"الدلتا الجديدة"... هل تنجح مصر في تحويل الصحراء إلى رافعة للاقتصاد الزراعي؟

استثمار ضخم بـ15 مليار دولار يراهن على تعزيز الأمن الغذائي وخفض فاتورة الاستيراد

أ.ف.ب.
أ.ف.ب.
حقول زراعية في منطقة الجيزة شمال القاهرة، 27 مايو 2021

"الدلتا الجديدة"... هل تنجح مصر في تحويل الصحراء إلى رافعة للاقتصاد الزراعي؟

في عالم يزداد اضطرابا على مستوى الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد، توسع مصر جهودها لتعزيز الأمن الغذائي باعتباره جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي والاقتصادي. وهي تعمل على دعم وتوسيع زراعة المحاصيل الاستراتيجية، وتطوير منظومة الصوامع والتخزين، فضلا عن تنويع مصادر الاستيراد، في محاولة للحد من أثر الأزمات العالمية في التجارة وأسعار الغذاء. كذلك تضع الدولة دعم الفلاح المصري من ضمن عناصر هذه الاستراتيجيا، باعتباره من ركائز تحقيق الاكتفاء النسبي واستقرار الأسواق.

في هذا السياق، تراهن مصر على مشروع "الدلتا الجديدة" باعتباره أحد أكبر رهاناتها الاقتصادية والزراعية. فالحرب الروسية - الأوكرانية، وارتفاع أسعار الحبوب، وتعثر التجارة العالمية خلال السنوات الأخيرة، خصوصا في ضوء اضطرابات الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، دفعت دولا كثيرة إلى إعادة التفكير في قدرتها على إنتاج غذائها محليا، ومصر ليست بعيدة من هذا الاتجاه.

وهكذا، أطلقت القاهرة مشروعا ضخما يمتد على مساحة 2.2 مليون فدان (9,240 كيلومترا مربعا)، بتكلفة تقارب 800 مليار جنيه (نحو 15 مليار دولار)، على محور الشيخ زايد بمحافظة الجيزة، المعروف سابقا بمحور الضبعة. وتتراوح تكلفة استصلاح الفدان الواحد بين 350 و400 ألف جنيه (ما يعادل نحو 6,600 إلى 7,500 دولار)، علاوة على إنشاء طرق جديدة تصل إلى 12 ألف كيلومتر. ولا يقتصر المشروع على استصلاح الأراضي الزراعية، بل يشمل شبكة بنية تحتية واسعة ومحطات لمعالجة المياه ومناطق لوجستية وصناعية مرتبطة بالإنتاج الزراعي.

مشروع "الدلتا الجديدة" يمتد على مساحة 2.2 مليون فدان بمحور الشيخ زايد في الجيزة، باستثمار نحو 15 مليار دولار، على أن تتراوح تكلفة استصلاح الفدان بين 6,600 إلى 7,500 دولار

وتكمن أهمية المشروع في أنه يأتي في وقت تواجه مصر معادلة شديدة القسوة: عدد سكان بلغ 110 ملايين نسمة، وحصة شبه ثابتة من مياه النيل تبلغ 55.5 مليار متر مكعب سنويا وفق اتفاقية 1959 مع السودان، ومساحات زراعية قديمة محدودة ومتركزة حول الوادي والدلتا الخاصين بنهر النيل. دفعت هذه الضغوط الحكومات المصرية المتعاقبة إلى البحث عن مساحات جديدة للزراعة، لكن "الدلتا الجديدة" تبدو المحاولة الأكثر طموحا، وربما الأكثر تكلفة أيضا.

الأمن الغذائي في قلب مشروع "الدلتا الجديدة"

قدّم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المشروع باعتباره جزءا من رؤية أوسع تهدف إلى تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على الصمود أمام الصدمات الخارجية، سواء المرتبطة بأسعار الغذاء أو باضطرابات الإمداد العالمية. وشدد على أن تحقيق اكتفاء ذاتي كامل من جميع المحاصيل "فكرة صعبة جدا"، قائلا: "مهما فعلنا لا يمكن أن نحقق اكتفاء ذاتيا كاملا"، موضحا أن مصر "لا تملك أراضي ومياها تكفي لمتطلباتها كلها". وفي المقابل، قال إن الدولة تسعى إلى تقليص فجوة الاستيراد، خصوصا في السلع الاستراتيجية.

