من الجفاف إلى الفيضان... الفرات يختبر العلاقة السورية-التركية

اختبار اقتصادي جديد للزراعة والكهرباء في سوريا

أ.ف.ب
أ.ف.ب

من الجفاف إلى الفيضان... الفرات يختبر العلاقة السورية-التركية

لم يكن فيضان نهر الفرات في نهاية مايو/أيار الجاري حدثا مائيا عابرا. فقد أعاد إلى الواجهة تاريخا طويلا من التداخل السوري ـ التركي، حيث امتزجت الجغرافيا بالسياسة منذ انهيار الدولة العثمانية قبل أكثر من قرن.

فمنذ ترسيم الحدود الحديثة بين البلدين قبل حوالى مئة عام، ظل الفرات واحدا من أكثر ملفات العلاقة حساسية، إلى جانب قضايا الحدود ولواء اسكندرون (هاتاي) والموضوع الكردي. وخلال عقود، استخدمت المياه كورقة ضغط متبادلة، خصوصا بعد بناء أنقرة سلسلة سدود ضخمة ضمن مشروع تطوير جنوب شرق تركيا (غاب) في جنوب الأناضول منذ ثمانينيات القرن الماضي، مما خفّض تدفق المياه نحو سوريا والعراق وأثار أزمات سياسية متكررة.

لذلك بدا مشهد فتح بوابات سد الفرات في سوريا قبل أسبوع، للمرة الأولى من سنوات مختلفا، إذ انتقلت العلاقة هذه المرة من صراع على ندرة المياه إلى إدارة فائض مائي غير مسبوق، في لحظة إقليمية تشهد بدورها تحولات سياسية ومناخية عميقة.

بدا مشهد فتح بوابات سد الفرات في سوريا للمرة الأولى من سنوات مفارقا، إذ انتقلت العلاقة هذه المرة من صراع على ندرة المياه إلى إدارة فائض مائي غير مسبوق

يبلغ طول نهر الفرات نحو 2,800 كيلومتر مما يجعله أحد أطول أنهار الشرق الأوسط وثاني أطول أنهار الوطن العربي. وهو ينبع من تركيا ويمر في الداخل السوري انطلاقا من منطقة جرابلس بطول 610 كيلومترات، قاطعا مسارا حيويا يشكل شريان الحياة الزراعية والاقتصادية في البلاد. ويتحد في مساره مع نهر دجلة في جنوب العراق ليشكلا معا "شط العرب"، الذي يصب في مياهه النهائية ضمن الخليج العربي. 

ما سبب الفيضان غير المسبوق؟

تمثلت أبرز الأسباب في زيادة الوارد المائي من الجانب التركي، بالتزامن مع موسم مطري وثلجي غزير نسبيا في جنوب تركيا وشمال سوريا خلال شتاء 2025-2026، مما أدى إلى امتلاء السدود وبحيرات التخزين إلى مستويات مرتفعة. 

وقال مسؤولون سوريون انه تم تمرير حوالى ألف متر مكعب في الثانية إلى سوريا يوم الجمعة الماضي، فيما نص الاتفاق بين دمشق وأنقرة الذي يعود الى منتصف الخمسينيات الى تمرير 500 متر مكعب في الثانية، على أن تمرر دمشق 58 في المئة من هذه الكمية إلى العراق، بموجب اتفاق مع بغداد.

ونقلت وسائل إعلام محلية تركية عن هيئة المياه الإقليمية أنه أجريت "عمليات إطلاق مياه مُتحكَّم بها" من سد أتاتورك بعد ارتفاع منسوب المياه بسبب هطول أمطار غزيرة في الأشهر الأخيرة، بحيث فتحت بوابات المفيض للمرة الأولى منذ سبع سنوات.
ويُعد سد أتاتورك من السدود الرئيسة الثلاثة في تركيا، وقد تم بناؤه لتوليد الكهرباء وريّ المنطقة على طول الحدود مع سوريا.

وأشارت تقارير محلية سورية إلى أن مخزون بحيرة سد الفرات تجاوز 97 في المئة من طاقتها الاستيعابية، الأمر الذي دفع المؤسسة العامة لسد الفرات إلى فتح ثلاث بوابات مفيض كإجراء احترازي لحماية جسم السد والحفاظ على استقرار إنتاج الكهرباء. 

