في بداية رواية "فوق رأسي سحابة" للكاتبة المصرية دعاء إبراهيم، الصادرة عن "دار العين"، تجلس هناء في زنزانتها وتسمع الغراب يقول لها للمرة الأولى: "ستموتين اليوم". هي لا تعرف متى بدأت الكارثة، لكنها تعرف أنها انتهت حين أخبرها بنعيقه المزعج أن كل شيء وصل إلى خاتمته. هذه المفارقة الزمنية، أن تعرف النهاية ولا تعرف البداية، هي ما يقوم عليه بناء الرواية كله، وهي إعلان منذ السطر الأول عن نوع الكتابة التي سيواجهها القارئ: كتابة لا تتقدم نحو الحادثة، بل تتراجع منها إلى عمق الجرح.
لكن القراءة المتأنية للرواية، البعيدة عن التلقي الصرف، تكشف أن معظم ما كتب عنها حتى الآن وقع في إغراء التبسيط: أن تجعل هناء ضحية تقاسي، ثم قاتلة تنتقم، ثم شيئا ثالثا معلقا في الهواء. الرواية أكثر قسوة وأدق من هذا المسار المريح. هناء ليست في مسار تحول، هي في دوامة. وهذا الفارق هو ما يجعل أثر الرواية مستمرا بعد إغلاقها.
بنية التراجع
الأقسام الثلاثة للرواية: "موت أول"، "ميلاد" و"حياة أخيرة"، تتوغل نحو الجرح كلما ظننت أنك تبتعد عنه. الماضي يتسرب فجأة، ودون ترتيب، إلى الحاضر، كما يتسرب النزيف في الضمادة. مشاهد الخال تأتي مزلزلة لما قبلها، تعيد رسم ما قرأناه بحبر آخر. والقارئ يتشكل بأثر رجعي، وهذا هو الفرق بين كاتبة تشرح وكاتبة تبني. هناء تعرف ما حدث لها، وتعرف أيضا ما تفعله. والرواية تضعنا في منطقة لا ارتياح فيها: لا نحن قادرون على إدانتها بالكامل، ولا على تبرئتها بالكامل. وهذا التوازن الصعب، الذي تصعد فيه المحاكمة الأخلاقية دون أن تستقر على حكم، هو ما يبقي الشخصية حية بعد إغلاق الكتاب.


