علي عبد الله صالح... تحالف مع "الحوثيين" فقتلوه

الفرار من الوطن "خط أحمر"

أ.ف.ب
أ.ف.ب
مئات الآلاف من اليمنيين يرفعون ملصقات وصور الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح خلال تجمع حاشد دعمًا له، بالتزامن مع احتفال حزبه، المؤتمر الشعبي العام، بمرور 35 عامًا على تأسيسه، في ميدان السبعين بالعاصمة صنعاء

علي عبد الله صالح... تحالف مع "الحوثيين" فقتلوه

عاد الجدل خلال السنوات والأشهر الأخيرة ليحتدم مجدداً حول المقدمات والأسباب وتفاصيل الساعات الأخيرة التي سبقت مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح على يد ميليشيات الحوثيين الموالية لإيران، وذلك رغم الرواية شبه الحاسمة التي أدلى بها مؤخراً نجله مدين الذي رافقه حتى الدقائق الأخيرة من حياته.

ساعدت على اتساع نطاق هذا الجدل، كثرة عدد برامج البودكاست الإعلامية ذات التوجهات السياسية المتنوعة ووسائل التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى منصات مفتوحة يتَسابَق الكثير من القيادات السياسية والعسكرية والاستخبارية السابقة للظهور من خلالها والإدلاء بشهاداته ورواياته المتضاربة بهذا الشأن حيث جرت عادة الساسة اليمنيين على عدم كتابة مذكراتهم أو الإفصاح عن شهاداتهم، وتبين أكثر أن من يعرف، في العادة، لا يتكلم، وأن من يتكلم هو في الغالب من لا يعرف.

‏مثل غيري من الباحثين والصحافيين ‏المعنيين بالشأن اليمني، وأكثرهم اعتناءً بتفاصيله كنت أتابع مسار العلاقة بين صالح والحوثيين منذ بدايتها، وأتوقع نهايتها، وقد كنت أرقب تطورات الوضع في صنعاء أواخر عام 2017 ساعةً بساعة خصوصاً بعد أن بلغ التوتر ذروته بين صالح، رجل الدولة العميقة الذي عرفته، وجماعة الحوثيين، الحركة المسلحة الصاعدة بقوة كما شهدت بداياتها.

كانت متابعتي لذلك تعتمد على شبكة واسعة من المصادر والعلاقات القديمة المتجددة، بل الوثيقة مع قيادات كبيرة من جانبي الصراع، وكذلك على خبرةٍ طويلةٍ في تغطية الشؤون اليمنية منذ نحو نصف قرن، سواء من داخل البلاد أو خارجها.

مقدمات التحالف بين صالح والحوثيين

كانت هناك، في تقديري، ثلاثة أسباب لتقارب صالح مع جماعة الحوثيين، وما تمخض عن ذلك من أحداثٍ وتطورات، أولها، تمثل في رغبة الرجل في الانتقام من أولئك العسكريين الذين انشقوا عن جيشه خلال ما عرف بـ"ثورة الشباب" أو "الربيع العربي" وذلك بقيادة حليفه السابق الجنرال علي محسن الأحمر، بالإضافة إلى خصومه الإسلاميين الذين قال إنهم "ركبوا موجة تلك الثورة".

أما السبب الثاني، فيتمثل حسب قناعة صالح بنائبه وسلفه، الذي اختاره، هو بنفسه، لخلافته، الرئيس الراحل، عبدربه منصور هادي، وعدم قدرة الأخير لاحقاً على هيكلة ناجحة لقوات الحرس الجمهوري وغيرها من الألوية العسكرية والأمنية التي عمل صالح على تكوينها وتسليحها وتدريبها، ما أضعف قدرة هذه المؤسسات، في رأي صالح، على "حماية الدولة ومكتسباتها".

أما السبب الثالث، فيكمن، بالتأكيد، في مكر الحوثيين وانقلابهم على تلك العلاقة التي نسجها صالح معهم، وذلك من وراء قيادات حزبه الكبير، "المؤتمر الشعبي العام"، كما أكد لي هذا قياديٌ كبير في الحزب، وقال: "إن صالح فعل ذلك بهدف استخدام هذه الجماعة في ضرب خصومه العسكريين والإسلاميين وغيرهما".