الهيئة الهندسية للقوات المسلحة
محطة تابعة للدلتا الجديدة

وستتركز منظومة الإنتاج في "مشروع الدلتا" على السلع الاستراتيجية مثل القمح وبنجر السكر والذرة والبحوث الزراعية المتقدمة لتحقيق أقصى إنتاجية ممكنة.

لكن النقطة الأكثر حساسية تبقى المياه. يبدو التوسع الزراعي بهذا الحجم صعب في بلد يعاني أصلا من ضغوط مائية متزايدة. لذلك، بدأت الدولة تعتمد على إعادة تدوير مياه الصرف الزراعي ومعالجتها معالجة ثلاثية، ثم نقلها عبر مسارين رئيسين، شمالي وشرقي، يبلغ طول كل منهما نحو 150 كيلومترا. كذلك ترتكز الخطة على محطة "الحمام" العملاقة لمعالجة المياه، في محاولة لتجنب الضغط المباشر على حصة مصر من مياه النيل.

يمثل المشروع أحد أكبر مشاريع الاستصلاح الزراعي في تاريخ مصر الحديث، ويرتبط بمحاولة بناء نموذج متكامل يجمع بين الزراعة الحديثة والصناعات التحويلية

الدكتور مصطفى عمارة، الناطق باسم مركز بحوث الزراعة في مصر

يراهن المشروع أيضا على دور واسع للقطاع الخاص، إذ أشار السيسي إلى أن الشركات الخاصة تتولى عمليات الزراعة، من خلال الاتفاق معها على نوعية المحاصيل المستهدفة وفق الدورة الزراعية المعتمدة. وتعمل في المشروع نحو 150 شركة في الإنتاج الزراعي وحده، إلى جانب مئات الشركات الأخرى المرتبطة بالأنشطة المكملة والخدمات والبنية التحتية.

ومع ذلك، لا يقدَّم المشروع بوصفه مشروعا زراعيا فحسب، بل باعتباره محاولة لإعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية والإنتاجية في مصر. يرى خبراء اقتصاد تحدثوا إلى "المجلة" أن الرهان الحقيقي يكمن في تحويل الزراعة إلى قاعدة للتصنيع الغذائي والتصدير، بدل الاكتفاء بزيادة الإنتاج الخام المنخفض القيمة.

أ.ف.ب.

ومن هنا تبدو مسألة اختيار المحاصيل حاسمة، وفق الخبراء. وقد تكون ضرورية زراعة القمح والذرة في أوقات الأزمات، لكنها لا تحقق بالضرورة أعلى عائد اقتصادي مقارنة بمحاصيل تصديرية أو صناعات غذائية ذات قيمة مضافة أعلى. ويذهب بعض هؤلاء الخبراء إلى أن الاعتماد على بلد واحد أو إقليم جغرافي واحد لتأمين السلع الأساس، مثل القمح والزيوت، يمثل خطأ استراتيجيا، خصوصا بعد الصدمات التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة.

القاهرة تعول على المشروع لتوفير مليوني فرصة عمل

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور ياسر العالم أن المشروع "يحمل فرصة لنقل مصر من اقتصاد يعتمد في صورة متزايدة على الاستيراد إلى اقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج الزراعي والتوسع في التصنيع المرتبط به". ويقول لـ"المجلة" "إن إضافة أكثر من مليوني فدان إلى الرقعة الزراعية الحالية يمكن أن تمثل تحولا اقتصاديا حقيقيا إذا جرى استغلال الأراضي بكفاءة وربطها بسلاسل إنتاج وتسويق متطورة".

