ماكسنس فان در ميرش وبلاغة الحياة اليومية

حين يتكلم الشمال

 AFP
AFP
الكاتب والمحامي الفرنسي ماكسنس فان دير ميرش إلى مكتبه في أواخر الثلاثينات. وقد نال جائزة "غونكور" عام 1936 عن روايته "بصمة الرب"

ماكسنس فان در ميرش وبلاغة الحياة اليومية

تتقدم مطاردة ليلية فوق كثبان منخفضة قرب البحر، يهرب مهرب تبغ بخطوات محسوبة، ويتبعه رجل جمارك يعرف تضاريس المكان كما يعرف تضاريس البشر. يختلط صوت الموج بالأنفاس، وتتحول الرمال إلى ممر يضيق الصدر، ثم يطل "بيت في الكثيب" بوصفه ملجأ مؤقتا وحكما أخيرا على الجميع.

يدخل القارئ من هذا الباب إلى عالم الكاتب الفرنسي ماكسنس فان در ميرش، عالم يترك للأشياء أن تتكلم، وللصمت أن يفضح، وللقرار الصغير أن يكبر داخل صاحبه حتى يصير مصيرا.

ينتمي فان در ميرش (1907-1951) إلى عائلة ذات أصول فلمنكية مقيمة في روباي شمال فرنسا، حيث تشتغل مصانع النسيج ويشتغل معها الوقت، وحيث تتبدل الفصول سريعا وتبقى رائحة القماش الرطب ثابتة في الأزقة. خلال حياته القصيرة كتب روايات تقترب من البيوت المكتظة ووجوه العمال وتلتقط ما يصنعه العمل اليومي من صبر ومرارة وكرامة. يحضر الشمال في نصوصه بصفته مناخا أخلاقيا قبل أن يكون جغرافيا، فتشد الريح الوجوه إلى الواقع وتمنح الكلمة وزنا إضافيا، فالناس يقولون ما يحتاجون إليه، لا ما يتباهون به.

يجيء الاعتراف الكبير في زمنه مع بريق الجوائز، فيفوز بجائزة "غونكور" عام 1936 عن رواية "بصمة الرب"، ثم يبتعد اسمه عن التداول رغم قرب مفاتيح عالمه من ذائقتنا: حدود تتقاطع فيها التجارة الصغيرة مع القانون، حرب ترى من نافذة المدنيين، ومستشفى يبين كيف تتجاور الرحمة والإجراء في غرفة واحدة. غالبا ما يمضي نصه بخطوات هادئة، ثم يضع الشخصيات أمام مواقف تفضح معدنها من غير أن يرفع صوته، فتخرج القراءة محملة إحساسا ملموسا بحياة تعاش تحت ضغط دائم.

الشمال يصنع البشر

تمسك مدينة روباي بخيط أساس في كتابته لأنها عنده تصوغ أهلها قبل أن يصوغوا حكاياتهم، وهؤلاء يتعلمون من المصانع إيقاع الزمن، ومن الأحياء الضيقة معنى السمعة، ومن الحاجة كيف يصير كل شيء قابلا للحساب: وقت النوم، ثمن الفحم، عدد الأرغفة، وحتى ضحكة المساء. يستهل فان در ميرش روايته "حين تصمت الصفارات" (Quand les sirènes se taisent) بإضراب عمالي في صناعة النسيج جاعلا صفارة المصنع معيارا للحياة اليومية، فيعلن صوتها بداية انضباط الجسد ونهايته، ومعه تعلن المدينة شكل يومها. ويختار الكاتب الدخول إلى الأزمة عبر تفاصيل يمكن أي قارئ التعرف إليها: دفتر مصروف تقلب صفحاته بعجلة، وجبة تخفف كي تكفي يومين، قطعة أثاث تعرض للبيع من دون كلام كثير... ثم يترك لهذه التفاصيل مهمة تكوين صورة كاملة عن الخوف الذي يجر قدميه داخل البيت.

