"الطريق إلى الله"... ثلاثية الوداع لشادي عبد السلام

إعادة إحياء أكثر مشاريعه طموحا

 Nesma Moharam
Nesma Moharam
Movies of Egyptian director Shadi Abdusalam

"الطريق إلى الله"... ثلاثية الوداع لشادي عبد السلام

عبر تاريخها الممتد لأكثر من مائة وثلاثين عاما، عرفت السينما عددا من المخرجين ارتبطت أسماؤهم بفيلم بعينه، أو لم يتجاوز رصيدهم سوى تجربة وحيدة، كانت كافية لترسيخ حضورهم في الذاكرة السينمائية. يعد المخرج المصري شادي عبد السلام واحدا من هؤلاء، فحين يذكر اسمه، يستدعى إلى الأذهان فيلم "المومياء"، سواء لمن شاهده أو سمع عنه فقط، الذي تحول في الحالتين إلى معضلة لدى كثيرين. فالفيلم ليس من الأفلام السهلة التلقي، لا على المستوى البصري أو الموضوع، إذ يضع مشاهده أمام تجربة تتطلب مقدرة عالية من الصبر والانتباه، بقدر ما تمنحه من ثراء فني نادر، وكأن عبد السلام كان يشعر بأن القدر لن يمهله لإتمام مشروعه السينمائي، فقرر المراهنة على سينما "دسمة" إلى أبعد الحدود.

إرث حيّ

انجذب عبد السلام إلى الصورة منذ طفولته، بدءا من الرسم والتلوين ثم التصوير الفوتوغرافي الذي مارسه وهو في الثامنة من عمره، إلى جانب قيامه بعمليات التحميض بنفسه. ومع دراسته للمعمار لاحقا بكلية الفنون الجميلة، اكتسب مجموعة من الخبرات المختلفة انعكست في ما بعد على علاقته بفلسفة التكوين البصري، وربما دفعته أيضا إلى دخول عالم السينما مهندسا للجمال قبل ممارسة الإخراج، حيث برع في تصميم المناظر والملابس لمجموعة من كلاسيكيات السينما المصرية، من بينها "الناصر صلاح الدين"، "رابعة العدوية"، "وا إسلاماه"، "ألمظ وعبد الحامولي"، "بين القصرين"، "الرجل الثاني" و"الخطايا"، كما عمل مساعدا للإخراج مع عدد من المخرجين في مقدمتهم صلاح أبو سيف. ووفقا لشهادة مهندس المناظر صلاح مرعي، فإن أولى تجاربه الفعلية كانت من خلال فيلم "حكاية حب" (1959) للمخرج حلمي حليم، حين طلب منه تصميم مناظر أغنية "حبك نار"، وهو ما يعني، للمفارقة، أن رحلته بدأت في الظل دون تسجيل اسمه، إذ يخلو تتر الفيلم تماما من أي إشارة اليه.

إلى جانب "المومياء"، يضم رصيده عددا قليلا من الأفلام القصيرة المهمة من إخراجه، مثل "كرسي توت عنخ آمون"، "شكاوي الفلاح الفصيح"، و"جيوش الشمس"، بالإضافة إلى مشاريع أعمال لم تنفذ، يتصدرها فيلم "أخناتون"، التي لم يسعفه مرض السرطان إنجازها، قبل أن يرحل في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 1986 وهو في السادسة والخمسين من عمره.

تضمن العرض "كراسة ملاحظات" بخط يده تتناول مراحل وتفاصيل ملحمته عن "أخناتون"، وبعض المادة الخام لفيلمين آخرين شرع في تصويرهما ورحل قبل استكمالهما

بفيلم وحيد، نجح شادي عبد السلام في إحداث ثورة في السينما العربية، يبدو أن فصولها لم تكتمل بعد، حيث ترك خلفه إرثا غنيا، تراوح بين "كراسة ملاحظات" بخط يده تتناول مراحل وتفاصيل ملحمته عن ملك التوحيد أخناتون، وما يقرب من ساعة إلا ربعا من المادة الخام لفيلمين آخرين شرع في تصويرهما ورحل قبل استكمالهما. تركة دسمة كما سينماه، كانت بمثابة وصية سينمائية لفريق من تلامذته، حاولوا استكمال المشروع اعتمادا على سنوات من العمل والمعايشة القريبة لمنهجه وفكره، وهم المونتير مجدي عبد الرحمن، المخرجة نبيهة لطفي، ومهندس المناظر أنسي أبو سيف. وبدعم وحماسة من المخرج مجدي أحمد علي، وقت رئاسته للمركز القومي للسينما، خرج إلى النور فيلم "الطريق إلى الله" الذي أعاد إحياء ثلاثية الوداع لعبد السلام.

