لنا عبدالرحمن تسرد ضواحي باريس في رواية جديدة

وجوه تهرب من بلدانها وطبقاتها ومن سطوة الحياة

لنا عبدالرحمن تسرد ضواحي باريس في رواية جديدة

تصور الكاتبة اللبنانية لنا عبدالرحمن في روايتها الجديدة "ليالي سان دوني" مجموعة من الفنانين واللاجئين والمشردين يسكنون قصرا مهجورا في ضاحية سان دوني الباريسية، بعضهم جاء من قلب باريس هربا من خواء المدينة، والبعض الآخر جاء من لبنان وسوريا والمغرب والجزائر وأفغانستان بأصول مختلطة تتقاطع عبر أحلام مجهضة وأسباب أخرى تتعلق بضرورات الحياة التي يعيشونها كيفما اتفق.

الرواية الصادرة حديثا عن "دار العين" في القاهرة تغوص في حيوات سكان هذا القصر المسمى بالفرنسية "لو شاتو"، والذي قيل إنه ملك لكونت فرنسي إسباني "فقد عقله، ثم رحل إلى برشلونة وفارق الحياة هناك، تاركا القصر للنسيان".

في فرنسا، يمكن لأي مجموعة أن تحتل سكنا مهجورا وتعيش فيه لفترة قبل أن تواجه إجراءات من القضاء والشرطة تؤدي إلى إخراجها. وهو ما حدث مع يوهانس الذي اتخذ من إحدى غرف القصر مرسما ومعملا للوحاته ومنحوتاته ومخبوزاته. وصار الساكنون فيه يدفعون له أجرا زهيدا مقابل بعض الخدمات.

يوهانس وحبيبته كامي فرنسيان رفضا أسلوب العيش الممل وأسسا هذا الفضاء الحر من العيش في القصر المهجور. فكامي درست القانون لكنها رفضت المضي على خطى والديها كي لا ترث مكتبهما المشترك، فأعلنت تمردها على طبقتها الاجتماعية، واختارت الانضمام للعيش مع المشردين، تساعدهم في إجراءاتهم القانونية، خاصة وأن بعضهم افتقدوا للقوانين المنظمة في بلدانهم "جاءوا إلى فرنسا بحثا عن السيستم، وأنا هربت من مجتمعي وجئت للعيش في لو شاتو هربا من السيستم".

غجر ولصوص وسكان عابرون، وقصص حب وغيرة وصراعات وأحلام وذكريات مؤلمة غير قابلة للشفاء

ولم يمنعها ارتباطها بعلاقة حب مع يوهانس "من إقامة زواج أبيض مع مازن كي تساعده في الحصول على الجنسية الفرنسية". فهي تؤمن بأن "من حق الإنسان العيش في أي بلد يريده، ما دام لا يسبب الدمار للأرض ولإخوته البشر".

الحرية والزواج

تسرد الكاتبة حياة مجموعة القصر بخلفياتهم الاجتماعية، فيلاحظ منذ البداية أولئك الذين جاءوا إلى هذا المكان هربا من صرامة العلاقات الاجتماعية والزوجية، كتعبير أخير عن سلسلة من التمردات في حياتهم. فإلى جانب كامي التي هجرت زوجها وابنتها المراهقة، هناك أبو الطيب، الهارب من الحرب في سوريا، وصل إلى فرنسا عبر الشواطئ الليبية وإيطاليا. نام ليلته الأولى في إحدى حدائق باريس فاستيقظ فيها على صوت اثنين من اللصوص يوجهان إليه سلاحا أبيض، وحين قال لهما إنه فلسطيني اعتذر إليه أحدهما وقال له "مرحبا بيك خويا". بل إنهما أخذاه ليسكن معهما.

أبو الطيب يعيش حياة بوهيمية لا يعبأ بأي شيء، يؤمن بفكرة اللاعمل، ويرفض أن يعمل ساعات طويلة ليحصل على الفتات، ونشاطه يقتصر على "تسجيل الذاكرة الشفوية للفلسطينيين، منذ نكبة فلسطين، وحتى قيام ثورات الربيع العربي". ومع سلوكه المختلف يبدو ملتزما تجاه ولديه وزوجته الأوكرانية التي لحقت به إلى فرنسا، قبل أن تتأجج مشاكلهما فيهرب إلى "لو شاتو".

REUTERS/Christian Hartmann
رجل يعزف الغيتار فيما يستمتع الناس بالطقس المشمس في حدائق لوكسمبورغ في باريس، 2020.