عامل يرفع رأسه لأن في الرفع كرامة، وآخر يخفضه لأن في الخفض نجاة، وامرأة تقيس القليل بالعين ثم تضعه في القدر لتقنع الأطفال بأنه كثير

تتحرك الشخصيات هنا بين بوابة المصنع والمطبخ فتظهر شبكة العلاقات التي تصنع حياة الشمال: عامل يرفع رأسه لأن في الرفع كرامة، وآخر يخفضه لأن في الخفض نجاة، وامرأة تقيس القليل بالعين ثم تضعه في القدر لتقنع الأطفال بأنه كثير. يضيق المكان وتتسع معه الحساسية تجاه الآخر، فيصير الجار مرآة قريبة والخبر حكما يمشي على ألسنة الناس، وتدخل السياسة إلى الحي من باب الخبز لا من باب الشعار.

 AFP
مصنع غزل في مدينة روبيه الفرنسية، 1945

يكتب فان در ميرش الإضراب بوجه إنساني مبقيا التوتر حاضرا من غير صخب، ويترك للتردد حقه لأن الحياة نفسها تمنحه هذا الحق حين تتعارك الكرامة مع الجوع. تأخذ الكتابة شكلا أشد حدة حين يصل السرد إلى الحدود، ويضع صاحب "بيت في الكثيب" القارئ أمام شريط رملي قريب من الخط الفاصل بين فرنسا وبلجيكا، فتبدو الحدود نظاما كاملا للحياة أكثر من كونها خطا على الخريطة. يشتغل التهريب هنا اقتصادا فقيرا وشجاعة يومية، بينما يتمثل القانون في رجال جمارك يعرفون الطرق والعائلات ويعرفون كيف يختلط الواجب بالشك. يمضي مهربون ورجال جمارك في لعبة مطاردة ثم يتسع المشهد سريعا لأن الليل يضغط على القرار، ولأن الحاجة تفتح أبوابا داخل الضمير، فيظهر بيت الكثيب عقدة تجمع الناس بدل أن تفرقهم: ملجأ يقدم دفئا سريعا ثم يطالب بثمنه، ومكان يختبر الصدق حين تتسع مساحة الكذب.

في مصنع غزل في مدينة روبيه الفرنسية، 1945

يمنح الكاتب الحب مساحة داخل هذه الخشونة، خالقا شعورا بعمل العاطفة نفسها تحت شروط صعبة: خوف من الوشاية، ارتباك في الثقة، رغبة في النجاة تجبر القلب على عجلة غير محببة... تتعاقب القرارات في لحظات قصيرة ويصل الندم متأخرا بثقل يلتصق بالشخصيات. هذه القدرة على بناء مشاهد ترى وتتخيل بسهولة، تفسر انتقال الرواية إلى السينما أكثر من مرة، فالعالم الذي يكتبه فان در ميرش يملك لحما بصريا واضحا من دون أن يفقد قلقه الأخلاقي. وبين صفارة المصنع وبيت الكثيب تتثبت علامته: سرد قريب من الأرض، تفاصيل محسوسة، تعاطف متماسك يفسح مكانا للحكم من غير قسوة.

واقعية الضمير

يحسن فان در ميرش الإصغاء إلى الهزات الكبرى من داخل البيوت، ففي "اجتياح عام 1914" (Invasion 14) التي كتب فيها عن الاحتلال الألماني لشمال فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى، ينزل الحرب إلى مستوى الأشياء التي يمسها الناس كل يوم: رغيف يقسم على عجل، ورقة أمر معلقة على باب، ونظرة سريعة تكتم لأن الشارع ذو أذن إضافية. يتحرك السرد بين وجوه كثيرة فيبدو الاحتلال شبكة تمسك الحي كله ثم تختبر كل فرد على طريقتها. تكبر قيمة التفاصيل لمعرفة الكاتب أن الكارثة قد تأتي في هيئة عادة تتكرر، أو قرار صغير يتخذ تحت ضغط الجوع أو الخوف، أو صمت طويل يسبق كلمة قصيرة. هنا تتبدل لغة الناس فيقصر الكلام حين تكثر العيون، يطول التلميح حين يضيق التصريح، ويتعلم الجسد معنى "الاقتصاد" حتى في الانفعال، فيخفي الارتجافة ويبتلعها لحاجة البيت إلى ثبات.