ملصق فيلم "المومياء"

عرض الفيلم أخيرا بدار الأوبرا ضمن العروض الاستعادية النادرة لأرشيف المركز القومي للسينما، وهنا تجدر الإشارة إلى جهد مركز الثقافة السينمائية القائم على هذا البرنامج الموسع، بتفعيل أرشيف مهم لم يفقد بريقه رغم قدم الأفلام ونوعيتها. تجسد هذا في قاعة المسرح الصغير التي رفعت لافتة كامل العدد، حيث احتشد جمهور عريض ونادر لمتابعة سينما تسجيلية، النوعية المتهمة عادة بعزوف المشاهدين، ومشاهدة مشروع لم يكتمل رحل صانعه منذ أربعة عقود. وكان من اللافت عدم اقتصار الحضور على متخصصي السينما ومحبيها كما هو الحال في مثل هذه الفعاليات، بل امتد ليشمل نماذج مختلفة، بما في ذلك تجمعات أسرية وعائلات اصطحبت أطفالها، مدفوعين باسم شادي عبد السلام، الذي حتى وإن لم يسبق للبعض مشاهدة أعماله، يعلم الجميع يعلم أنه مخرج فيلم استثنائي يدعى "المومياء".

IMDb
نادية لطفي في فيلم "المومياء" (1969)

الفيلم المهاجر

يحمل "المومياء" عنوانا جانبيا هو "يوم أن تحصى السنين"، يظهر فيه الجناس القرآني مندمجا مع الجمل التقريرية الرنانة التي يحفل بها التاريخ، وفي الأخص الفرعوني، وهي طريقة ستلازم المخرج لاحقا في أفلامه. رغم ان "المومياء" من إنتاج المؤسسة العامة للسينما، التابعة لوزارة الثقافة، فإنه لم يجد دارا تصلح لعرضه في البداية، بحسب ما قيل لشادي عبد السلام وقتها وصرح به في أكثر من لقاء، قبل أن ينطلق في رحلة من العروض الدولية والعالمية حاصدا الجوائز والتكريمات، مسلطا الضوء على السينما المصرية كما لم يحدث من قبل، حتى أطلق عليه "الفيلم المهاجر". مفارقة أخرى، تتكرر لاحقا مع مشروع فيلم "أخناتون" الذي تلقى لإنتاجه عروضا من دول عدة، قيل إن إحداها للكيان الصهيوني، لكنه كان حريصا على أن يخرج الفيلم مصريا، دون استجابة تذكر من أي جهة رسمية.

وربما لم يكن "المومياء" ليخرج إلى النور من البداية، لولا شهادة المخرج روبرتو روسيليني، لصالح السيناريو ومن كتبه، إذ حضر مخرج إيطاليا الشهير في زيارة لمصر لتصوير أجزاء من مشروعه الوثائقي "صراع من أجل البقاء"، الذي يتتبع صور نشأة الصراعات البشرية من مختلف الحضارات، بما فيها الفرعونية. أثناء ذلك، وبدعوة من وزير الثقافة وقتها، د. ثروت عكاشة، عكف روسيليني على وضع تخطيط لإقامة مركز سينمائي بمصر، إلى جانب قراءته لمجموعة من السيناريوهات لإبداء الرأي فيها، كان من بينها سيناريو فيلم "المومياء" الذي نال استحسان روسيليني ورشحه، ثم استعان بعبد السلام لاحقا للعمل معه.