في فترة "الغزل" التي سبقت ذلك، كان هناك ثلاثة من بين من نسجوا العلاقة بين صالح والحوثيين، جميعهم من أتراب صباي وأصدقائي القدامى في منطقة الذاري– مديرية خبان بمحافظة إب، حيث تربيت وعشت بواكير عمري. وهم السياسي الراحل زيد الذاري الذي ارتبط مبكراً بعلاقة وثيقة مع زعيم "حزب الله" اللبناني حسن نصرالله، ونزيه العماد، نجل اللواء أحمد العماد الذي كان مقرباً من صالح، وحمود عباد الوزير السابق الذي يشغل اليوم منصب أمين العاصمة صنعاء في حكومة الحوثيين. وقد كان هؤلاء الثلاثة أشبه بسعاة بريد بين صنعاء وصعدة، معقل الجماعة الحوثية، والطرفين صالح والحوثيين، وقد تباهى واحدٌ على الأقل من هؤلاء أمامي بأنه ممن حاكوا "خيوط التحالف" بين الطرفين من أجل "المصلحة العليا" للبلاد على حد قوله.

أ.ف.ب
صالح يلقي خطابًا أمام أنصاره خلال تجمع لحزبه، المؤتمر الشعبي العام، بمناسبة مرور 35 عامًا على تأسيسه، وذلك في ميدان السبعين بالعاصمة صنعاء في 24 أغسطس 2017


أما السبب الثالث، فيكمن، بالتأكيد، في مكر الحوثيين وانقلابهم على العلاقة التي نسجها صالح معهم، وذلك من وراء قيادات حزبه الكبير

انهيار تحالف الضرورة

رغم كل ما قيل عن أن صالح ساعد في احلال الحوثيين محل نظامه السابق انتقاماً من خصومه الإسلاميين والقوميين واليساريين الذين تحالفوا لإسقاط حكمه خلال احتجاجات عام 2011 فإنه كان من الواضح أن تحالف صالح والحوثيين، الذي كان من بين أسبابه أيضاً الحرب التي أطلقها التحالف لإنهاء انقلاب الحوثيين ودعم استعادة الدولة، لن يدوم طويلاً لأسبابٍ عدة يعرفها الجميع.

كان صالح يعتقد أن بإمكانه احتواء الحوثيين من خلال طي صفحة حروبهم الستة مع نظام حكمه والتحالف معهم، حيث برر لذلك بقوله: "عندما خرجوا على الدولة تقاتلنا معهم، لكنهم اليوم قوة سياسية لا بد من التعامل معها"، رغم أنه كان يعلم أكثر من غيره أن هؤلاء لم ولن يتغيروا أو تكون لهم علاقة بالسياسة.

تبين من الحوارات التي أجريتها مع ممثلي الحوثيين و"المؤتمر" أنهم لا يمثلون "وفداً وطنياً" موحداً على الإطلاق، إذ إن كلاً منهم جاء برؤيته الخاصة لسبل إنهاء النزاع وليس بموقف مشترك


 في الجولات الثلاث من مشاورات السلام اليمنية التي انعقدت أولاها في الكويت والثانية والثالثة في جنيف وبيل السويسريتين، كانت مظاهر الخلاف باديةً للعيان، إذ كان ما سمي "الوفد الوطني" القادم من صنعاء يجلس أمام وفد الحكومة الشرعية اليمنية في صفٍ منقسم وغير مختلط، جزء منه للحوثيين والآخر إلى جواره لـ"حزب المؤتمر الشعبي العام" بزعامة الرئيس صالح.

وقد تبين من الحوارات التي أجريتها مع ممثلي الحوثيين والمؤتمر أنهم لا يمثلون "وفداً وطنياً" موحداً على الإطلاق، إذ إن كلاً منهم جاء برؤيته الخاصة لسبل إنهاء النزاع وليس بموقف مشترك، وأن الخلاف بينهم، سياسياً وأمنياً، يأخذ في الاتساع بمجرد عودتهم إلى صنعاء، وذلك على النحو الذي سارت عليه الأمور حتى انفجار الصراع المسلح بينهم أوائل شهر ديسمبر/كانون الأول عام 2017 وانتهى بمقتل صالح ونائبه عارف الزوكا، الذي كان يقود مفاوضي "حزب المؤتمر".