بذكاء ترسم الرواية الحياة المدنية تحت سلطة جديدة، مظهرة الطابور كمدرسة في الانتظار، والشائعة عملة تصرف سريعا، ثم تغدو الأخلاق اليومية حقل اختبار قاسيا: يساعد جار جاره لمعرفته أن الدور قد يأتي عليه، ويشدد آخر على نفسه وعلى غيره لرؤيته في التشدد حماية، ويخطئ ثالث لأن الخوف يسبق البصيرة. يبقي فان در ميرش مسافة صغيرة بينه وبين شخصياته فيرى القارئ عثراتهم ويشعر بقربهم في الوقت نفسه، ثم يصل إحساس الاختناق ببطء عبر تراكم المواقف الصغيرة.

يتكئ فان در ميرش على حساسية دقيقة في التقاط التحولات داخل الإنسان مبرزا محاولة المرء الاحتفاظ بزاوية خاصة داخل روحه


في روايته الأشهر "بصمة الرب" (L'Empreinte du dieu) ينتقل الكاتب إلى ميدان آخر للضغط حين يبدل الامتحان من شارع محكوم إلى بيت محكوم، فتظهر كارلينا وهي تتعلم معنى السلطة حين تتخذ شكل الزوج، ثم حين يلتقطها كلام القرية ويعيد ترتيب حياتها وفق ميزان السمعة. يسير السرد خطوة خطوة: زواج قاس ينقل العنف إلى الداخل، سجن الزوج بسبب التهريب يفتح نافذة قصيرة للهواء، وانتقال إلى بيت عم كاتب في أنتويرب يمنح شكلا من الأمان، قبل عودة تعيد العنف إلى مكانه بوصفه قدرا اجتماعيا تسنده العادة ويغذيه صمت الناس. يخرج القارئ من العملين وهو يحمل إحساسا ملموسا بكيفية صوغ الكرامة من أفعال متواضعة: حفظ رجل وجهه أمام أطفاله، صمود امرأة أمام جدار من العرف، وبقاء القلب يقظا وسط عالم يطلب الاستسلام بهدوء.

غلاف "بصمة الرب"

يتكئ فان در ميرش على حساسية دقيقة في التقاط التحولات داخل الإنسان مبرزا محاولة المرء الاحتفاظ بزاوية خاصة داخل روحه، زاوية لا تصل إليها يد السلطة، سواء جاءت من جيش في الشارع، أو من زوج في البيت، أو من "كلام" يطارد المرأة حتى في مشيها. يخفف الكاتب الحكم الجاهز ويقدم بدله فهما يقترب من الحياة: يظهر الخضوع نتيجة خوف وتربية وعجز مادي، والمقاومة حركة صامتة تبدأ من قرار صغير، من محاولة ترتيب يوم جديد ومن الامتناع عن الانكسار الكامل. بهذه الطريقة تتحول الحرب إلى خبرة بشرية والمأساة الاجتماعية إلى مرآة يرى فيها القارئ شيئا من عالمه دون حاجة إلى تفسير نظري.

مدن داخل المدينة

تقرأ المؤسسة عند فان در ميرش من داخل إيقاعها قبل أن تقرأ من خطابها. يدخل القارئ في "حين تصمت الصفارات" إلى المصنع عبر الصوت والزمن: صفارة تقطع الهواء وتعلن بداية الخدمة، ساعة حضور، أجساد تعرف الطريق نفسه كل صباح، ثم إضراب يجعل الصمت ثقيلا لأن المدينة اعتادت الضجيج حتى صار وعدا بالخبز. تتبدى شبكة العلاقات في لحظات دقيقة: حديث يندلع قرب البوابة ثم يهدأ لأن الأعين كثيرة، تردد في البيت عند حساب المصروف لأن الأرقام تفضح هشاشة الأمان، كرامة تمسكها يد مرتعشة تعرف أن الانكسار يبدأ من التفاصيل. هنا يضيء الكاتب على تحول المصنع إل مدينة داخل المدينة، له قوانينه ولغة الطاعة وطقوس الصباح، ثم يترك الإضراب يكشف ما تحت هذه الطقوس من تعب مكتوم ورغبة في احترام الذات.