المتأمل جيدا للطريقة التي تعامل بها عبد السلام مع فكرة الهوية، يكتشف أنها لم تخرج عن كونها إشارة تحذيرية مبكرة من فقدان الجذور المحلية

لم يتوقف إعجاب روسيليني على النص المكتوب فقط، بل امتد إلى الرسوم والتصميمات التي وضعها شادي لعمله، مؤكدا أن اليد التي صنعتها "مثقفة"، كلمة لفتت انتباه الفنان صلاح مرعي في حينها، وبقيت عالقة في ذهنه في ما بعد، كما يقول. وربما تختصر هذه العبارة جانبا مهما من شخصية شادي عبد السلام، الذي عرف بولعه بالبحث التاريخي معتمدا بشكل صارم في تصميماته على ما ورد في أمهات الكتب والمصادر التاريخية، من حيث دراسة تفاصيل الحياة اليومية، ورسم ملامح الشخصيات، مستندا إلى مؤرخين مثل المقريزي وابن إياس والحريري، إلى جانب المراجع الأجنبية المتخصصة، ولوحات المستشرقين.

AFP
المخرج الإيطالي روبرتو روسيلليني خلال تقديم كتابه "روح حرة" في نيس، 1977

الغريب أن الفيلم اتهم بمعاداته القومية العربية منحازا بصورة وصفت بـ"الشوفينية" إلى الهوية المصرية، إلا أن المتأمل جيدا للطريقة التي تعامل بها عبد السلام مع فكرة الهوية، يكتشف أنها لم تخرج عن كونها إشارة تحذيرية مبكرة من فقدان الجذور المحلية، باعتبارها لا تنفصل عن الهوية الإقليمية أو القومية، وكأنه يستشرف ما سيطرأ على المجتمع المصري لاحقا، مع التحولات الفارقة التي أعقبت حرب أكتوبر وما تبع ذلك من آثار ترتبت على سياسة الانفتاح، لا تزال باقية حتى اليوم. من هنا، تحضر الحكاية لقبيلة "الحربات" التي تعمل في تجارة الآثار، كمدخل تحليلي، ليس إلا.

الماضي والحاضر

وضع شادي عبد السلام قصة فيلمه عن حادثة حقيقية وقعت عام 1881، اكتشفت على أثرها المومياوات المخبأة بمنطقة معبد الدير البحري في مدينة الأقصر. الى جانب كتابة السيناريو والإخراج، تولى عبد السلام أكثر من مهمة في الفيلم، بشكل ربما لم يتكرر على هذا النحو، بدءا من كتابة الحوار بمشاركة الروائي علاء الديب، إلى تصميم الملابس، كما أشرف على عمل النماذج المطابقة للتوابيت الفرعونية الحقيقية، التي استخدمت في الفيلم، فيما اضطلعت بالتنفيذ كتيبة من فناني النحت ومهندسي المناظر وهم صلاح مرعي، مهندس المناظر في الفيلم، أنسي أبو سي وبهيج المصري ومجدي ناش ونبيل الوراقي ومرزوق حمدي، أما التصوير فكان لواحد من شعراء الصورة السينمائية، عبد العزيز فهمي.

IMDb
شادي عبد السلام وأحمد مرعي في فيلم "المومياء" (1969)

تتضح قيمة المنهج الذي اتبعه عبد السلام كسينمائي مؤمن بأهمية السينما قبل أن يكون مخرجا سينمائيا، فقد كان من اللافت أن تلتف حوله مجموعة من شباب السينمائيين، آنذاك، من جميع التخصصات، في علاقة أقرب الى الحواريين بنبيهم. ومن خلال تدريسه في معهد السينما ثم رئاسته مركز الفيلم التجريبي المنشأ حديثا وقتها، نجح في توسيع الدائرة ليتحول جهده الفردي إلى ما يشبه مشروعا ثقافيا، في العادة تقوده المؤسسات والهيئات، لا مجرد مهووس نبيل يؤمن بضرورة خلق جيل جديد من عشاق السينما، وليس مجرد محترفين داخل الصناعة، جيل قادر على تقديم سينما مختلفة عن السائد، وهو ما كان مع ظهور موجة الواقعية الجديدة وغالبية روادها، إن لم يكن جميعهم، قد تتلمذ على يديه أو عمل معه.