 بداية التوتر والحصار

كان الرئيس صالح يصر على الاحتفاظ لنفسه بمربعٍ أمنيٍ واسعٍ يحيط بقصره في منطقة الثنية وسط صنعاء معتمداً على ما تبقى لديه من حرسه الخاص والحرس الجمهوري، كما كان يعوٍّل على وقوف رجال القبائل في ما سمي "طوق صنعاء" لكن ما اتضح هو أن إمكاناته العسكرية كانت لا تقارن بقدرات الحوثيين، ومقدراته القتالية أقل بكثير من حشود الميليشيات، وأن الرهان على رجال القبائل كان مجرد وهمٍ لا أكثر.

من جانبهم، كان لدى الحوثيين مخططهم المحكم الذي اعتمد في الجزء الأول منه على تطويق ذلك المربع الأمني عبر خطواتٍ تدريجيه إلى أن بلغت ميليشياتهم أبواب قصره، وفي الجزء الثاني منه بتحييد رجال القبائل، حيث اجتمع القائد العسكري لميليشياتهم أبو علي الحاكم بعدد من أعيان وشيوخ القبائل متوعداً بالويل والثبور كل من يفكر منهم بالوقوف إلى جانب صالح، ومتعهداً بعدم السماح للأخير بالاحتفاظ بأي مربع أمني في صنعاء قائلاً: "يحرم عليه حتى لو ما بقي رجَّال"، على حد قوله.

وعند اشتداد الخناق عليه، فاجأ صالح الجميع في الثاني من ديسمبر/كانون الأول 2017 بمقابلة "نارية" مع قناة "اليمن اليوم" المملوكة له قال فيها: "أدعو كل جماهير شعبنا لأن يهبُّوا هبة رجلٍ واحد للدفاع عن الثورة والجمهورية والوحدة والحرية" وذلك في وجه الحوثيين.

وفي ما بدا أنه خطاب الوداع الأخير، وجَّه صالح من خلال تلك المقابلة نداءً حاراً إلى جماهير شعبه طالبها بالذود عن حياض الثورة والجمهورية والوحدة، حيث قال: ‏"أدعو القوات المسلحة والأمن أن لا تقبل أي تعليمات من قيادة (أنصار الله) في أي منطقة وفي أي مكان، أدعو القوات المسلحة والشرطة والدولة بالكامل أن لا تقبل تنفيذ أي تعليمات إلاّ تعليمات المؤسسة العسكرية ‏الممثلة في القيادات الوطنية التاريخية التي شملتهم هيكلة هادي وشملتهم التصفيات من قبل قيادة (أنصار الله) ومرجعيتكم هي قيادة (المؤتمر الشعبي العام) وحلفاؤه".

وصايا الزعيم

لم تشأ الظروف في حينه أن يذاع بيانٌ تفصيليٌ لصالح يبدو أنه كان مسجلاً في يوم المقابلة الأولى لكن قناة "اليمن اليوم" التي انتقلت للعمل من القاهرة قامت ببثه في 14 يونيو/حزيران 2018 وقد بدا كأنه وصيةٌ، استعرض فيها جذور ومراحل الصراع مع الحوثيين منذ بداية تمردهم وحروبهم الست مع الدولة مروراً بما حدث بعد تخليه عن السلطة واجتياح الحوثيين للعاصمة صنعاء يوم 21 سبتمبر/أيلول 2014 ودور التحالف العربي وحتى أحداث 2 ديسمبر/كانون الأول 2018 التي انتهت بمقتله يوم 4 من الشهر نفسه.

لكن المقابلة الأولى كانت كافيةً لاستفزاز الميليشيات الحوثية وبث الرعب في قلوب قادتها ومسلحيها، إذ استشعرت بالخطر من إمكانية استجابة أنصار صالح وحزبه الكبير للانتفاض عليها فسارعت إلى اقتحام مقر قناة "اليمن اليوم"، كما بدأت على الفور بقصف عنيفٍ على مقر صالح من على الجبال المحيطة بصنعاء مستخدمة مختلف أنواع الأسلحة المتوسطة والثقيلة.