غلاف "حين تصمت صفارات الإنذار"

هذا الاهتمام بالمؤسسة يتسع مع استهلال روايته الخالدة "أجساد وأرواح" (Corps et âmes) بمشهد باب المستشفى، مظهرا المكان مدينة ثانية بسلم واضح للسلطة ولغة خاصة: ملفات، جولات صباحية، مواعيد، قرارات تكتب بقلم واحد وتغير حياة كاملة. تشتغل الدراما في المسافة بين يد تفحص نبضا وأخرى توقع إجراء، بين حنان يظهر في لحظة صمت عند سرير مريض ومصلحة تتحرك في الممرات الطويلة، وبين طبيب يريد أن يبقى إنسانا وآخر يريد أن يبقى "اسما" في المهنة. يقترب الكاتب من غرف الانتظار، ورائحة المطهرات وخطوات الممرضات، ثم يترك الألم يطل في هيئة رجل فقير يطلب كلمة تشرح أكثر مما تعالج، وأسرة تنتظر إشارة تقطع الشك، وطبيب شاب يدرك أن العلم وحده لا يهدئ قلبا خائفا. تظهر الرواية أن الإجراء ينقذ أحيانا ويقسو أحيانا، ثم تمنح هذه القسوة سياقها فتبدو جزءا من آلة ضخمة تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

غلاف "أجساد وأرواح"

كذلك يمر فان در ميرش أيضا على تجربة "صائدو البشر" (Pêcheurs d'hommes) بدخوله إلى غرفة اجتماعات صغيرة تعلم الشاب العامل قول "أنا" من جديد بتنظيم اليوم وتحمل المسؤولية دون استعراض، ومع تحول الجماعة إلى مدرسة كرامة، فيتعلم الشاب كيف يقرأ عالمه بطريقة أقل قسوة على نفسه، ثم كيف يمد يده إلى آخرين بزيارة ومساعدة، بترتيب شأن ونقاش يخفف شعور العزلة... تضامن يقدمه الكاتب ممارسة ترى في المواقف، وعلى إثرها يبين كيف يمنح التنظيم معنى في عالم يضغط على الشباب بقسوة فيصير للغد شكل يمكن الإمساك به، وللحياة سياج صغير يحميها من التبعثر.

تمضي الصفحات ويشعر المرء أن الرواية عند فان در ميرش طريقة لمصافحة الحياة


بهذا الثالوث (المصنع-المستشفى-الحركة الاجتماعية) يرسم فان در ميرش صورة العصر الحديث كما يراه أهل الشمال من الداخل، حيث تتخذ القواعد طابعا ماديا والزمن طابعا قاسيا، ثم تظهر إنسانية دقيقة في الشقوق: كلمة طيبة في لحظة محاصرة، موقف شريف عند بوابة المصنع، تردد طبيب قبل قرار، وشاب ينهض لأنه وجد رفقة تعلمه الوقوف. يحمل هذا العالم قسوته وموهبته في توليد المعنى من أصغر الأشياء، فيغادر القارئ صفحاته أكثر حساسية تجاه ما يصنعه النظام حين يدخل إلى حياتنا دون استئذان.

أثر الخطوة في الطين

يمنح فان در ميرش قارئه متعة حكاية مشدودة ثم يترك في اليد أثرا قريبا من ملمس الطريق بعد عودة متأخرة. يكتب الشمال فيتحول إلى بوصلة أخلاقية شارحة للمعنى: صفارة مصنع لمعنى الوقت، كثيب رملي لمعنى القانون حين يلتقي بالحاجة، شارع محتل لمعنى الخوف حين يختبئ في التفاصيل، بيت ريفي لمعنى السلطة حين تسكن العادة، مستشفى لمعنى الرحمة حين تدخل دفتر الإجراءات. هذه العوالم تتجمع في لغة تمشي بثبات، تحب الحياة حين تتعب، وتوقر الإنسان حين يتعثر.

 AFP
مشهد عام لمصنع غزل في مدينة روبيه الفرنسية، 1945

يبدأ وصوله إلى اللغة العربية من رغبة بسيطة في قراءة أدب يقف قرب الناس ويمنح هذا القرب شكلا فنيا يليق به، ويكفي أن يفتح القارئ إحدى بواباته الكبرى ليجد عالما واضح الملامح، وخلف هذا الوضوح عمقا هادئا يخص كرامة البشر، فتمضي الصفحات ويشعر المرء أن الرواية عند فان در ميرش طريقة لمصافحة الحياة.

font change

مقالات ذات صلة