في زمن يبدو فيه الألم أكثر حضورا من أي وقت مضى، لا بوصفه تجربة إنسانية عابرة بل كهوية مكتملة، يأتي كتاب "أنا أعاني، إذن أنا موجود"، للفيلسوف الفرنسي باسكال بروكنر (ترجمته الى الإسبانية ماريا بلكونتي، سيروينا، 2026)، ليقترح قراءة مقلقة ومزعجة لهذا التحول العميق في الوعي المعاصر. ليس الأمر هنا مجرد تأمل في المعاناة أو محاولة لفهمها، بل تشريح فكري لظاهرة أوسع: كيف تحولت الضحية من حالة تستدعي التعاطف إلى موقع رمزي يمنح الشرعية والسلطة، بل ويعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. من خلال هذا المنظور، لا يعود الألم شيئا ينبغي تجاوزه، بل يصبح شيئا ينبغي الحفاظ عليه، أو على الأقل تذكره باستمرار، كأنه الضمان الوحيد لوجود معترف به. في هذا السياق، يبدو أن المقولة الديكارتية الشهيرة “أنا أفكر إذن أنا موجود” قد انقلبت، بشكل خفي ولكن جذري، إلى صيغة أكثر قتامة: “أنا أعاني إذن أنا موجود”.
مسار تاريخي
هذا الانقلاب ليس حادثا عابرا، بل نتيجة مسار تاريخي طويل، يحاول بروكنر تتبعه عبر طبقات متعددة من الفكر الغربي. فمنذ المسيحية، حيث اكتسب الألم قيمة خلاصية، مرورا بعصر الأنوار الذي سعى إلى تحرير الإنسان من الخوف والقدر، وصولا إلى الحداثة المتأخرة التي رفعت شأن الفرد وحقوقه، تتراكم الشروط التي تجعل من المعاناة عنصرا مركزيا في تعريف الذات. غير أن المفارقة التي يلح عليها الكتاب تكمن في أن هذا المشروع التحرري نفسه قد أفضى إلى نتيجة معاكسة: بدل أن يتحرر الإنسان من الألم، أصبح أكثر حساسية له، وأكثر ميلا إلى تعريف نفسه من خلاله. هكذا يتحول التقدم إلى نوع من الفخ الرمزي، حيث يصبح الإنسان، رغم كل إنجازاته، أسيرا لتجربة الألم، لا كمعطى بيولوجي أو نفسي، بل كهوية ثقافية واجتماعية.

