يطل الروائي والشاعر الفرنسي ذو الجذور التونسية، أوبير حداد، بمجموعة قصصية جديدة بعنوان "ليلة القضاة"، تضم 13 قصة متفاوتة في النفس والسعة، تتضافر لتشكل تجربة إبداعية عصية على التصنيف.
في هذا العمل الصادر حديثا عن دار "زولما" في باريس، يواصل مؤلف "فلسطين" (زولما، 2007) ترسيخ صوته الخاص بنسجه فسيفساء إنسانية آسرة تذوب فيها الحدود بين الرغبة والفاجعة، ويتعانق الغموض بعزلة الكائن، ليجد القارئ نفسه أمام عالم ذي طابع سحري، يتماهى فيه الواقع بالحلم، وتتحول فيه كل لحظة — مهما بدت ضئيلة أو عابرة — إلى مختبر وجودي مفتوح على التأويل.
منذ الصفحات الأولى، يتشظى الزمن وتختل خطيته، إذ تتراكب أحداث الماضي مع الحاضر، وتتشابك الذكريات بالهلوسات، فيما تبدو الأمكنة ذاتها انعكاسا لما يعتمل في أعماق الشخصيات. ومن الأزقة المتاهية والقصور الغامضة، إلى أحياء الصفيح الوعرة والمحترفات المهجورة، يتحول كل فضاء إلى امتداد للروح، إلى مسرح تتبلور فيه المشاعر والهواجس.
أما الكتابة نفسها، فتحث القارئ، بكثافتها الشعرية، على الغوص داخل عالم ذهني معقد، حيث الاستطرادات والأحاسيس والصور ليست عناصر تزيينية، بل مكونات أساسية تسهم في تعميق الفهم الحميم لكل شخصية، وفي بناء شبكة من المعاني المتداخلة.
عوالم متشظية
داخل هذه المجموعة، ثمة قصص تتمايز بحدتها التعبيرية العالية وقدرتها على تجسيد الثيمات المركزية للعمل. ففي "سمكة فضية"، يلوذ طفل وحيد بغرفة الاستحمام هربا من شجارات والديه، بينما يتحول البيت الغريب، المشيد فوق منزل قديم، بما يحويه من أقبية وسراديب متاهية، إلى فضاء يعكس عزلته ويؤطرها.
هناك، يراقب الطفل حشرة صغيرة من نوع السمك الفضي، وحين يرافق والديه لزيارة جده المحتضر في دار للعجزة، يكتشف أن ذكريات الموتى تبقى نابضة عبر الأحياء، كحضور خفي يضفي معنى على الوجود.
في "إيزا على درب خلايا النحل"، يلتقي الراوي بامرأة متزوجة ومراوغة تدعى إيزا، خلال إقامة في نزل معزول. وبينما تتأرجح مغامرتهما الليلية الخاطفة بين الرغبة والدوار وإحساس غامض بتجربة مكررة، يبدو هذا اللقاء، المعلق كتحليق نحلة فوق خلية، تجسيدا لقدرة الزمن على التمدد أو التجمد، وعلى تعليق اللحظة في حيز يكاد ينفصل عن الواقع.

