات أو آثار رقمية.
يتأكد هذا المسار مع بروز الممارسات المفاهيمية (الفن المفاهيمي) التي منحت الأولوية للفكرة على حساب الشكل والمادة، فصار العمل يتمثل في تصور أو مشروع أو بيان، وقد يكتفي بوجوده كنص أو كتعليمات قابلة للتنفيذ. في هذا الإطار، يغدو التنفيذ مجرد احتمال من احتمالات التحقق، وتفقد النسخة المنفذة امتيازها التقليدي، حيث تتساوى مع غيرها من التحققات الممكنة، فالأصل انعدم أمام قابلية التكرار. يفتح هذا المنظور المجال أمام تعددية في الصيغ، حيث يمكن العمل الواحد أن يوجد في أكثر من مكان وزمن وهيئة وأن يتخذ أشكالا مختلفة دون أن يفقد هويته، لأن هذه الهوية تقيم في بنيته المفاهيمية لا في مادته المحددة، وهذه البنية المفاهيمية أساسها الخطابي، أي مجموعة الأنواع الخطابية المرافقة للمنجز، من قصاصات تفسيرية وتوضيحية ونقدية أو حتى تعليمات إعادة الإنشاء في حالات معينة من أعمال التركيب الفني والفن الرقمي وغيرها. فالمعرض نفسه ذريعة خطابية، لأنه يتحول إلى حامل (جدران، أرضية، سقف...) لخطاب سردي معين.