ويشير العالم إلى أن الحديث عن الوظائف المرتبطة بالمشروع "لا يقتصر على العمل الزراعي المباشر، بل يشمل النقل والخدمات اللوجستية والتعبئة والتغليف والصناعات الغذائية والطاقة والبنية التحتية والخدمات والتجارة". إلا أن تقديرات الوظائف نفسها تبقى محل جدل. ففي حين تتحدث التصريحات الرسمية عن إمكان توفير نحو مليوني فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، يرى بعض الاقتصاديين أن الرقم يبدو مرتفعا مقارنة بحجم الاستثمارات وطبيعة النشاط الزراعي.

نجاح الدولة في إدارة المشروع بكفاءة قد يمثل نقطة تحول شبيهة بمشاريع كبرى غيّرت خريطة الاقتصاد الزراعي في بلدان أخرى، في وقت يتعامل فيه العالم مع الغذاء باعتباره قضية أمن قومي

ويقول مصدر اقتصادي مفضّلا عدم الكشف عن اسمه، إن المعدلات العالمية تشير إلى أن كل مليار دولار من الاستثمارات لا ينتج عادة أكثر من 30 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة في أفضل الأحوال، "مما يعني أن العدد الواقعي قد يكون أقل بكثير من التقديرات المعلنة". ويلفت إلى غياب الوضوح الكامل في شأن مصادر التمويل، وما "إذا كانت تعتمد على قروض إضافية أو موارد أخرى، إضافة إلى تساؤلات حول طبيعة العائد المتوقع ومن ستؤول إليه الإيرادات النهائية للمشروع".

ربط الزراعة بالصناعة والتصدير والأمن الغذائي

وفي المقابل، يرى العالم "أن نجاح المشروع في جذب استثمارات إنتاجية حقيقية، وتحقيق إنتاج زراعي تنافسي، وتقليل الفاقد، وتوفير سلاسل تسويق وتصدير فاعلة، قد ينعكس إيجابا على أسعار الغذاء مستقبلا ويخفف الضغط على فاتورة الاستيراد". ويعتبر أيضا "أن نجاح الدولة في إدارة المشروع بكفاءة قد يمثل نقطة تحول شبيهة بمشاريع كبرى غيّرت خريطة الاقتصاد الزراعي في بلدان أخرى، في وقت يتعامل فيه العالم مع الغذاء باعتباره قضية أمن قومي لا مجرد نشاط اقتصادي".

.أ.ف.ب
فلاحة مصرية تقوم بقطف الزهور في منطقة شوبرا شمال دلتا النيل، 7 يونيو 2025

من جهته، يرى الخبير المالي محمد عبد العال أن المشروع "يعكس تحولا في فلسفة التنمية الاقتصادية المصرية، عبر الربط المباشر بين الزراعة والصناعة والتصدير والأمن الغذائي". ويشير في حديث إلى "المجلة" إلى أن "الدلتا الجديدة" "يمكن أن تضيف نحو 15 في المئة إلى الرقعة الزراعية الحالية في مصر، مما يمثل توسعا كبيرا في بلد يعاني أصلا ارتفاع فاتورة استيراد الغذاء".

موقع جغرافي ولوجستي مميز

ويضيف عبد العال أن الموقع الجغرافي للمشروع يمنحه ميزة إضافية، إذ يقع بالقرب من محور "روض الفرج-الضبعة"، وعلى مقربة من موانئ ومناطق صناعية ولوجستية، "مما يسهّل عمليات النقل والتصنيع والتصدير، ويقلل تكلفة الإمداد والفاقد". كذلك "يمتد المشروع عبر أربع محافظات هي الجيزة والبحيرة ومطروح والفيوم، مما يمنحه بعداً تنمويا أوسع من مجرد استصلاح زراعي تقليدي".

ويرى عبد العال أن إحدى نقاط القوة الأساس في المشروع "تكمن في اعتماده على منظومة متطورة لإعادة تدوير مياه الصرف الزراعي ومعالجتها، وفي مقدمها محطة 'الحمام'، بما يسمح بالتوسع الزراعي من دون الضغط المباشر على حصة مصر من مياه النيل، ويعكس توجها نحو إدارة أكثر كفاءة واستدامة للموارد المائية".

