حرب دونالد ترمب على السياحة... كيف تؤثر على أميركا؟

السياسات الأميركية وممارسات الحدود تدفع الزوار الأجانب إلى اختيار وجهات أخرى

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
أشخاص يصطفون لالتقاط صور بجانب تمثال "الثور الهائج" في الحي المالي بمدينة نيويورك، 22 أبريل 2026

حرب دونالد ترمب على السياحة... كيف تؤثر على أميركا؟

أظهر استطلاع تلو آخر أن شعبية الولايات المتحدة في الخارج واصلت تراجعها على مدى السنوات الأخيرة. ويبدو اليوم أن هذا المسار يزداد تسارعا في الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب.

يميل أهل الجدل السياسي والإعلامي في الولايات المتحدة إلى قراءة مخاطر الصورة الأميركية المتدهورة من زاوية الجغرافيا السياسية وانحسار "القوة الناعمة"، وليسوا مخطئين تماما. فقد ظلت تحالفات واشنطن الواسعة حول العالم أحد أهم مصادر قوتها. وإذا بدأت الدول ترى في الولايات المتحدة شريكا غير جذاب، لا تجمعها به أواصر التقارب القديمة، فستترك هذه النظرة أثرا حقيقيا في قدرة واشنطن على الدفاع عن مصالحها في الخارج.

غير أن تراجع الجاذبية لا يقاس بالنفوذ وحده، بل يقاس بالدولارات أيضا. وفي قطاع السياحة، باتت الكلفة أكثر وضوحا. فقد تطلعت صناعة السياحة الأميركية، بعد تعاف قوي أعقب جائحة "كوفيد-19"، إلى أن يكون عام 2025 عاما استثنائيا. لكنه تحول، بدلا من ذلك، إلى عام كارثي لأسباب لا يرجح أن تتلاشى قريبا. ويحمل ذلك بدوره تداعيات مقلقة بشأن حضور الأجانب في كأس العالم هذا العام، وهي بطولة توصف بأنها من أكبر التجمعات الدولية في الذاكرة الحديثة. فالحجوزات جاءت بالفعل دون التوقعات، والعاملون في القطاع يخشون فشلا واسعا للموسم.

(أ.ف.ب)
الضباب يحيط بجسر غولدن غيت في سان فرانسيسكو، 20 مايو 2026

أشار المجلس العالمي للسفر والسياحة إلى أن عدد الزوار الدوليين إلى الولايات المتحدة انخفض في عام 2025 بنسبة 5.5 في المئة مقارنة بالعام السابق، بما يعادل تراجعا قدره 4.6 في المئة في إنفاق الزوار. ويبدو هذا الانخفاض، البالغ نحو 9 مليارات دولار، قاتما على نحو خاص إذا قورن بازدهار السياحة العالمية، حيث ارتفع الإنفاق بنسبة 6.7 في المئة خلال الفترة نفسها وبلغ مستوى قياسيا غير مسبوق. فما سبب هذا التباين؟ الأمر واضح: ملايين الزوار الذين ربما كانوا سيختارون الولايات المتحدة قرروا الذهاب إلى أماكن أخرى. ونتيجة لذلك، أصبحت البلاد الوجهة الكبرى الوحيدة التي سجلت تراجعا في عدد الزوار الدوليين في عام 2025، بحسب تقرير صادر عن الأقلية في اللجنة الاقتصادية المشتركة في الكونغرس الأميركي. كما شهد العام الماضي أول عجز في ميزان تجارة السفر في الولايات المتحدة منذ بدأ القطاع جمع بياناته في عام 1999، أي إن الأميركيين أنفقوا في الخارج أكثر مما أنفقه الزوار الأجانب داخل الولايات المتحدة.

انخفض عدد الزوار الدوليين إلى الولايات المتحدة عام 2025 بنسبة 5.5 في المئة مقارنة بالعام السابق

الأسباب عديدة، ومنها أن رسوم ترمب الجمركية وخطابه الصدامي بشأن التجارة أبعدا مواطني دول كثيرة اعتادت أن ترى نفسها صديقة للولايات المتحدة. كما أثار حديثه عن تحويل كندا إلى الولاية الحادية والخمسين حركة مقاطعة شمال الحدود، ما أدى إلى هبوط حاد في زيارات السياح الكنديين بلغت نسبته القاسية 22 في المئة، وهي أعلى نسبة تراجع بين جميع الدول. وشعرت لاس فيغاس بهذا الغياب على نحو خاص، إذ طالما رأت في كندا أحد أكثر أسواقها موثوقية. فقد انخفضت أرقام السياحة في المدينة بنسبة 7.5 في المئة في عام 2025، حتى أخذ بعض السكان المحليين يتحدثون عن "ركود ترمب". وبالمثل، نفرت تهديدات ترمب بشأن غرينلاند، وسلسلة إهاناته لدول أوروبية عدة، وتعامله بازدراء مع أوكرانيا، وتودده إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نفرت كثيرا من الأوروبيين. كما وضع تدخل إدارة ترمب انتخابيا لمصلحة الأحزاب الشعبوية اليمينية الأوروبية واشنطن في صورة غير مواتية. فقد تراجع عدد الزوار الألمان بنحو 13 في المئة، وانخفض عدد الزوار الفرنسيين بنحو 8 في المئة العام الماضي.