من بين هؤلاء، برزت أسماء أصبحت لاحقا من أهم صناع السينما المصرية، مثل المخرج عاطف الطيب، ومدير التصوير سعيد شيمي، الذي أتاح له عبد السلام فرصة المشاركة في تصوير فيلم احترافي للمرة الأولى وهو كان لا يزال طالبا بالمعهد، كذلك مهندس المناظر أنسي أبو سيف، وغيرهما ممن حرص على إشراكهم في أفلامه، بما فيها "الطريق إلى الله".

حديقة الطرق المتشعبة

يحتوي العرض على ثلاثة أفلام تسجيلية قصيرة: "الحصن" و"الدندراوية"، إلى جانب مخطط "أخناتون – مأساة البيت الكبير"، الذي تكون من 129 صفحة تضم مشاهد التحضير لحلمه الأكبر، بداية من اختبارات الوجوه، وصولا إلى معاينات أماكن التصوير، حيث يصحبنا أنسي أبو سيف، في جولة حية من داخل المعابد، شارحا ملامح المشروع كما تخيله شادي، بالاستعانة بكم هائل من الرسوم والتصميمات والصور تكشف حجم العالم المهيب الذي كان يسعى إلى بنائه.

كان من اللافت أن تلتف حوله مجموعة من شباب السينمائيين، آنذاك، من جميع التخصصات، في علاقة أقرب الى الحواريين بنبيهم

على غرار أجداده الفراعنة، تعامل عبد السلام مع الصورة، أو عملية التصوير نفسها، بقدر من القدسية، قد لا تتناسب مع مفهوم الفن بصفته الترفيهية والجمالية. يمكن ملاحظة هذا بوضوح في تأثره بفلسفة المصري القديم في التدوين والحفر والتصوير، إلى جانب بناء المجسمات والتشكيل في الفراغ أو داخل الفضاء المعماري. كما انعكست هذه العقيدة البصرية أيضا في طريقة تركيب اللون داخل الكادر، وعلاقته الدقيقة بشكل تصميم المنظر، ترافقهما حركة كاميرا بطيئة الى درجة الهيبة، عناصر شكلت في مجملها لغة سينمائية غير معهودة، في تاريخ الشاشة العربية. أمام هذه الفلسفة البصرية المراوغة والمتشعبة، يصعب تحديد العنصر الحقيقي الذي ينبع منه سحر سينماه.

 by Khaled DESOUKI / AFP
زائر يمر قرب تمثال نصفي للملك المصري القديم إخناتون في المتحف المصري الكبير في الجيزة، 2025

يتجلى هذا في كل أفلامه بما فيها فيلم "الحصن"، من خلال خطاب بصري متعدد المستويات والدلالة، نجح شادي عبد السلام في تفكيك الأسطورة التاريخية وتحويلها إلى علامات سيميائية، على نحو يلتقي مع منظور الفيلسوف الفرنسي رولان بارت حول بلاغة الصورة حيث تتجاور في البناء الجديد المعاد تركيبه تفاصيل معمارية متداخلة، تصهر ملامح شوارع القرية اليوم مع تخطيطات المعابد وأوراق البردي التي تسجل مظاهر جرت منذ آلاف السنين، لكنها لا تبتعد كثيرا عن صورة الحاضر. من طريق هذا الدمج، يرسخ الفيلم فكرة الامتداد الحضاري، خصوصا في حضرة جنوب مصر، الذي يبدو شريانا حيا متصلا، سواء على مستوى المكان أو البشر.

يبدو المكان الثيمة الأكثر حضورا داخل تكوينات عدسة عبد السلام، تبرزه رؤية تشكيلية لا تكتفي ببراعة انتقاء تدرجات الألوان أو تنويعات الضوء والظلال، ما يكتمل من خلال حركة كاميرا بزوايا رهيفة ومحسوبة بدقة رياضية، نجحت في بعض اللقطات النادرة في إيهام المشاهد بتجسيم ثلاثي الأبعاد، عبر الانتقال السلس بين الجداريات وأعمدة المعابد، في محاكاة بصرية غير مسبوقة، في حينها، جعلت من عمق الكادر السينمائي مساحة حية، قبل ظهور التقنيات الرقمية بعقود.

