أظهر استطلاع تلو آخر أن شعبية الولايات المتحدة في الخارج واصلت تراجعها على مدى السنوات الأخيرة. ويبدو اليوم أن هذا المسار يزداد تسارعا في الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب.
يميل أهل الجدل السياسي والإعلامي في الولايات المتحدة إلى قراءة مخاطر الصورة الأميركية المتدهورة من زاوية الجغرافيا السياسية وانحسار "القوة الناعمة"، وليسوا مخطئين تماما. فقد ظلت تحالفات واشنطن الواسعة حول العالم أحد أهم مصادر قوتها. وإذا بدأت الدول ترى في الولايات المتحدة شريكا غير جذاب، لا تجمعها به أواصر التقارب القديمة، فستترك هذه النظرة أثرا حقيقيا في قدرة واشنطن على الدفاع عن مصالحها في الخارج.
غير أن تراجع الجاذبية لا يقاس بالنفوذ وحده، بل يقاس بالدولارات أيضا. وفي قطاع السياحة، باتت الكلفة أكثر وضوحا. فقد تطلعت صناعة السياحة الأميركية، بعد تعاف قوي أعقب جائحة "كوفيد-19"، إلى أن يكون عام 2025 عاما استثنائيا. لكنه تحول، بدلا من ذلك، إلى عام كارثي لأسباب لا يرجح أن تتلاشى قريبا. ويحمل ذلك بدوره تداعيات مقلقة بشأن حضور الأجانب في كأس العالم هذا العام، وهي بطولة توصف بأنها من أكبر التجمعات الدولية في الذاكرة الحديثة. فالحجوزات جاءت بالفعل دون التوقعات، والعاملون في القطاع يخشون فشلا واسعا للموسم.

أشار المجلس العالمي للسفر والسياحة إلى أن عدد الزوار الدوليين إلى الولايات المتحدة انخفض في عام 2025 بنسبة 5.5 في المئة مقارنة بالعام السابق، بما يعادل تراجعا قدره 4.6 في المئة في إنفاق الزوار. ويبدو هذا الانخفاض، البالغ نحو 9 مليارات دولار، قاتما على نحو خاص إذا قورن بازدهار السياحة العالمية، حيث ارتفع الإنفاق بنسبة 6.7 في المئة خلال الفترة نفسها وبلغ مستوى قياسيا غير مسبوق. فما سبب هذا التباين؟ الأمر واضح: ملايين الزوار الذين ربما كانوا سيختارون الولايات المتحدة قرروا الذهاب إلى أماكن أخرى. ونتيجة لذلك، أصبحت البلاد الوجهة الكبرى الوحيدة التي سجلت تراجعا في عدد الزوار الدوليين في عام 2025، بحسب تقرير صادر عن الأقلية في اللجنة الاقتصادية المشتركة في الكونغرس الأميركي. كما شهد العام الماضي أول عجز في ميزان تجارة السفر في الولايات المتحدة منذ بدأ القطاع جمع بياناته في عام 1999، أي إن الأميركيين أنفقوا في الخارج أكثر مما أنفقه الزوار الأجانب داخل الولايات المتحدة.