وقال وزير الطاقة السوري محمد البشير عبر منصة "إكس" ‎يوم الثلاثاء الماضي، إنه بعد ‌‏زيادة الواردات المائية من الجانب التركي، تم فتح البوابة رقم  4 لتمرير ‌‏‌‏100 متر مكعب في الثانية إضافية، ليصبح إجمالي التدفق في نهر الفرات 1,800 متر مكعب في الثانية.‎  

رويترز
لقطة جوية لمدينة دير الزور ونهر الفرات في سوريا، 10 مايو 2026

ودعا البشير الأهالي القاطنين قرب ضفاف النهر إلى توخي الحذر والابتعاد ‌‏عن مجرى المياه، لافتا إلى أنه تم التنسيق مع وزارة الطوارئ وإدارة ‌‏الكوارث والمحافظات، لاتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة حفاظا على ‌‏السلامة العامة‎.‎

وفي 25 مايو/أيار الجاري، نشرت إدارة منطقة جرابلس السورية تعميما مفاده أنه سيكون هناك زيادة كبيرة في منسوب مياه نهر الفرات قد تستمر لأيام تقدَّر الكمية بـ 1,500 متر مكعب في الثانية، داعية المواطنين في جرابلس إلى عدم الاقتراب من النهر أو السباحة نهائيا وإبعاد المواشي والممتلكات المنقولة القريبة من مجرى النهر فورا واتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة حفاظا على السلامة العامة. 

وأعلنت وزارة الطاقة السورية عبر قناتها على "تلغرام" رفع كميات التمرير المائي من سد كديران إلى 1,800 متر مكعب في الثانية، مؤكدة أن هذه الخطوة تهدف إلى ضمان إدارة مستقرة للتصريف على مجرى نهر الفرات وتعزيز قدرة المنظومة المائية على استيعاب الوارد المرتفع خلال الفترة الحالية. 

ودعت الوزارة السكان القاطنين على ضفاف النهر في محافظتي الرقة ودير الزور إلى توخي الحذر والابتعاد عن مجرى المياه بسبب ارتفاع المناسيب وتسارع الجريان، حفاظا على السلامة العامة وحماية الأرواح والممتلكات. كما أوضحت أن الفرق الفنية والهندسية تواصل أعمال المراقبة والتشغيل على مدار الساعة لضمان إدارة دقيقة للتصريف المائي والحفاظ على سلامة السدود والمنشآت المائية في البلاد.

بعد ‌‏زيادة الواردات المائية من الجانب التركي، تم فتح البوابة رقم 4 لتمرير ‌‏‌‏100 متر مكعب في الثانية إضافية، ليصبح إجمالي التدفق في نهر الفرات 1,800 متر مكعب في الثانية

وزير الطاقة السوري محمد البشير

وفي مواجهة احتمالات استمرار ارتفاع منسوب المياه، أعلنت مديرية الزراعة في محافظة دير الزور تنفيذ خطة طارئة لحماية القطاعين الزراعي والحيواني. ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن مدير الزراعة علي العلوش قوله إن الإجراءات شملت تنظيف وفتح المصارف الزراعية بشكل عاجل في الأراضي السهلية والمنخفضة، وتدعيم السواتر الترابية القريبة من ضفاف الفرات والجزر النهرية، إلى جانب تسريع عمليات حصاد القمح والشعير الجاهزين قبل تعرضهما للغمر.

كما تضمنت الخطة تعليق عمليات الري مؤقتا لتفادي تشبع التربة وانهيار الجسور الترابية، مع تكثيف مراقبة مناسيب المياه كل ثلاث إلى ست ساعات في القرى المهددة، وتجهيز سواتر رملية لحماية الأراضي الزراعية، إضافة إلى تحديد مسارات بديلة لحركة الجرارات والشاحنات الزراعية.

وعلى صعيد الثروة الحيوانية، أوضح العلوش أنه جرى نقل الأغنام والأبقار إلى مناطق مرتفعة، وتأمين الأعلاف عبر رفعها فوق منصات خشبية أو إسمنتية، فضلا عن تجهيز خزانات مياه نظيفة تحسبا لأي تلوث محتمل. كما باشرت الفرق البيطرية حملات رش ومتابعة دورية للحد من الأمراض الناتجة من الرطوبة وركود المياه. وشملت التدابير أيضا فصل الكهرباء عن المضخات والآبار القريبة من مناطق الغمر، واستخدام أكياس الرمل لحماية الحظائر والمستودعات، مع رفع المولدات والمحركات والخزانات إلى مستويات أكثر أمانا.

أ.ف.ب
رجل داخل مطعم غمرته المياه على ضفاف نهر الفرات قرب مدينة الرقة في شمال شرق سوريا، 26 مايو 2026

وقال وزير الطوارئ السوري رائد الصالح على منصة "إكس": "تم إنشاء غرفة عمليات مشتركة مع المحافظتين والموارد المائية وتعمل على مدار الساعة، وبدأت فرق المؤازرة بالوصول تباعا من محافظات حلب وإدلب وحماة وحمص"، مضيفا "أننا سنبذل كل ما نستطيع ضمن اختصاصنا المهني كوزارة معنية بالاستجابة لحالات الطوارئ والكوارث، لضمان سلامة أهلنا وحماية المجتمعات الواقعة على ضفتي النهر".