ومع ذلك، لا تبدو السياسة العامل الأهم في حسابات السفر لدى السياح المحتملين. فقد ظهر عامل أكثر مباشرة: حرب ترمب على السياح أنفسهم. إذ يبدو أن إدارة ترمب لا تنظر إلى الزوار الدوليين باعتبارهم مصدرا محتملا للإيرادات، بل تراهم مهاجرين متخفين حريصين على استغلال أي ثغرة في القوانين الأميركية. فقد علقت وزارة الخارجية الأميركية، إلى أجل غير مسمى، تأشيرات السياحة للزوار من 39 دولة، بينها أربع دول تأهلت منتخباتها الوطنية إلى كأس العالم: هايتي وإيران وساحل العاج والسنغال. كما أمرت المسؤولين القنصليين بفرض شروط أكثر صرامة على طالبي التأشيرات السياحية، من بينها المقابلات الشخصية وفحص منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، وهي سياسات صنعت في طريقها، وربما عن قصد، تراكما هائلا لطلبات التأشيرات. صحيح أن معظم السياح ليسوا من طالبي التأشيرات، لكن كثرا منهم تنفرهم روايات التدقيق المتشدد عند الحدود، ولا سيما التحقيقات المتطفلة في حسابات التواصل الاجتماعي.

تولد هذه الإجراءات موجات من الدعاية السلبية حتى في الدول التي لا تتأثر بها مباشرة، وتعمق صورة "أميركا القلعة" غير المرحبة. وتعزز الإدارة هذه الرسالة عبر جهودها لرفع كلفة السفر على الأجانب. فقد فرضت إدارة ترمب رسما إضافيا جديدا قدره 100 دولار على الزوار الدوليين إلى 11 من أشهر المتنزهات الوطنية، كما رفعت بأكثر من ثلاثة أضعاف سعر التصريح السنوي لدخول المتنزهات لغير المقيمين، ليصل إلى 250 دولارا. أما الأميركيون، فلا يزالون يدفعون 80 دولارا.

(أ.ف.ب)
زوار يلتقطون صورا قرب جسر غولدن غيت في سان فرانسيسكو وسط تراجع أعداد السياح الأجانب إلى كاليفورنيا، 2 مايو 2025

في مارس/آذار، بدأت الحكومة الأميركية فرض رسم "سلامة التأشيرة" أو التحقق منها الإضافي البالغ 250 دولارا على التأشيرات السياحية العادية، ما رفع الكلفة الإجمالية من 185 دولارا إلى 435 دولارا. ولم يبدأ تحصيل الرسم الإضافي بعد، غير أن هذا التفصيل قد لا يبعث الكثير من الطمأنينة لدى المسافرين المحتملين. ويخشى قطاع السياحة بالفعل أن يثني الالتباس بشأن دخول الرسم الجديد حيز التنفيذ زوار كأس العالم، حتى إن لم يكونوا ملزمين بدفعه. ولا تفعل التحذيرات من ارتفاع كلفة التأشيرات سوى تغذية سمعة ترسخت أصلا: إدارة ترمب عازمة على إبقاء الأجانب خارج البلاد. وقد قالت ليزا سايمون، الرئيسة التنفيذية للرابطة الدولية للسفر الوافد، في شهادة حديثة أمام جلسة استماع في الكونغرس، إن الأثر التراكمي لقيود الإدارة خلق "شعورا بعدم الترحيب".

انخفضت أرقام السياحة في لاس فيغاس بنسبة 7.5 في المئة عام 2025، حتى أخذ بعض السكان المحليين يتحدثون عن "ركود ترمب"

ويبدو أن وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية، المعروفة باسم "آيس"، مصممة على إبقاء هذا الشعور قائما. فإذا كنت أميركيا، فالأرجح أنك لم تسمع قط بماري تيريز روس ماهيه، أو كارين نيوتن، أو فابيان شميدت. أما إذا كنت فرنسيا أو بريطانيا أو ألمانيا، فمن شبه المؤكد أنك طالعت قصصا إعلامية عن معاملتهم المروعة على يد "آيس".

روس ماهيه أرملة فرنسية تبلغ 85 عاما، قضت 16 يوما في احتجاز "آيس" العام الماضي بعد اعتقالها بسبب تجاوز مدة تأشيرتها عقب وفاة زوجها الأميركي. وسجنت في ظروف مروعة، وقيدت أحيانا من معصميها وكاحليها، إلى أن رحلت إلى فرنسا. وكانت روس ماهيه تخوض نزاعا مع أبناء زوجها الراحل بشأن تركته، واتهم قاضي الوصايا في القضية أحد أبناء الزوج بأنه تسبب في اعتقالها. ودعا وزير الخارجية الفرنسي علنا إلى إطلاق سراحها، منتقدا "آيس" بسبب أساليبها القاسية في إنفاذ القانون.

