تتقدم مطاردة ليلية فوق كثبان منخفضة قرب البحر، يهرب مهرب تبغ بخطوات محسوبة، ويتبعه رجل جمارك يعرف تضاريس المكان كما يعرف تضاريس البشر. يختلط صوت الموج بالأنفاس، وتتحول الرمال إلى ممر يضيق الصدر، ثم يطل "بيت في الكثيب" بوصفه ملجأ مؤقتا وحكما أخيرا على الجميع.
يدخل القارئ من هذا الباب إلى عالم الكاتب الفرنسي ماكسنس فان در ميرش، عالم يترك للأشياء أن تتكلم، وللصمت أن يفضح، وللقرار الصغير أن يكبر داخل صاحبه حتى يصير مصيرا.
ينتمي فان در ميرش (1907-1951) إلى عائلة ذات أصول فلمنكية مقيمة في روباي شمال فرنسا، حيث تشتغل مصانع النسيج ويشتغل معها الوقت، وحيث تتبدل الفصول سريعا وتبقى رائحة القماش الرطب ثابتة في الأزقة. خلال حياته القصيرة كتب روايات تقترب من البيوت المكتظة ووجوه العمال وتلتقط ما يصنعه العمل اليومي من صبر ومرارة وكرامة. يحضر الشمال في نصوصه بصفته مناخا أخلاقيا قبل أن يكون جغرافيا، فتشد الريح الوجوه إلى الواقع وتمنح الكلمة وزنا إضافيا، فالناس يقولون ما يحتاجون إليه، لا ما يتباهون به.
يجيء الاعتراف الكبير في زمنه مع بريق الجوائز، فيفوز بجائزة "غونكور" عام 1936 عن رواية "بصمة الرب"، ثم يبتعد اسمه عن التداول رغم قرب مفاتيح عالمه من ذائقتنا: حدود تتقاطع فيها التجارة الصغيرة مع القانون، حرب ترى من نافذة المدنيين، ومستشفى يبين كيف تتجاور الرحمة والإجراء في غرفة واحدة. غالبا ما يمضي نصه بخطوات هادئة، ثم يضع الشخصيات أمام مواقف تفضح معدنها من غير أن يرفع صوته، فتخرج القراءة محملة إحساسا ملموسا بحياة تعاش تحت ضغط دائم.
الشمال يصنع البشر
تمسك مدينة روباي بخيط أساس في كتابته لأنها عنده تصوغ أهلها قبل أن يصوغوا حكاياتهم، وهؤلاء يتعلمون من المصانع إيقاع الزمن، ومن الأحياء الضيقة معنى السمعة، ومن الحاجة كيف يصير كل شيء قابلا للحساب: وقت النوم، ثمن الفحم، عدد الأرغفة، وحتى ضحكة المساء. يستهل فان در ميرش روايته "حين تصمت الصفارات" (Quand les sirènes se taisent) بإضراب عمالي في صناعة النسيج جاعلا صفارة المصنع معيارا للحياة اليومية، فيعلن صوتها بداية انضباط الجسد ونهايته، ومعه تعلن المدينة شكل يومها. ويختار الكاتب الدخول إلى الأزمة عبر تفاصيل يمكن أي قارئ التعرف إليها: دفتر مصروف تقلب صفحاته بعجلة، وجبة تخفف كي تكفي يومين، قطعة أثاث تعرض للبيع من دون كلام كثير... ثم يترك لهذه التفاصيل مهمة تكوين صورة كاملة عن الخوف الذي يجر قدميه داخل البيت.