عودة زخم النهر بعد سنوات الجفاف

شهد نهر الفرات في سوريا خلال السنوات الماضية تراجعا حادا في منسوب المياه، إذ انخفضت التدفقات الواردة من تركيا من المستوى المنصوص عليه في اتفاق 1987 والبالغ 500 متر مكعب في الثانية إلى نحو 200 متر مكعب فقط في بعض الفترات، أي أقل من نصف الكمية المتفق عليها. كما تراجع تدفق نظام نهري الفرات ودجلة إلى ما يقارب نصف متوسطه السنوي خلال سنوات الجفاف، نتيجة التغير المناخي وتراجع معدلات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة.

وفي 29 أبريل/نيسان الماضي، بلغ منسوب بحيرة سد الفرات 298.83 مترا فوق سطح البحر، أي أقل بنحو خمسة أمتار من المنسوب الطبيعي البالغ 304 أمتار، مما هدد بخروج محطات التوليد الكهرومائي ومحطات ضخ مياه الشرب عن الخدمة، وأدى إلى تقنين واسع للكهرباء وتراجع إنتاج المحاصيل الزراعية في شمال وشرق سوريا.

أثر استراتيجيا تركيا المائية الجديدة

في مارس/آذار الماضي، أطلقت تركيا استراتيجيا مائية جديدة تمتد بين 2026 و2035، تهدف إلى تشديد إدارة الموارد المائية وتعزيز السيطرة على الأنهار العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهرا دجلة والفرات اللذان يغذيان سوريا والعراق. 

وتركز الخطة على خفض فاقد المياه في شبكات الشرب، ورفع كفاءة الري الزراعي إلى 60 في المئة في حلول 2030، إلى جانب توسيع إعادة استخدام المياه المعالجة وتعزيز أنظمة المراقبة الرقمية للسدود والموارد المائية.

وترى تقارير أن أهمية الخطة لا تقتصر على البعد البيئي أو التنموي داخل تركيا، بل تحمل أبعادا جيوسياسية واقتصادية أوسع، نظرا إلى تحكم أنقرة بمنابع الأنهار الرئيسة في الشرق الأوسط، مما يمنحها نفوذا متزايدا في ملفات الأمن المائي والطاقة والزراعة في دول الجوار، خصوصا مع تصاعد الضغوط الناتجة من التغير المناخي والجفاف في المنطقة. 

أطلقت تركيا استراتيجيا مائية جديدة تمتد بين 2026 و2035، تهدف إلى تشديد إدارة الموارد المائية وتعزيز السيطرة على الأنهار العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهرا دجلة والفرات اللذان يغذيان سوريا والعراق

وفي تقارير نُشرت في 22 مايو/أيار الجاري، أي قبيل حصول الفيضان بأيام قليلة، كان من المتوقع أن يشهد منسوب نهر الفرات ارتفاعا ملحوظا بعد قرار تركيا فتح بوابات سد أتاتورك للمرة الأولى منذ سبع سنوات، عقب موسم غزير بالأمطار والثلوج دفع الخزان إلى مستويات قصوى. ويُعد هذا الإجراء، الذي وصف بأنه ثالث عملية تصريف كبرى خلال أكثر من عقدين، ذا تأثير مباشر على سوريا والعراق اللتين تعتمدان بشكل كبير على مياه الفرات العابرة للحدود. وبينما قد يخفف تدفق المياه حدة الجفاف الذي ضرب العراق في السنوات الأخيرة وأثر على الزراعة والأهوار وإمدادات المياه، حذر خبراء من مخاطر حدوث فيضانات محلية إذا لم تُدَر الكميات الإضافية بدقة. 

الأمن المائي والبعد الاقتصادي 

يحمل فيضان نهر الفرات أبعادا اقتصادية عميقة لأنه يرتبط بثلاثة ملفات حيوية في سوريا والعراق هي الأمن الغذائي، والطاقة، وإدارة الموارد الاستراتيجية.  

فالارتفاع الكبير في منسوب المياه يمنح سوريا فرصة نادرة لتعزيز إنتاج الكهرباء عبر سد الفرات بعد سنوات من التراجع الحاد في التوليد بسبب الجفاف ونقص الواردات المائية، وهو ما ينعكس مباشرة على تخفيف أزمة الطاقة وتقليص الاعتماد على الوقود المستورد المرتفع التكلفة. 