رويترز
امرأة ترتدي عصابة رأس تحمل صورة الرئيس اليمني علي عبدالله صالح تشارك في تجمع لإظهار دعمها له عام 2011

 

المقابلة الأولى كانت كافيةً لاستفزاز الميليشيات الحوثية وبث الرعب في قلوب قادتها ومسلحيها، إذ استشعرت بالخطر من إمكانية استجابة أنصار صالح وحزبه الكبير للانتفاض عليها


عصر يوم الأحد 3 ديسمبر/كانون الأول 2017 تلقيت رسالةً من رقم هاتف عارف الزوكا نائب صالح ورفيقه جاء فيها: "أنت تعرف أن قناة (اليمن اليوم) توقفت فإذا احتجنا أن نعمل تصريحات في (بي بي سي) أريدك أن ترتب، ووقت ما أرى أن أعمل تصريح سأتصل بك، أو ترسل رقم من سيرتب ذلك".

وعدته أنني من سيتولى الأمر، وبالفعل عندما اتصل بي مساء اليوم نفسه قمت على الفور بترتيب اتصال هاتفي لإجراء مقابلة معه، لكن هاتفه كان مراقباً ويتعرض للتشويش، فأرسل لي رقماً لهاتف أحد مرافقيه، حيث أعادت "بي بي سي" الاتصال به، وسألته المذيعة عما يجري وأين مكان الرئيس صالح في خضم المعارك الدائرة حول قصره، فقال إن "الزعيم علي عبدالله صالح، رئيس الجمهورية السابق، رئيس (المؤتمر الشعبي العام) موجود في صنعاء، وهو مناضل سبتمبري أكتوبري وحدوي"، في إشارةٍ إلى أنه يقاتل ببسالة، ولا يمكن أن يغادر موقعه.

بدت المعارك على أشدها لنحو ثلاثة أيام، حيث أنهكت مقاتلي صالح محدودي العدد الذين حرموا من النوم لأيامٍ عدة، وفي واحدةٍ من أسوأ حروب الشوارع سقط عشرات وربما مئات من مسلحي الميليشيات على أسوار منزل صالح، إلا أن الحوثيين استمروا بدفع موجاتٍ متتالية من ميليشياتهم إلى ساحة المواجهة في إصرارٍ على كسبها أياً تكون خسائرهم البشرية.

وحين أدرك "الزعيم" صعوبة كسر هجمات الحوثيين على منزله خاطب مقاتليه بأن من يريد الانسحاب فعليه المغادرة حفاظاً على حياته، وبالفعل لم يبق سوى عدد محدود منهم معه.

الفصل الأخير

ظهر يوم الـرابع تمكن صالح من مغادرة منزله مع نفر قليلٍ من مرافقيه كان من بينهم نائبه الزوكا ونجله مدين، وذلك باتجاه معقله في قرية بيت الأحمر في مديرية سنحان جنوب غرب صنعاء، لكن عشرات الكمائن المحكمة كانت في انتظاره لتقطع الطريق عليه عند قرية الجحشي، حيث دارت هناك المعركة الفاصلة الأخيرة التي انتهت بمقتله مع رفيقه الزوكا، وقد تعمدت الميليشيات تصوير ونشر مشاهد لجثمانه ملفوفاً ببطانية حمراء، وذلك على نحوٍ مقصودٍ ومهين لتبعث بذلك رسالةً إلى أنصاره بأن كلٍ شيء قد انتهى.

في بادئ الأمر، بعد مقتل صالح ومساعده الزوكا معاً، كان الذهول سيد الموقف في الشارع اليمني وعموم المنطقة، رغم أن ذلك كان متوقعاً بسبب التحديات والظروف التي أحاطت بصالح في أيامه الأخيرة، وكانت الصدمة عنيفةً والانكسار عميقاً لدى أنصاره، وحالة من النشوة عند الحوثيين وأنصارهم، لكن ثمة خشيةً واضحةً كانت لدى عامة الناس مما يمكن أن تؤول إليه الأمور بعد اختفاء صالح.