في فيلم "الدندراوية"، يأخذنا شادي عبد السلام في رحلة صوفية تدور حول فكرة البحث عن اليقين الروحي، متخذا من الطقوس والموالد الدينية الموسمية في صعيد مصر مدخلا فلسفيا يوضح، بالصورة الحية، كيف تتقاطع سرديات الجدران ونقوش المعابد الفرعونية مع الأشكال المختلفة لحلقات الذكر، في إشارة قوية الى التجانس الممتد للروح المصرية عبر العصور. حتى وإن اختلفت الطرق بشكل طفيف، يظل الهدف واحدا، ويتحول طقس الذكر إلى كرنفال مفتوح، بوصفه فضاء مغايرا يعيد تشكيل العلاقات المعتادة، كما يرى باختين، من خلال التداخل بين المتناقضات. إلا أن الكرنفالية عند عبد السلام، لم تنح إلى محاكاة ساخرة أو رغبة في تفكيك المقدس، بل حضرت في صورة تطهرية تسعى إلى الاحتفاء بالمقدس التاريخي وإعادة إنتاجه، عبر مساحة تذوب فيها الحواجز النوعية والطبقية لصالح الطقس العقائدي المتمثل في المولد.

تبدأ الكاميرا برصد تجهيزات المولد بدءا من نصب الصوانات، مرورا بجرارات تنقل المعدات والدكك الخشبية لاستقبال الضيوف والمريدين، إلى جانب تفاصيل مألوفة كعرائس المولد والحلوى، وتتعالى أصوات الصغار في كتاتيب تحفيظ القرآن، بينما يتحرك خدام الطريقة بنشاط لاستقبال الوافدين. تتوالى المشاهد مع تدفق الأهالي عبر النهر من البر الغربي، ودخولهم إلى صوانات الذكر، بتدافع متدرج يذكرنا بلقطات خروج العمال من المصنع في أوائل أفلام الأخوين لوميير. في مشهد يغيب عنه العنصر النسائي تقريبا، نظرا لطبيعة المجتمع المحافظ، فلا يظهرن إلا متخفيات أو مراقبات عن بعد. في المقابل، نتابع مشهدا ذكيا تظهر فيه امرأتان من العصر الفرعوني تمارسان طقوسا حركية على ضفة نهر النيل، تضرعا من أجل زواج إله الحب والجمال وإله السماء، (حتحور وحورس) ما عرف بـ"اللقاء الجميل" في المعتقد القديم. بهذا الانقال، يضعنا المخرج أمام انحراف حاد في تحول المجتمع المعاصر، انتقلت فيه المرأة من المتن إلى الهامش.

أمام هذه الفلسفة البصرية المراوغة والمتشعبة، يصعب تحديد العنصر الحقيقي الذي ينبع منه سحر سينماه

في النهاية، تستقر الكاميرا طويلا مع حضرة الذكر متجولة بين تحركاتهم الجماعية بزوايا مختلفة وحالات متباينة، تقترب فيها الحركة في بعض الأحيان من طريقة رقص المولوية فتتحول تدريجيا إلى حالة أشبه بالتجريد، وذلك من خلال مشاهد مطولة تبدو دون مبرر فني أو درامي واضح، ربما لم يكن شادي ليبقى عليها بهذا الطول لو أتيحت له فرصة إتمام فيلمه.

للحلم بقية

قدرت الميزانية الأولية لإنتاج فيلم "أخناتون.. مأساة البيت الكبير" بحوإلى نصف مليون جنيه، وهو رقم فلكي بمعايير السبعينات، يعادل أكثر من نصف مليار اليوم مقارنة بسعر الذهب، مما حال دون إتمام المشروع، الذي بدأ شادي في كتابته أواخر الستينات وامتد حتى وفاته، فبحسب الروايات المتداولة، شهد النص مراحل مختلفة من التعديل والإضافة المستمرة، كان أبرزها نسخة كتبت بكاملها من البداية عقب حرب أكتوبر في ضوء ما طرأ من تحولات. وربما جاء هذا التعديل الجذري بدافع تغيير الرؤية من التوجه الفردي إلى الطرح الجماعي، إذ رأى البعض تقاطعات بين شخصية أخناتون كأول ملك يقود ثورة فكرية مناديا بالتوحيد، وبين الحلم الناصري الذي كان في أوجه وقت كتابة المسودة الاولى للسيناريو، لا سيما أن هناك تجربة سابقة تبدو متشابه مع هذه المقاربة في فيلم "الناصر صلاح الدين" (1963) ليوسف شاهين، العمل الذي شارك عبد السلام نفسه في تصميم أزيائه وإكسسواراته.