أ.ف.ب
مشهد لسد الفرات في مدينة الطبقة بمحافظة الرقة السورية، 18 يناير 2026

يُعد نهر الفرات المصدر الأكبر للطاقة الكهرومائية في سوريا، إذ تبلغ القدرة التصميمية القصوى لـسد الفرات نحو 880 ميغاواط موزعة على ثماني عنفات توليد، قدرة كل واحدة منها نحو 110 ميغاواط. ويُعتبر السد أكبر منشأة كهرومائية في البلاد وإحدى أهم ركائز منظومة الكهرباء السورية منذ افتتاحه في سبعينيات القرن الماضي. كما يضم حوض الفرات في سوريا سدودا أخرى منتجة للكهرباء، أبرزها سد تشرين بقدرة تقارب 630-642 ميغاواط، وسد الحرية (البعث سابقا) بقدرة تتراوح بين 81 و90 ميغاواط. وبذلك تتجاوز القدرة النظرية الإجمالية للسدود الرئيسة على الفرات 1,500 ميغاواط في الظروف الطبيعية.

لكن الإنتاج الفعلي تراجع بشدة خلال سنوات الجفاف الأخيرة بسبب انخفاض الواردات المائية من تركيا وتراجع منسوب البحيرات. ففي بعض الفترات لم يتجاوز إنتاج سد الفرات 60 ميغاواط، بينما هبط إنتاج سد تشرين إلى نحو 50 ميغاواط فقط.

ومع ارتفاع منسوب المياه في ربيع 2026 وامتلاء بحيرة السد، ارتفع إنتاج الكهرباء في سد الطبقة تدريجيا من نحو 150 ميغاواط إلى قرابة 400 ميغاواط وفق تقارير محلية في فبراير/شباط الماضي، مما عزز أهمية فيضان الفرات اقتصاديا باعتباره فرصة نادرة لتحسين إنتاج الكهرباء وتقليل الضغط على محطات التوليد التقليدية التي تعتمد على الوقود.

كما أن وفرة المياه تعني موسما زراعيا أفضل في مناطق الجزيرة السورية، التي تمثل تاريخيا خزان القمح والقطن في البلاد، مما قد يخفف الضغوط على الأمن الغذائي ويحدّ من فاتورة الاستيراد.

هشاشة البنية الاقتصادية السورية

يكشف الوجه الآخر للأزمة هشاشة البنية الاقتصادية السورية. وعلى الرغم من غياب تقديرات رسمية شاملة أو أرقام نهائية معلنة لحجم الخسائر الاقتصادية الناتجة من فيضان الفرات، إذ لا تزال السلطات وفرق الطوارئ في مرحلة تقييم الأضرار، تشير تقارير ميدانية إلى أضرار طالت منازل ومحال تجارية وأراضي زراعية وبنية تحتية محلية في محافظتي الرقة ودير الزور، إضافة إلى إغلاق جسور وظهور تشققات في بعض الطرق والمنشآت القريبة من مجرى النهر.

كما تحدثت تقارير عن تضرر مساحات زراعية على ضفاف الفرات وغمر بعض المخيمات والمناطق المنخفضة، بينما اضطرت السلطات إلى تدعيم السواتر الترابية ونقل السكان والمواشي من المناطق المهددة، مما يعني تكاليف إضافية مرتبطة بأعمال الحماية والاستجابة الطارئة.

ويمكن تقسيم التكلفة شقين، هما تكلفة مباشرة تشمل إصلاح الجسور والطرق وشبكات الري والمضخات والمنشآت الزراعية والممتلكات الخاصة، وتكلفة غير مباشرة تتعلق بخسائر المحاصيل وتعطل النقل المحلي والأنشطة التجارية، إضافة إلى نفقات الإغاثة والحماية المدنية.

وفي المقابل، فإن جزءا من هذه الخسائر قد يُعوَّض جزئيا عبر المكاسب الناتجة من ارتفاع مخزون السدود وتحسن إنتاج الكهرباء الكهرومائية وتوفر المياه للزراعة بعد سنوات من الجفاف، وهو ما يجعل الحصيلة الاقتصادية النهائية للحدث أكثر تعقيدا من مجرد حساب أضرار الفيضانات وحدها.

كذلك أعاد الحدث تسليط الضوء على "اقتصاد المياه" كأداة نفوذ إقليمي، فتركيا التي تتحكم بمنابع الفرات عبر شبكة سدود ضخمة، تملك عمليا تأثيرا مباشرا على قطاعات الزراعة والطاقة والصناعة في سوريا والعراق. ومن هنا، أصبحت المياه أكثر من قبل جزءا من معادلة الأمن الاقتصادي والجيوسياسي في الشرق.

font change