عاد الجدل خلال السنوات والأشهر الأخيرة ليحتدم مجدداً حول المقدمات والأسباب وتفاصيل الساعات الأخيرة التي سبقت مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح على يد ميليشيات الحوثيين الموالية لإيران، وذلك رغم الرواية شبه الحاسمة التي أدلى بها مؤخراً نجله مدين الذي رافقه حتى الدقائق الأخيرة من حياته.
ساعدت على اتساع نطاق هذا الجدل، كثرة عدد برامج البودكاست الإعلامية ذات التوجهات السياسية المتنوعة ووسائل التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى منصات مفتوحة يتَسابَق الكثير من القيادات السياسية والعسكرية والاستخبارية السابقة للظهور من خلالها والإدلاء بشهاداته ورواياته المتضاربة بهذا الشأن حيث جرت عادة الساسة اليمنيين على عدم كتابة مذكراتهم أو الإفصاح عن شهاداتهم، وتبين أكثر أن من يعرف، في العادة، لا يتكلم، وأن من يتكلم هو في الغالب من لا يعرف.
مثل غيري من الباحثين والصحافيين المعنيين بالشأن اليمني، وأكثرهم اعتناءً بتفاصيله كنت أتابع مسار العلاقة بين صالح والحوثيين منذ بدايتها، وأتوقع نهايتها، وقد كنت أرقب تطورات الوضع في صنعاء أواخر عام 2017 ساعةً بساعة خصوصاً بعد أن بلغ التوتر ذروته بين صالح، رجل الدولة العميقة الذي عرفته، وجماعة الحوثيين، الحركة المسلحة الصاعدة بقوة كما شهدت بداياتها.
كانت متابعتي لذلك تعتمد على شبكة واسعة من المصادر والعلاقات القديمة المتجددة، بل الوثيقة مع قيادات كبيرة من جانبي الصراع، وكذلك على خبرةٍ طويلةٍ في تغطية الشؤون اليمنية منذ نحو نصف قرن، سواء من داخل البلاد أو خارجها.
مقدمات التحالف بين صالح والحوثيين
كانت هناك، في تقديري، ثلاثة أسباب لتقارب صالح مع جماعة الحوثيين، وما تمخض عن ذلك من أحداثٍ وتطورات، أولها، تمثل في رغبة الرجل في الانتقام من أولئك العسكريين الذين انشقوا عن جيشه خلال ما عرف بـ"ثورة الشباب" أو "الربيع العربي" وذلك بقيادة حليفه السابق الجنرال علي محسن الأحمر، بالإضافة إلى خصومه الإسلاميين الذين قال إنهم "ركبوا موجة تلك الثورة".
أما السبب الثاني، فيتمثل حسب قناعة صالح بنائبه وسلفه، الذي اختاره، هو بنفسه، لخلافته، الرئيس الراحل، عبدربه منصور هادي، وعدم قدرة الأخير لاحقاً على هيكلة ناجحة لقوات الحرس الجمهوري وغيرها من الألوية العسكرية والأمنية التي عمل صالح على تكوينها وتسليحها وتدريبها، ما أضعف قدرة هذه المؤسسات، في رأي صالح، على "حماية الدولة ومكتسباتها".
أما السبب الثالث، فيكمن، بالتأكيد، في مكر الحوثيين وانقلابهم على تلك العلاقة التي نسجها صالح معهم، وذلك من وراء قيادات حزبه الكبير، "المؤتمر الشعبي العام"، كما أكد لي هذا قياديٌ كبير في الحزب، وقال: "إن صالح فعل ذلك بهدف استخدام هذه الجماعة في ضرب خصومه العسكريين والإسلاميين وغيرهما".
في فترة "الغزل" التي سبقت ذلك، كان هناك ثلاثة من بين من نسجوا العلاقة بين صالح والحوثيين، جميعهم من أتراب صباي وأصدقائي القدامى في منطقة الذاري– مديرية خبان بمحافظة إب، حيث تربيت وعشت بواكير عمري. وهم السياسي الراحل زيد الذاري الذي ارتبط مبكراً بعلاقة وثيقة مع زعيم "حزب الله" اللبناني حسن نصرالله، ونزيه العماد، نجل اللواء أحمد العماد الذي كان مقرباً من صالح، وحمود عباد الوزير السابق الذي يشغل اليوم منصب أمين العاصمة صنعاء في حكومة الحوثيين. وقد كان هؤلاء الثلاثة أشبه بسعاة بريد بين صنعاء وصعدة، معقل الجماعة الحوثية، والطرفين صالح والحوثيين، وقد تباهى واحدٌ على الأقل من هؤلاء أمامي بأنه ممن حاكوا "خيوط التحالف" بين الطرفين من أجل "المصلحة العليا" للبلاد على حد قوله.