قام الحوثيون بتسليم جثة الزوكا لأبناء قبيلته الذين قدموا من محافظة شبوه لنقلها إلى مسقط رأسه في منطقة الصعيد ودفنها هناك، بينما احتفظ الحوثيون بجثمان صالح ليقوموا بدفنه- بحسب ادعائهم- بحضور نجليه المعتقلين لديهم، لكن ذلك يظل أمراً مشكوكاً في صحته، وأنهم ربما قاموا بعد ذلك باستخراج الجثمان لاستخدامه ورقةً في مساومات لاحقة.

بحكم علاقة الجوار الجغرافي والتاريخي بين اليمن والسعودية، والحرب التي خاضها "التحالف" بقيادة الرياض ضد الحوثيين سعياً إلى إنهاء انقلاب هؤلاء واستعادة الدولة اليمنية، جاء أول تعليق للتحالف على مقتل صالح وذلك على لسان المتحدث باسم "التحالف"، تركي المالكي حيث قال: "الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح هو أحد القادة العرب الذين تمت تصفيتهم ووصلتهم يد الغدر الإيرانية"، مضيفاً: "رغم الاختلاف السياسي مع الرئيس اليمني عندما كان في الرئاسة ولكن نعلم جميعاً أنه كان يتصرف أو يتعامل مع الأمور وفق مصالح رئيس الجمهورية أو بما يتعلق بمصالح الدولة".

هل ثمة خيارات

‏في ذروة الصراع، كان لدى صالح خيارات عدة للنجاة بنفسه، من بينها مغادرة العاصمة صنعاء إلى أي مكان آخر سواء في الإقليم أو في أوروبا. لكنه اعتبر ذلك "خطاً أحمر" كما قال، وآثر البقاء في عاصمة البلاد متخفياً في أكثر من مكان تجنباً لاستهدافه، رافضاً كذلك نصائح البعض له بالذهاب إلى مكان آخر داخل البلاد كمأرب مثلا إن هو أراد الدخول في مواجهة عسكرية مع الحوثيين.

‏لم تكن هنالك في الواقع وساطة ذات جدوى لحل الخلاف مع الحوثيين باستثناء بعض المساعي التي بذلها بعض رجال القبائل الذين عرضوا عليه مقترحات للخروج من الأزمة بحلٍ "يحفظ له كرامته وماء وجهه" كما ذكر لي ذلك القيادي المتشدد في ميليشيات الحوثيين، محمد البخيتي، لكن صالح المعروف بصلابته سخر منها جميعاً.

قبل أن يتحدث مؤخراً مدين نجل صالح، دار الكثير من الأسئلة في ذهني عما سوف يكتبه التاريخ حول ما جرى غير رواية الميليشيات؟ بل ما الذي يمكنني حينها عمله لتوثيق بعض تلك الأحداث وكيف نظرت إليها من الزاوية التي كنت فيها على الأقل؟

اعتزمت إنتاج عمل وثائقي يتناول جوهر وفصول الأزمة، وبالفعل فقد ذهبت إلى أبوظبي ودبي في زيارتين متتاليتين للقاء نجل صالح العميد أحمد الذي كان قد شغل منصب سفير اليمن لدى دولة الإمارات. كما قمت بزيارة للعاصمة العمانية مسقط للقاء بعض أنصار صالح وممثلي جماعة الحوثيين الذين كانوا حينها موجودين هناك، لكن هذا المشروع تعثر بسبب اختفاء الكثير من الشهود سواء في مسقط أو أبوظبي وغيرهما وأحجامهم عن الحديث بسبب حالة الارتباك التي كانت سائدة في صفوف أنصار صالح في اليمن وأنحاء مختلفة من المنطقة.