يبدو مشروع "الدلتا الجديدة" أقرب إلى اختبار كبير لقدرة الدولة المصرية على تحويل الاستثمارات الضخمة إلى عائد اقتصادي مستدام. فالمشروع يحمل بالفعل مقومات استراتيجية مهمة، على صعيد تعزيز الأمن الغذائي وتوسيع القاعدة الإنتاجية

ويضيف عبد العال أن القيمة الاقتصادية الحقيقية للمشروع "ستتحدد بمدى نجاحه في بناء صناعات غذائية مرتبطة بالإنتاج الزراعي، مثل التعبئة والتغليف وسلاسل التبريد والمجمعات الصناعية الغذائية، فزيادة الصادرات الزراعية والغذائية لا توفر فقط عوائد بالعملة الأجنبية، بل تخفف أيضا الضغط على ميزان المدفوعات وسوق الصرف، وهي مسائل شديدة الحساسية بالنسبة إلى الاقتصاد المصري في الوقت الحالي".

ما هي تحديات التمويل والمياه؟

لكن ضخامة المشروع تعني أيضا ضخامة المخاطر. فتكلفة التمويل، التي سبق وذكرنا أنها تبلغ نحو 800 مليار جنيه (حوالى 15 مليار دولار) تأتي في وقت تواجه فيه مصر ضغوطا مالية وارتفاعا في الدين العام. ويُقدَّر إجمالي الدين العام الحكومي في مصر بنحو 15 تريليون جنيه، فيما يتراوح الدين الخارجي بين 161 و164 مليار دولار، وسط ضغوط متزايدة ناجمة عن ارتفاع تكلفة خدمة الدين وتراجع الموارد الدولارية. 

وكالة ناسا
صورة جوية تظهر محطات نقل مياه النيل إلى الغرب المصري

وفي المقابل، فإن الاعتماد على إعادة تدوير المياه ونقلها لمسافات طويلة يجعل المشروع حساسا تجاه تكاليف الطاقة وأي اختلال محتمل في منظومة المياه. ولا يتعلق الأمر بعدد الأفدنة المستصلحة فقط. سيقاس نجاح المشروع في النهاية بقدرته على تحقيق إنتاج تنافسي، وتقليل الفاقد، وجذب استثمارات حقيقية، وإنشاء سلاسل تصدير فاعلة قادرة على الاستمرار اقتصاديا، لا بمجرد التوسع الأفقي في الزراعة.

وعلى المستوى الاجتماعي، تأمل الحكومة أن يسهم المشروع في إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة خارج الوادي الضيق، وتخفيف الضغط السكاني عن المناطق المكتظة، إلى جانب توفير فرص عمل في قطاعات متعددة مرتبطة بالزراعة والنقل والخدمات والصناعة. في حين يُنظَر إليه باعتباره مشروعا بعيد الأجل يمكن أن يؤثر في معدلات التشغيل والاستثمار والناتج المحلي الإجمالي، إذا نجح في تحقيق أهدافه الإنتاجية والتصديرية.

ومن جهته، يعتبر الناطق باسم مركز بحوث الزراعة الدكتور مصطفى عمارة "أن المشروع يمثل أحد أكبر مشاريع الاستصلاح الزراعي في تاريخ مصر الحديث، ويرتبط بمحاولة بناء نموذج متكامل يجمع بين الزراعة الحديثة والصناعات التحويلية والتوسع العمراني، في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي وتغير المناخ عالمياً".

وفي النهاية، يبدو مشروع "الدلتا الجديدة" أقرب إلى اختبار كبير لقدرة الدولة المصرية على تحويل الاستثمارات الضخمة إلى عائد اقتصادي مستدام. فالمشروع يحمل بالفعل مقومات استراتيجية مهمة، على صعيد تعزيز الأمن الغذائي وتوسيع القاعدة الإنتاجية وتقليل فاتورة الاستيراد، لكن الرهان هنا لا يتعلق فقط بالقمح والمياه، بل بقدرة الدولة على إدارة مشروع بهذا الحجم من دون أن يتحول، مع الوقت، إلى عبء مالي جديد.

font change

مقالات ذات صلة