واحتجزت "آيس" نيوتن، البالغة 65 عاما، عندما كانت تغادر الولايات المتحدة إلى كندا مع زوجها، وهما مواطنان بريطانيان، بعد رحلة طويلة بالسيارة. كان زوجها قد تجاوز مدة تأشيرته، أما تأشيرتها فكانت سارية. ولم ترتكب أي مخالفة. لكن ذلك لم يمنع "آيس" من احتجازها، إلى جانب زوجها، ستة أسابيع. وقالت لصحيفة "الغارديان" عن السفر إلى الولايات المتحدة: "لا تذهبوا. إذا كان هذا قد يحدث لي، فقد يحدث لأي شخص".

(أ.ف.ب)
سياح ومشاة يعبرون جسر بروكلين في نيويورك، 30 مارس 2026

أما شميدت، وهو مواطن ألماني يبلغ 35 عاما ومقيم دائم في الولايات المتحدة، فقد اعتقلته "آيس" بعد عودته من زيارة لعائلته في أوروبا. وزعمت السلطات أنها تحتجزه بسبب تهمة جنحية تعود إلى عام 2015 وتتعلق بحيازة الماريجوانا. وتمنح الولايات المتحدة سلطات الهجرة صلاحيات غير محدودة تقريبا للنظر بأثر رجعي في سجل أي مهاجر عند الحدود، لكن إخضاع مقيمين قانونيين للتدقيق بسبب جنح حسمت منذ زمن بعيد أمر غير مألوف على أقل تقدير. وانتهى الأمر بشميدت إلى الاحتجاز شهرين، في الظروف القاسية نفسها التي تحدث عنها كثيرون غيره من المحتجزين.

تمنح الولايات المتحدة سلطات الهجرة صلاحيات غير محدودة تقريبا للنظر بأثر رجعي في سجل أي مهاجر عند الحدود

ولا تقف القصص عند هذا الحد. فقد وقع نيوزيلنديون ودنماركيون وأستراليون أيضا في آلة "آيس"، وأثارت كل حالة موجة ممتدة من التغطية الإعلامية الغاضبة في بلاده. ومن المرجح أن يستخف متعصبو حركة "ماغا" بهذه الحالات، وأن يعدوها أضرارا جانبية لا مفر منها في حملة عادلة لتطهير البلاد من مهاجرين غير مرغوب فيهم. وهذه، في أفضل الأحوال، رؤية ضيقة. فهي تتجاهل الضرر الملموس الذي ألحقته هذه القصص، وقصص كثيرة شبيهة بها، بسمعة الولايات المتحدة في العالم.

لكن مثل هذه المشكلات قد تبدو مجردة لكثير من سكان الولايات المتحدة. فلماذا يهتم أحد بالمظالم المزعومة التي تلحق ببضعة أجانب مزعجين؟

لا شك أن أصحاب الفنادق الذين يواجهون الآن تراجع الحجوزات، وشركات الطيران التي اضطرت إلى إلغاء رحلات، والطهاة وموظفي الاستقبال والعاملين في قطاع الخدمات الذين فقدوا وظائفهم بسبب هبوط السياحة الدولية، يملكون إجاباتهم الخاصة عن هذا السؤال. ولا تقدم حكاية السياحة المتعثرة سوى تذكير جديد بأن الاقتصاد الأميركي لا يعيش في عزلة عن بقية العالم، وأن إقامة الحواجز غالبا ما تصنع من المشكلات أكثر مما تحل.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت أكاديمية الإدارة، وهي رابطة دولية لأساتذة كليات إدارة الأعمال، إلغاء مؤتمرها المقرر في سياتل عام 2027، ونقل اجتماعاتها المقبلة إلى الخارج في المستقبل المنظور. وقال أحد أعضائها لصحيفة "فايننشيال تايمز" إن الأعضاء الكنديين والأوروبيين في المنظمة كانوا قلقين من "قضايا الهجرة".

(أ.ف.ب)
رواد مقهى يراقبون حافلة سياحية فارغة في هوليوود بكاليفورنيا، مع تراجع السياحة إلى الولايات المتحدة، 30 أبريل 2026

وربما كان الأكثر كشفا هو الرد الحاسم، وغير المساوم، الذي قدمه المتحدث باسم الخارجية الأميركية، تومي بيغوت، عندما طلبت منه "فايننشيال تايمز" التعليق. قال بيغوت: "نحن نتمسك بأعلى معايير الأمن القومي والسلامة العامة عبر إجراءات منح التأشيرات، ونوضح أن دخول الولايات المتحدة امتياز، لا حق، وأن سلامة الشعب الأميركي تأتي أولاً". وبدا أن عبثية التصريح نفسه، بما ينطوي عليه من إيحاء بأن الإدارة تعمل جاهدة لحمايتنا من أساتذة إدارة الأعمال الأشرار، قد غابت تماما عن بيغوت. فلنأمل أن تصمد احتفالات "كأس العالم" رغم جهود موظفين عموميين مجتهدين من أمثاله.

font change

مقالات ذات صلة