ومن شخصيات "لو شاتو"، يوسف الموسيقي والمغني، الذي جاء من ضاحية بيروت إلى ضاحية باريس، هاربا هو الآخر من العيش مع زوجته الفنانة ياسمين "الغاضبة دائما" والتي تعرف عليها في بيروت (جدها لأمها باشا مصري هاجر إلى باريس، وأبوها ابن فلاح مصري جاء إلى السوربون لدراسة القانون فتعرف على أمها). رأى يوسف يوما زوجين عجوزين على الشاطئ يتشاجران على طريقة وضع المنشفة على الرمل، فتخيل نفسه مع زوجته مكانهما في المستقبل، لذا اتخذ قرار الانفصال، وجاء إلى هذا المكان "الذي تختلط فيه الأوراق والأرواح والفنون والطبقات والهويات، في تداخل عجيب يصعب استيعابه بسهولة"، ويحمل "نوعا من الحرية والفوضى". وهو إذ ولد من أب سوري وأم لبنانية، لم يحظ "بانتماء صاف لأي منهما"، وكان يمكنه أن يتحدث عن العنصرية في أي مكان.

وهناك نايا الرسامة التي هجرت، أيضا، زوجها الإسباني لتلتحق بمجموعة سان دوني؛ وهي ابنة زعيم لبناني، اشتهر بحروبه وجبروته، تزوج أمها بطريقة سرية ولم تحمل اسمه.

الحد الأدنى للحياة

من الوجوه الأخرى، "در صاف" صحافية وشاعرة أفغانية جاءت إلى باريس هربا من طالبان بعد الحصول على فرصة للعمل في إحدى المجلات الخاصة بفن العمارة باللغة الانكليزية، ثم وجدت نفسها في "لو شاتو".  كانت تعيش "وفق الحد الأدنى للحياة" لكنها تشعر بسعادة أكثر مما كانت عليه في كابول، ولذا كان من الممكن أن تفعل أي شيء لكي لا تعود إلى بلدها. ومن السكان الدكتور ماثيو الذي لم يمارس مهنته كطبيب بسبب وضعه كطالب لجوء، سكن في البداية مع ثلاثة من المهاجرين اليمنيين، أحدهم ظل يبكي كل ليلة وهو يحكي له أهوال الحرب في بلده مع حالات فزع وصراخ تنتابه وكأنه مازال يعيش أجواء الحرب نفسها. وكانت هذه الحال من أسباب مجيئه إلى "لو شاتو"، لكي ينام طويلا من دون سماع بكاء.

وهناك أيضا نونا التي هربت من الدار البيضاء "بسبب الضرب المبرح الذي تعرضت له من والدها". أما عبير، فهي سيدة أربعينية من أب ليبي مسلم وأم لبنانية مسيحية، تظن أن أمها تركتها ليأخذها أبوها ويهرب إلى بنغازي، وهو الرجل الذي عارضت أهلها كي تتزوج منه. فعاشت عبير هناك وتزوجت وأنجبت ثلاث فتيات جئن معها إلى "لو شاتو" بعد أن تخلت عن زوجها الذي تزوجها طمعا في ثروة أبيها ونفوذه. تلبس الحجاب وتبث يومياتها على قناة في "يوتيوب" يشاهدها نصف مليون شص، في وقت أتت فيه أمها من بيروت لتعيش في جوارها، لكن الذكريات المؤلمة ظلت حاجزا بينهما.

ومن شخصيات المكان مازن الحلبي المدمن، والملقب بالعمدة بسبب تقديم خدماته للسكان. وثلاثي السيرك المرح كريم وأكرم ونسيم، وهذا الأخير يبدأ بعلاقة حب مع ابنة عبير المراهقة نغم. كريم تعلم من الصحراء في المغرب، التي جاء منها، القوة الجسدية، كما "زرعت فيه أيضا غريزة البقاء التي تجعله يهاجم قبل أن يهاجم".

REUTERS/Benoit Tessier
مهاجرون داخل حافلة بعد إخلاء الشرطة الفرنسية مخيما عشوائيا في سان دوني قرب باريس، 2019.

التعاطف

هناك أيضا غجر ولصوص وسكان عابرون، وقصص حب وغيرة وصراعات وأحلام وذكريات مؤلمة غير قابلة للشفاء.

ترسم لنا عبدالرحمن بورتريهات بخلفيات اجتماعية نتعرف من خلالها على ماضي الشخوص وكيف يعيشون حياتهم في القرب من مدينة باريس الصاخبة التي يبدو العيش فيها قابلا للتأقلم رغم كل الصعوبات. فعبر كامي وأمثالها سنجد معنى للتعاطف الإنساني العابر للحدود والطبقات والثقافات.

 GUILLAUME BAPTISTE / AFP
قطار تابع لمترو باريس يمر داخل مبنى قيد الإنشاء قرب محطة أوسترليتز في باريس، 2026.

توزع سرد الرواية بين راو عليم وأصوات تحكي بأسلوب "الأنا" عن حياتها وذكرياتها وتقاطعاتها مع حياة الآخرين. فتبدو كل شخصية لها خطها السردي الخاص والمميز، لكن الكاتبة بخبرتها السردية تجمع بين حيواتهم عبر خط واحد هو العيش في قصر "لو شاتو" الذي صار مفعما بالحياة، وإن كان إلى حين، بعد أن اكتست جدرانه وأرضياته بالغبار والأتربة.

font change

مقالات ذات صلة