أ.ف.ب
أنصار جماعة "الحوثي" يحضرون جنازة قتلى سقطوا خلال اشتباكات حديثة بين مقاتلي الحوثيين وموالين للرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح، في العاصمة صنعاء، في 7 ديسمبر 2017

 

أكد لي قيادي كبير في "حزب المؤتمر الشعبي العام" اتصل بي من عاصمة عربية أن الحوثيين "أغلقوا هواتفهم في وجه الوسطاء وأخذت دباباتهم تدك أسوار منزل صالح تمهيداً لمداهمته

في مسقط أخبرني الشيخ صالح أبو عوجا، عضو اللجنة العامة لـ"حزب المؤتمر الشعبي العام" المقرب من عائلة صالح أن ‏"الإعداد من قبل الحوثيين كان يتم في ظل تسويف واتصالات وطمأنة، حيث رتبوا أنفسهم جيداً، وكانت الخطة مسبقةً ومبيتةً، والقرار كان قد اتخذ بالحسم وتصفية الزعيم". وأضاف أبو عوجا أن العمانيين أنشأوا "غرفة عمليات خاصة" عملت على مدار الساعة "للتواصل ومتابعة تطورات الأحداث"، لكن ذلك لم يكن بغرض الوساطة رغم العلاقات الجيدة بين مسقط وكلٍ من طرفي النزاع، صالح والحوثيين، إذ إن الوقت كان قد فات على ما يبدو للقيام بأي وساطة.

‏كما أكد لي قيادي كبير في "حزب المؤتمر الشعبي العام" اتصل بي من عاصمة عربية أن الحوثيين "أغلقوا هواتفهم في وجه الوسطاء وأخذت دباباتهم تدك أسوار منزل صالح تمهيداً لمداهمته".

روايات ومزاعم

التقيت في استكهولم أواخر عام 2018 بكبير مفاوضي الجماعة محمد عبدالسلام خلال المشاورات التي جرت للتوصل إلى اتفاق لوقف هجوم قوات الحكومة الشرعية على موانئ الحديدة، سألته هل كان يمكن تجنب ما حدث خصوصاً في ظل وجود وساطة عمانية؟ فأجاب قائلاً: "لم تكن هناك وساطة عمانية، والذي حصل أن الطرف الآخر أعلن حرباً كاملة عليك وهو يريد أن يبيد وجودك بشكلٍ مطلق، وأعلن ذلك وسماها انتفاضة وعلى أساس إبادة كاملة بالمطلق... هذا مصير طبيعي، قاتَل فقُتِل".

ورأى حميد رزق، الذي يشغل منصب مدير الأخبار في قناة "المسيرة" التابعة للحوثيين وتبث برامجها من الضاحية الجنوبية لبيروت، أن صالح "كان يجهز نفسه لهذه اللحظة وهذا الانقلاب وليس العكس، وعندما انكشف موقفه وانقلب على الشراكة السياسية ومد يده نحو السعودية تركه الكثيرون" على حد قوله، ويزعم رزق في لقاءٍ أجريته معه أن "المواجهة لم تكن بين (أنصار الله) وعلي عبدالله صالح، ‏وإنما بين مؤسسات الدولة والمجلس السياسي الذي استفتى عليه الشعب اليمني، وبين الأجهزة الأمنية وميليشيات جندها صالح"، كما قال رزق.

وفي ما يشبه وثيقة رثاء، قال الباحث والأديب السياسي لطفي فؤاد نعمان في مؤلفه الصغير "صالح... الانتفاضة والوداع" إن "الزعيم علي عبدالله صالح نجح في اختيار نهايته بل تحديدها مبكراً". وأضاف أن صالح يظل في مخيلة قطاع واسع من الجماهير بطلا تتردد عنه "بين الفينة والفينة أقاويل تتصدر (الترند) يشرئب إليها من يشرئبّ أو يجلس القرفصاء من ينتظر عودته ومن يحنّ لذكراه، ومن يُجنّ لمجرد ذكره، فيلقي عليه وزره أو عجزه لا سيما من لم يفلح في إخراجه من الحياة السياسية حتى جاء من يخرجه من الحياة الدنيا دونما نجاح في انقطاع خبره وظل يشغل الناس شهيدا مثل ما شغلهم شاهداً حياً".

بكل ما كان له وما بات عليه، فإن صالح سوف يظل صالح، أو "الزعيم" كما أحب أن يناديه الناس، كتاباً خاصاً في التاريخ السياسي الحديث في اليمن لم يُقرأ تماماً كما يجب أن يقرأ، أو روايةً لم تُكتب جيداً حتى الآن

font change