يقول شادي عبد السلام: "قضيتي هي التاريخ الغائب أو المفقود، الناس في الشوارع والبيوت والمزارع والمصانع، هؤلاء الناس لهم تاريخ، وساهموا يوما في تشكيل الحياة بل وفي صنعها"، وهو ما يكشف عن المنحى الواقعي في مشروعه السينمائي، بعكس ما أشيع عنه من تجريب أو تبنيه لمستوى خطاب نخبوي. فمن خلال السؤال التالي الذي يطرحه، "كيف نعيدهم لنفس الدور.. لا بد أولا أن يعرفوا من هم وماذا كانوا وماذا قدموا"، تتبلور رؤيته الأيديولوجية القائمة على مستويين، أولهما الانحياز للإنسان المصري ورحلته الوجودية المرتبطة بتاريخ حضاري طويل لا ينفصل عن حاضره ومستقبله، ثم إيمانه بالسينما كرسالة فنية ومجتمعية في الوقت ذاته، ويضيف، "لا بد أن نوصل بين إنسان اليوم وإنسان الأمس، لنقدم إنسان الغد".

 Khaled DESOUKI / AFP
الممثلة المصرية سوسن بدر خلال افتتاح الدورة السادسة من مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، 2022

كان من المقرر أن تقوم سوسن بدر بدور الملكة الأم، فيما يتولى محمد صبحي تجسيد شخصية أخناتون. وبالفعل، اصطحبه شادي ضمن فريق العمل، في رحلة تحضير إلى الأقصر لمدة شهر، طالبا منه، في ذلك الوقت، ألا يظهر في أدوار أخرى حتى عرض الفيلم، خوفا من أن يتأثر المشاهد بأدائه في هذه الأعمال، لكن مع امتداد مرحلة الإنتاج لأجل غير معلوم، اضطر صبحي لمزاوله عمله، لا سيما وهو لا يزال في مستهل مشواره الفني. مع ذلك، بقيت السنوات القليلة التي اقترب خلالها من عبد السلام واحدة من أهم المراحل في حياته، بحسب ما رواه لاحقا، إذ دفعه شادي إلى دراسة التاريخ المصري القديم تحديدا، والذي لم يكن على دراية به آنذاك رغم ثقافته المعروفة، كما شاركه العمل في الفيلم التسجيلي القصير "آفاق" (1972)، وهو فيلم يحتفي بالفنون المصرية المعاصرة على امتداد جذورها التاريخية.

على أن هذه الواقعة تفتح سؤالا أوسع حول مصير تلك المواد المصورة، وما إذا كانت هناك لقطات أو مشاريع أخرى صورها شادي وتركها أو فقدت بمرور الوقت

استهل عبد السلام فيلمه بلقطات ترصد الحريق الذي التهم دار الأوبرا الخديوية القديمة بميدان العتبة، وخلال فترة التصوير، يروي محمد صبحي أنه دعاه في اليوم التالي للحريق لمعاودة تصوير الموقع، ما نتج منه مادة مكونة من عدد من اللقطات، لم تظهر في الفيلم، رصد فيها عبد السلام أطلال المبنى المحترق تهيمن من حوله إعلانات ضخمة لمنتجات تجارية، ومن جديد تحضر الصورة بوصفها قراءة مبكرة للواقع الاستهلاكي الذي سيجتاح المدينة، خصوصا أن المبنى نفسه تحول إلى مرأب سيارات.

على أن هذه الواقعة تفتح سؤالا أوسع حول مصير تلك المواد المصورة، وما إذا كانت هناك لقطات أو مشاريع أخرى صورها شادي وتركها أو فقدت بمرور الوقت، بما يعني أن الملامح المعروفة لمشروعه السينمائي ربما لم تكشف بالكامل بعد، وقد نشهد مستقبلا ظهور خبيئة جديدة تعيد إحياء إرث فرعون السينما المصرية، كما أطلق عليه.

 

font change

مقالات ذات صلة